ابنة دير الزور الشاعرة سميرة بدران لزيتون: بعد أن انتشر الموت في الأزقة والحارات، صار الهم أكبر ولم يعد الكلام يفيد

من ضفاف الفرات الى مدينة غازي عينتاب، رحلة قطعتها الشاعرة سميرة بدران أولى اللواتي وقفن على منبر الشعر الأنثوي في مدينتها، لتروي قصة عشتار التي سكنتها حتى صوبت تفاصيل حياتها بما يتناسب وقدسية هذه الآلهة التي جعل منها الدارسون سيدة المتناقضات.

دير الزور المنسية منذ الأبد، الطيبة، الحنونة، المؤثرة، والصامدة، النائية كما سماها السوريون، تحزن، لبعدها عن المدن الحاضرة أخواتها، لعل حزنها توزع علينا نحن أهلوها بالتساوي، خاصة وأن هذا البعد وما ترتب عليه من طقس متقلب ومناخ صحراوي، أكسبنا متناقضات كثيرة ومزاجية تختلف عن أخوتنا في المدن الأخرى. ليس حزناً ماتقرأه بين كلماتي، ربما هو العتب ليس إلا.

15239311_1223009114430839_2042437209_n

– بين كل هذا الزحام والركام السوري من هي سميرة بدران؟

أنا امرأة من رمل

على سلم ريح

صوت.. وصدى

يشكِّلني فراغٌ بجسد أخرس

إلا من حروف بلا نقاط

ورجع صليل

لأصفاد دُقَّت في رأس حلمي
أنا امرأة ملَّت الهمسَ
والحبو.
وآثرت الصراخ والعدو
فالألوان ماعادت هي الألوان
وضفتي المعقودة على كتف الفرات
يفصلني عنها دهر من الانكسار
وجيشٌ من الغدر والقطيعة
أصرخ.. لأحيا
علَّ (هُبَلهم)
يخرج من حيِّز خيبته
معلناً شرف الهزيمة..
– كيف تعرفت بنت الفرات الى عشتار؟ من هو العراب الذي دلك الى شياطين الحب والشعر؟
منذ أن تجولت في عوالمها تلبّستني، كان ذلك في بداية شبابي، قرأتها طويلاً حتى ارتويت، لكن قراءتي كانت تأخذي دائماً إلى الخصب والبذل والعطاء والربيع والجمال.. من هنا نمَت في داخلي حتى جعلتني هي..
أذكر أمسيّة لي في حلب (نادي شباب العروبة) ألقيت قصيدة لي تغنيت بعشتارتي وسبحت في عوالمها.. فوقف فنان تشكيلي مشهور قائلاً: أقسم أن عشتار القرن العشرين أمامي.. إنها تأسرني وتدخلني طائعاً لعوالم عشتار البابلية.
كنت أزداد زهواً وتعلقاً بها.. حتى أنني صرت أصوب تفاصيل حياتي بما يتناسب وقدسية هذه الآلهة التي جعل منها الدارسون سيدة المتناقضات.

عشتار سيّدة الحضورِ

أميرة اللهفات

فاتحة الجنون الحُلوِ

أغنية العذوبة

والخصوبة

والتكامل

والنقاء

عشتار مبتدأ القصيدة

حين يهمس وقتها:

حان الوصال ولاحبيب هنا

يبوح بما يخامره، ولاقمرٌ

يضيء

لاشيء يبدو غير متَّسع

الفراغِ ، يتيه مختالاً

بدفءٍ لايجيءْ !!
أما من دفعني لاقتراف الكتابة والشعر فأنا أرى أن هذا الدرب هبة وقدر، إذ كتبت أولى قصائدي وأنا في االصف السابع، قبل أن أتجه لالتهام كل ما تقع عليه عيناي من الشعر قراءة وتذوقاً، لكن فدوى طوقان وهند هارون ونازك الملائكة كن معي دائماً، أما محمود درويش ونزار قباني فأهيئ طقس قراءتي لهما كل مرة حباً وشوقا، لي خطي الذي يختلف عنهم جميعاً ويتفق معهم جميعاً.
– تبدو الرغبة جامحة في كتاباتك للحرية والانعتاق من موروثات المجتمع، الى أي حد سجنتك تلك التابوهات، وكيف كيفت القصيدة لتقولي مالا يقال؟
كنت أول من وقفت على منبر الشعر الأنثوي في مدينتي التي تنام على كتف الفرات وتجنح إلى البساطة والهدوء، ففي عام 1986 وعلى مسرح المدينة الصغيرة ألقيت أولى قصائدي بجرأة لم يعهدها أهلوها الطيبون، نعم هي جرأة، وقفتي هذه كانت الخطوة الأولى في الانعتاق من الكثير من القيود البالية، دعم أسرتي لي واهتمام والدي ودعمه المستمر كان التميمة التي جعلتني أتخطى كل العقبات التالية.
ولأن الثقة الكبيرة والدعم القوي مسؤولية واعتبرتها تكليفاً لي، عملت على صقل موهبتي ووسعت في مساحة ثقافتي الأدبية.

