مدرسة جديدة تكشف العالم الساقط

كفرنيل

زيتون – بشار  فستق

في وقت اشتكى فيه مسرحيّون تدهور العروض وتفشّي التفاهة، كان آخرون منهم يعملون، بل وينهضون بفنّهم بُعيد الحرب العالميّة الثانية، على امتداد العالم شرقاً وغرباً. فظهرت أعمالهم لتغدو بمثابة مدارس، على صعيد الأدب والعرض المسرحيّ معاً.
كان منها نتاج رجل المسرح الألمانيّ «برتولت بريشت» الذي كرّس حياته لبناء علاقة جديدة مع المتلقّي، تضعه في المقام الأوّل، فانطلق بالاشتراك مع «بسكاتور»* مقدّماً المسرح الوثائقيّ، ثمّ انتقل إلى ما أسماه «المسرح الملحميّ» ليقوّض القواعد والمسلّمات المسرحيّة السائدة، والمقدّسة أحياناً. كما واجه العالم الفنّيّ برفضه للإيهام، طارحاً التغريب كبديل، والأداء الملحميّ للممثّل الجديد كمضادّ لتمثيل الديكتاتور «هتلر» الذي كان رمزاً للقتل والتدمير. نضجت مدرسة «بريشت» وتوّجها بالمسرح الجدليّ، فكانت مثالاً للإبدع الداعي إلى عدم الركون.
بشكل موازٍ، نشأت تجارب تحوّلت إلى مدارس في أرجاء العالم. أمّا نصيب منطقتنا فكان أن يستقي بعض أبنائها – عبر الدراسة الأكاديميّة – النتائج من بلدانها، ويعودون إلى بلادهم ليبشّروا ناقلين ما حمّلوا. بالإضافة إلى ما تُرجم إلى العربيّة عمّا يدور من جديد الفكر. فبدأ النبت يظهر مع بداية النصف الثاني للقرن المنصرم. وظهرت علائم النضج على بعض التجارب بداية الستّينيّات. عندها كانت الانقلابات العسكريّة السائدة تحاول جاهدة إثبات وجودها (التقدّميّ)، والاختباء وراء المدنيّة، على عكس حقيقتها التي كُشفت بعد نحو عقد، إذ شرعت تلك الأنظمة بعد هزيمة حزيران بالمطالبة بما أسماه أزلامها «الالتزام»، فيما يعني عمليّاً، اتّباع الأدب والفنّ أجندة تلك الأنظمة وشعاراتها في (الاشتراكيّة والتحرّر وتحرير الأرض المغتصبة وفضح مؤامرات الاستعمار والصمود والتصدّي له وللعدوّ الغاشم و…)، وتكرار هذه الشعارات لدرجة أعطت مفعولاً معاكساً لدى المتلقّي، فرغم إيمانه الحقيقيّ ببعضها، رغب عنها، وصار يتناولها بالسخرية.
مَن لم «يلتزم» مِن الكتّاب والفنّانين، اعتبرته تلك الأنظمة رجعيّاً على الأقلّ، وضيّقت عليه العيش حتّى يرضح، وإن لم يفعل، ربّما وضعته في السجن أو في مشفى المجانين، على الطريقة الستالينيّة السيّئة الذكر.
فكانت المنافي– ومازالت – الأحنّ على إنساننا، لكن طبيعة عمل المسرح تحديداً لا يمكن أن تتمّ على انفراد كما فنون أخرى كالكتابة أو التصوير، ما يجعل محاصرة حياة المسرحيّ معاشيّاً أمراً ممكناً بسهولة على الأجهزة الأمنيّة، خاصّة إن ساندتها النقابات، بإصدار قرارات فصل، فكيف إن لوحق الفنّان مباشرة، وهُدّد بالاعتقال!؟
وفعلاً اعتقلت الأجهزة العديد من الممثّلين السوريّين لمجرّد أنّ لهم رأياً يخالف النظام، ومازالوا الكثير منهم مختطفاً، لا نعلم مصيرهم، وحتّى من بقي صامتاً لايمتدح (المقاومة) ولا يؤيّد القاتل فهو موصوم بالخيانة في بيانات الجهاز الأمنيّ المختصّ بالفنّانين والمعروف بنقابة (الفنّانين).
يبقى من يطالبون بالمزيد من قصف السوريّين بالبراميل المتفجّرة، ويرون أنّ النظام مقصّر في القتل والتدمير، وأنّ الأولويّة هي في القضاء على الثائرين، وهي مهمّة الجيش، وليست الدفاع عن حدود الوطن. أمثال هؤلاء تزال آثار جرائمهم، ويسلّمون مفاتيح الفساد. فهذا (فنّان مناضل) يُكافأ بمنصب نائب رئيس مجلس (الشعب)؛ ومن يدري ما كان دوره في التفجير الذي قام به جهاز الأمن العسكريّ الأسديّ في أحد فنادق عمّان عام 2005، لقتل المخرج السينمائيّ مصطفى العقاد؟
لن ينسى الناس، ما حدث وما يحدث، مهما زوّرت وسائل الإعلام، حتّى أنّ بعض وسائل النظام تقدّم جرائمها بنفسها – إن كان بقصد الترويع، أو نتيجة غباء طبيعيّ – كما في ضحك إحداهنّ من المقدّمات، وهي تنقل من أحد المشافي لقطات لجثث أطفال في أحضان أهاليهم الغاضبين.
سويثّق رجال المسرح السوريّ ما يؤسّس لرؤية المستقبل اعتباراً ممّا حدث ويحدث، لن يفوّتوا قطرة دم أو دمع سُكبت، ستكون الكلمات التي خطّها متظاهرون، مفاتيح لأعظم النصوص المسرحيّة، ولن نستطيع الآن أن ننتقي فالمخاض على أشدّه، لكنّ كلمات مذهلة في بساطتها ودقّتها ونبوءتها، كُتبت بعد أشهر من بداية الثورة، تحمل في طيّاتها ما لم تقله مختلف الأعمال الفنّية حول الثورة، وربّما تكون جنين الأدب والفنّ المسرحيّين القادمين، مبشّرة بعالم جديد، شرقاً وغرباً، قالت اللافتة:
يسقط النظام والمعارضة… تسقط الأمّة العربيّة والإسلاميّة… يسقط مجلس الأمن… يسقط العالم… يسقط كلّ شيء…

هامش:
*إرﻓﻴﻦ ﺑﺴﻜﺎﺗﻮر (1893 – 1966) ﻣﻦ أهمّ اﻟﻤﺨﺮﺟﻴﻦ اﻷﻟﻤﺎن اﻟﺬﻳﻦ اﻟﺘﺰﻣﻮا ﺑﻘﻀﺎﻳﺎ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*