حلّ عنِّي أيها البلوز

%d9%83%d9%83

زيتون – إبراهيم قعدوني

 

صباح الخير أيتها الأشجار النائمة، أيها الضباب الحنون، أيتها القبور البعيدة، أيّها الطّفل الذي بباب النهار، أيتها النغمةُ الضّالة، أيّها الطنين الذي في الرأس، أيتها الموسيقا الأبدية.
صباح الخير أيها العالم، إنّها تُمطر، تمطر كثيراً في بلاد الآخرين، تمطر بقسوة هذه السماء التي بلا قلب، سوفَ تبتلّ روحي المنشورة قُربَ صواني البابونج ومعقود المشمش على سطح البيتِ الأوّل.
باردةٌ هذه الريح، ولا “تشارينَ” أخرى تطالها الذاكرةُ الثّكلى، ها أنا أفشلُ في فتح ثغرةٍ في كتلةِ هذا الصباح الأصمّ.
ثمّة ورقات ملوّنة ويابسة صعَدَت في زوبعةٍ أنيقة، أوراق كثيرة دارت كعجلاتٍ سحرية، لبعضِها حُمرةٌ خجولة، هجَعَت على الرصّيف النديّ، حيث المتشرّد الملتَحِفُ بالنّعاس ينظُرُ لآخر الشارع كمن ينتظر أحداً لن يأتِي.
أمرُّ بسؤالِه اليوميّ: “Do you smoke mate?” هل تدخّن يا صاح؟ أجيبه آسفاً: أقلَعتُ منذ وقتٍ طويل ثمّ أمضي حاملاً لعنته المرتجفة.
عامل النظافة الأسود يلتقط زجاجات كحول من ليلة الأمس، يطوفُ بعربته التي تذيعُ أنغاماً وديعةً -من البلوز القديم على الأرجح-
عند الساحة الخالية سوى من بعضِ حمامٍ لاهٍ، أنعطِفُ مع الريح وأنسلُّ في الدفء الطارئ لمقهى الكوستا حيثُ رائحة الكرواسان الساخن تمتزج بموسيقا مرحة لا تناسب لونَ هذا الصباح،”-بلاك أميريكانو- تيك أواي، بليز” (يضيف الانكليز الحليب لكل شيء تقريباً). تبتسم الفتاةُ العشرينية ابتسامةً معدنية فيما تناولني كوباً طويلاً عليه صورة لرجل ثلج بقبّعةٍ حمراء.
أهجُرُ المقهى بينما ترنُّ في رأسي رائحةُ خبزٍ منشورٍ على رصيف بعيد، وفيما أخطو خارج الباب تلاقيني الريحُ الباردة مثل ساعي بريدٍ يناولني صورةَ طفلٍ يقولون أنّه غرِقَ في نهر كان يحسَبُهُ غيمةً سائلة.
على المقعد الرّطب أنظُرُ في الأوراق التي تسقُطُ بجمالٍ موحش، الأوراق ستسقط دوماً، وستُراقصها الريح، ويراقبها آخرون قد لا يكون بينهم رجلٌ يمسِكُ بكوبٍ طويلٍ من القهوة -في بلادٍ لا تعرفه- ويُنصِتُ لأغنيةٍ لروبرت كراي اسمها “حلّ عنِّي أيها البلوز” فيما يفكّر بطفلٍ غرِقَ في نهرٍ حَسِبَهُ غيمةً سائلة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*