أيقنتُ

-هذا ما يقول الوردُ في روحي-

بأنَّ الوقتَ مبذولٌ

وأنَّ دمي الموزَّع في

خلايا الوجد

مهما خاتل الذكرى .. شهيدُ !!

أيقنتُ دوماً أنني سأظلُّ

أمعن في العناد الحلو

أسرجُ صهوتي في الريح

أحتلبُ الرؤى

ليفيض في دمي القصيدُ..!!
كان يشغلني الهم العام كثيراً، لكن طرق بعض الأبواب محظورة، ودخولها مخاطرة، لذلك لففت خطابي ببعض الرمزية، وغلّفت صوتي بكثير من الخيال، خاصة وأنني تعرضت أكثر من مرة بعد بعض الأمسيات للاستجواب والمساءلة من قبل النظام الحاكم.

طوبى لمجدك يا مدينهْ

طوبى لجرحٍ

يستفيق الآن مشتعلاً

بدفِ دمٍ

ويركضُ في حواريكِ الحزينه

لكَ أن تشاكسها

وتدخل في مقابرها الهزيلةِ

ثم تفرح بالهزيمه

لك أن تضمَّ إلى اليتامى

ماتبقَّى من ممالكك

اليتيمه..!!
أما في بناء القصيدة فقد كنت أشعر أن العمود كان قيداً ثقيلاً، لذلك اتجهت إلى شعر التفعيلة الذي كان يستوعب كل ما أريد البوح به بحرية، رغم أنني كتبت الشعر العمودي أيضاً.

قالت حَذامُ ولم يصدِّقها أحد:

قالت أرى شجراً يسيرُ

أرى دماً حلواً يسيل

ثم يبحثُ عن مددْ

قالت حذامُ ولكن

لم يقم سيفٌ،

ولم ينهض بلدْ..!!
– يقول البعض إن الشاعرات نساءً متمردات وجريئات، وإبداعهن انحراف محرم، فلا يحق لهن مايحق للرجل؟
ربما هو الفهم الخاطئ للإبداع، الفهم الخاطئ للأدب، والمقولة الأزلية (المرة مرة والرجل رجل) التي زرعت في ذات المرأة الشعور بالظلم، وفي ذات الرجل الغرور والتسلُّط، المرأة تحت الضوء الساطع من قبل الرجل في مجتمع ذكوري، كل ماتقوم به محسوب عليها ومحاسبة عليه، إن دخول مجال الأدب مثل كل المجالات الأخرى لا يختلف عنهم بشيء، لكنه يتوجه إلى كل شرائح المجتمع ويتلقاه الجميع وهنا يبدأ التشريح و التقييم.
الشعراء يعتلون المنابر، يتغزلون ويوغلون في الوصف والتغني، وهو أمر عادي في مجتمع يعتبر صوت المرأة عورة، فكيف بوقوفها على منبر!.
قيل عني يوماً متمرِّدة رغم أني لم أدخل في ميادين التغزل أو التغني بالحبيب، وعانيت كثيراً حتى استطعت أن أجد لي موطئ قدم في عالم يلغي النساء المبدعات الحقيقيات، ويرفع من نساء لايمتلكن الموهبة ولا الثقافة لغايات ترضي غرور المتثاقفين القائمين على الأمر و القرار والسلطة.

