في رحيل فؤاد إدلب

14937230_1171864642892259_5895135004612684371_n

زيتون – رياض نعسان آغا

أتقدم بأحرّ التعازي والمواساة لكل أهالي إدلب، بفقيدنا الطبيب فؤاد زيادة، وأكاد أجزم أن أجيالاً من شباب اليوم ومن الرجال والنساء على مدى خمسين عاماً ونيف مرّوا بعيادته، وامتدت إليهم يده الخيّرة المعطاء بالطبابة والعناية وجعل الله على يده الشفاء.. يسمونه طبيب الفقراء، لاتخلو عيادته يوماً من حشد من المرضى الذين يعاينهم دون أجر أو جزاء.

هو صديق حميم لكل الأسر في إدلب.. وكانت تربطنا به صلة خاصة، عزّزها بصحبته لعمي نديم (رحمهما الله) فقد كان أحدهما للآخر الجليس الأنيس، ولا أنسى رعايته الحنون لأبي الشيخ حكمت نعسان آغا رحمه الله في مرضه، مع أن مرض الوالد كان خارج اختصاصه (فهو مختص بطب الأطفال، لكنه طبيب عام) يلبّي كل نداء، وكانت زياراته للوالد عيادة له.

ومن الطرائف التي كانت آخر لقاء لي به، يوم كان والدي يحتضر في مشفى ابن سينا، وكنت وصلت على لهف ورهق من دمشق عسى أن أودّع الوالد قبل أن تصعد روحه، فالتقيت في رواق المشفى بالطبيب فؤاد وفهمت منه أن الحالة صعبة، وتذكّرت قول العرب (لا هو حي فيرجى، ولا ميت فينعى)، وجاء بعض أقربائي وصحبي من الأطباء حتى اكتظّت بهم أبهاء المشفى وهم يسهمون في التشخيص والتقدير وجلهم من تلامذة الوالد، وبدأ الحديث يدور بين الأطباء حول ضرورة نقله إلى المنزل عسى أن يموت على فراشه (وقد انقطع الأمل إثر الجلطة الدماغية) ولكن الطبيب فؤاد اقترح عليّ أن يبقى في المشفى، وقال لي إن حادثة الموت في البيت ستجعل الأسرة في حالة أسوأ، لاسيما أن بعض أخواتي كنّ صغيرات، قلت بقلق (إذن أنت ترى أن الوالد ميت) فهزّ رأسه بأسى، وكان فؤاد يبادل الوالد محبة صافية صادقة منذ عقود، قال بعض الصحب الأفضل أن يُغسل ويكفّن في المشفى ثم تمرّ الجنازة من أمام بيته فيودعه، وهناك يجتمع المشيعون، ولم يطقْ الأهل هذا الحديث، فصرخت عمتي (رحمها الله): طولوا بالكم يا جماعة، ليش معتبرينه ميت، والله رح يرجع لبيته وياكل محاشي وكبب، وتبسّم القوم وهم يدركون أن قضاء الله قد بلغ المدى، عندها دخل أخي رمزي قادماً من دمشق، ورأى الوجوم على الوجوه المتحلّقة حول الوالد وكلٌّ يسأله (عمي عرفتني أنا فلان، أنا فلانة) والوالد في سبات الموتى، فتقدّم بينهم رمزي وقال للوالد ممازحا عكس ما يقولون (بابا، أنا عرفتك أنت أبي) فأفتر ثغر الوالد عن ابتسامة، كانت كافية لتطلق عمتي نبوءتها المضحكة (قلت لكم رح يرجع وياكل محاشي وكبب) بعد دقائق صحا الوالد، وسلّم على الحشد حوله، وتبدّلت الأسارير من الأسى إلى البهجة والعجب والفرح، وتلفّت الوالد يسأل عن الطبيب فؤاد فهرعت إلى البهو حيث يتجمع الصحب من الأطباء وقلت: يا دكتور فؤاد الوالد يسأل عنك، فنظر إليّ نظرة واجمة وهو يردد (الوالد؟) قلت (نعم هو جالس يتحدث مع عوّاده)، هرع إلى الغرفة ليجد الوالد يدير الأحاديث مع الأهل فصاح (ممازحاً) والله يا شيخ أنت بتخلي الواحد يطلع عن دينه، رح تخليني قول (أشهد أن لا إله إلا الله) وضحكنا جميعاً.
ومن المفارقات أن الوالد عاش عامين بعد هذه الحادثة وأكل المحاشي والكبب كرمى لعمتي،
كان الطبيب فؤاد زيادة ذاك المسيحي الأصيل النبيل، يجسد الخلق الكريم الراقي الذي عرفناه عن أهلنا وجيراننا المسيحيين في إدلب، وهم في أعماق الأسرة الإدلبية المندمجة في إطار وطني وأخلاقي واحد، ولن أعزّي آل زيادة والأسر المسيحية وحدهم برحيل فؤاد، فقد رحل فؤاد إدلب كلها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*