لو نبشنا الصدور لكان لكل منا حية بداخله

عبد العزيز الموسى

لم تقنط مريوم من أختها, مسحت عينها الرمداء بذيل ثوبها المقلوب المتسّخ، حدّقت في خواتم أختها، زانتها من تحت لفوق بجلال خاص وسألت بترجٍ وهي ما تزال متجمّعة عند قدمها: «لا تقولي للبك يا أختي حرام قد يطردها» شدّدت مريوم على عبارة أختي مستعطفة ولم تجد غير البكاء لتدلل عن صدق رجائها.

أمون لوتْ بوزها باستخفاف كما لو أنها أهينت من ملاحظة أختها وبتهكم قالت: «كل هذه العجقة لخاطر أم سن الذهب ! أهل المغارة مهابيل أنا لا أسمح لها بالقدوم للقصر إلا لتساعدني وأحمّلها مع المساء صحن طبيخ لإخوتها المتعاوين من الجوع»، وباشمئزاز تابعت: «لم يبق إلا أن يقولوا بأن البك يدعوها لفراشه, كأن البك تنقصه مثل هذه الأشكال المتدودّة هناك الذين يلاطفونها, هندية لا تقنع أعجزت زوجها فطق ومات وكل عمل رحمو أن يراقبها فلا أب يردع ولا أم تمنع، مشتعلةً كقطط شباط من حائط لحائط، فلم السحر ولم الّسحارين يا أهل المغارة؟» وبكل ملامح الازدراء وهي تنهض وتنفض ثوبها قالت لأختها مريوم بلهجة معتدّة دون أن تلتفت: «تعالي ورائي حتى أعطيك حبة برغل لأولادك هيا».
السمراء الهندية المطلقة صاحبة سن الذهب الضاحك حلم الشباب إذا خلوا ببعضهم ولا يقتنعون أبداً أنها دون مهمة في قصر التل المشرف على حواكير وبستاتين المغارة وكرومها الممدودة حتى بطن المنحدر البركاني الذي يتحول في أسفله عندما يتسّع ويرتاح إلى رام بركاني عريض وواسع تحرسه شجرة بلوط عتيقة متحرشفة الجذع ويسكن عند قاعدتها ولي الله الجوخي متعدد المهام والاختصاصات. فهو للبشر وللبهائم وللربو والحبل ووجع الظهر والأبو صفار. ويضرب الجوخي على أيدي المتجارئين عليه فوراً. ويحفظ الناس ويتناقلون مخاوف لا تحصى عنه، ويروون وهم في غاية الهلع وصفات تملقه والتودد إليه وطلب غفرانه بقلوب مرعوبة واجفة، الجوخي في المغارة هو اليد المشرعة الجاهزة لتلطم ويقبلها الناس وقت اللزوم.
الناس بطبعهم ميالون لتضخيم كراماته مؤملين في سرهم أنه بديل جاهز يقظ يضفي القداسة على عجزهم وقد عجز سواه عن القصاص.
عبد الرحمن الذي هو رحمو الأخ الوحيد للهندية السمراء، رحموا مصفر الوجه، نحيل، ممصوص الدم، في عينه خبث العاجز.
توريه ملاحظات أمه على أخته الهندية لزجر سعارها، ساطها بحبل من الأستيك حتى كلّ، فَعَسَ بالقدوم إصبعها لما ردت عليه بقحةٍ فاضحةٍ.
لكنها غير مكترثة به ، في عينها جرأةً نهمةً آكلةً تتعامل مع أمها باستهانة ولا توفر في حقها أية شتيمة دون حرج، بل وتلعن على مسمعها تربة قبر والدها الذي تزوج بأمها.
يحرص رحمو أن تظل الهندية تحت إبط نظره كل الوقت، وملازمته لخنجره جعل سفاهتها أمضى.
أعمام الهندية لا يشتمونها، ولكن يشتمون أمها التي اعتبروها وراء وفاة أخيهم بعد الحصاد، وفي سرهم يتأسون لابن أخيهم رحمو، ويتمنون عليه يوماً يتحرر فيه من حضن أمه النجس وحربائية سلوكها، مؤملين، أنه في القريب سيؤوب إليهم رجلاً وقد انفطم تماماً عن حليب أمه المسموم.
مراد، سخر من ذوقية جوزيف، وضرب على كرشه ليؤكد مردود النشويات الشرقية، مذكراً جوزيف الذي وصل لتوه لانشغاله عن حضور الوليمة التي أقامها أبو عبد الله في مقصف النواعير، بأنه لم يغبن أبداً.
لماذا؟ لأنه لم يتشرف بالتعرف على عصمان البك، عصمان المغارة، هرها السمين، يا رجل عليك أن تتلمس أعضاءك وهو يوشوش أبا عبد الله بحواجبه وبريق عينه الغادر، يسطو عليها يا جوزيف.. والله، ما يحيرني أنه حتى الآن قادر على تبضع هذه الأفاعي ويساكنها في مغارته، كيف يدجنها لا أعرف، هي معجزته، هل فهمت الآن سر وداعتنا بحضور أبي عبد الله، ثم استغرقته ضحكة مديدة.
ما أردت إلا التقليل من إحساني نحوك وقد أطعمتك، أنت تناكد وحسب.. قالها أبو عبد الله متكلفاً سماحة الملامح.
ارتد مراد للوراء، تجشأ، استنشق رطوبة عبقت بنداوة العاصي المتهادي تحت أقدامهم وقال ولكن لجوزيف: «لو نبشنا الصدور لكان لكل منا حية يدجنها بطريقته.. طريقته الخاصة جداً.. أليس كذلك يا حضرة القائمقام؟ ثم عاوده الضحك».

رواية «الجوخي» للكاتب عبد العزيز الموسى، تمت طباعتها بدار الشموس للدراسات والنشر والتوزيع عام 2002.
وتعيد زيتون نشرها .. الجزء (3)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*