خلعت قميص بهائها

توقاً لدفءٍ .. وانعتاقْ

رسمت –وقد طفح الترقُّبُ-

وردتين

على مسار حبيبها

ومضت يرافقها

انكسارٌ ذابحٌ

ويحفُّ لهفتها احتراقْ!!
– هل ساعدت الثورة على ايجاد دوراً أكبر لحضور المراة في الحياة الأدبية أم العكس وهل ترين كشاعرة وأديبة أن هنالك فرقاً حقيقياً بين أدب نسائي وأخر ذكوري؟
الثورة أبعدت المرأة ولم تساعدها على الإبداع وتطوير الذات، فحضور المرأة كان في النكبات والمجازر وتحملت الدور الأكبر في لملمة شتات أسرتها، إنهيار المجتمع بدءاً من الأسرة هو ما شغل النساء في سورية، همومها كانت أكبر من نص أدبي تقدمه لمجتمع همه الأكبر الحياة والوجود والخبز.
في بداية الثورة حاكت بعض النساء الأهازيج المحرضة والداعمة وأنا منهن، لكن بعد أن انتشر الموت في الأزقة والحارات، وعم الخراب كل بقعة في الوطن، صار الهم أكبر ولم يعد الكلام يفيد، الصدمة جففت الحبر، وقدسية الدم الذي سال أفقدنا القدرة على الكلام، نتفٌ من العبارات تنسل بين حين وآخر، لا تعبر عما يختنق في الصدور من وجع.
– ما التفاصيل الصغيرة تلك التي تفتقدينها وأنت بعيدةً عن الفرات وسوريا؟
أفتقد مكتبتي وهو افتقاد مرٌّ للغاية، ثم كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة الأخرى، لكن ما يطفئ نار افتقادي، الغياب الذي ألمّ بمجتمعي الصغير هناك، ذهب الكثير من الصحب والأهل والجيران بين مهجر ومفقود ومعتقل وشهيد، وبات كل ما هناك ممجوجاً بدونهم، تهدأ النفس عن شوقها وتعاف النفس كل ما دونهم، ولهذا أقول:

(نزفَ الغَرَبْ)

سالت دموعُ الحَوْرِ دافئةً

ومالحةً .. وفاضت في المدى آهُ العتب

هل غابَ (فرسان القصيدة)؟

هل أصاب (الزورَ) وهنٌ أو تعبْ؟

نزف الغَرَبْ

وبكى الفراتُ ..بكى

وسال نجيعه دمعاً

تهدهده المواسمُ ،

غربةً تختالُ داخلها

اختلاجات اللهب..!!
– هل استمرت سميرة بدران بالعمل الثقافي في بلاد اللجوء وأي المواضيع هي التي تناولتها؟
هنا في تركيا كنت من مؤسسي ملتقى حران الأدبي وهو يجمع جنسيات الأدباء المختلفة، هدفه تقديم الحضارة الاسلامية والأدب العربي بأبهى صورة، كما أنني أدير المكتب الثقافي في هيئة السوريين في أورفة، وأساهم مع فريقي في بناء الجسور للمحافظة على الأدب السوري ودعم الثقافة الثورية، شاركت بأمسيات شعرية في ذكرى انطلاقة الثورة وأخرى لمنبر الشام في عينتاب عن حصار المدن، وللحصار الخانق في دير الزور قمنا بحملات لفك الحصار وكان لي قصائد بهذا الخصوص منها:

أشدُّ البطن خاوية وحلمي

تقاسمني رغيفك في الخيال

لعابي كم يسيل إليه توقاً

وقلبي هدَّه جمر السؤال

وفوق الجوع ذلٌّ واحتباس

حصار الروح يفتك بالرجال

شداداً كان أهلي قبل حولٍ

وجور الرحم بدَّلهم لحالِ

يؤدون الضريبة كلَّ نبضٍ

ثقيلاً كان دينهمُ …..

وغاااااالي

 

أنا من خبرتُ الجوعَ والذلَّ الممضَّ

وعرفتُ مايُشقي الطريد هناك

من وجعٍ ومن خوفٍ

ومن قلق المصير على المصير

لي مُضغة الشعر التي بفمي

ولي حلم الترقُّب بالنهاية والنشور

فأنا المغني… الطريدُ بعرفهم

أنَّى التفتُّ أو ابتسمتُ

أو انطلقتُ

أو انكفأتُ

فإنَّهم كالموتِ

إنَّ الموت أهونُ من ترقُّبه المرير…!!!
– في الختام نود أن نفهم سر هذا الحزن في نصك؟ أهو بسبب ذاك النهر الذي ظل يفيض بكل تاريخ اوجاعه؟
بل لأن ما يحيط بنا يشي بكل هذا، لعل الشفافية التي منحني إياها الله هي السبب، الفرات رغم مايوحي للآخرين به من حزن إنما هو الفرح المقيم، هو السكينة والهدوء الرباني المقدس.
دير الزور المنسية منذ الأبد، الطيبة، الحنونة، المؤثرة، والصامدة، النائية كما سماها السوريون، تحزن، لبعدها عن المدن الحاضرة أخواتها، لعل حزنها توزع علينا نحن أهلوها بالتساوي، خاصة وأن هذا البعد وما ترتب عليه من طقس متقلب ومناخ صحراوي، أكسبنا متناقضات كثيرة ومزاجية تختلف عن أخوتنا في المدن الأخرى.
ليس حزناً ماتقرأه بين كلماتي، ربما هو العتب ليس إلا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*