في الحصة الثالثة سقط الصاروخ الثاني..

زيتون – محمد أبو الجود

فقدت أصدقائي وكتبي ومعلمتي ومدرستي.. ماتت الطفولة ومات كل شيء في هذه المجزرة.. أصوات الانفجارات ومشهد الدمار والدماء لا تفارق مخيلتي.. أشلاء هنا وقطع هناك وكتب ملقاة.. دماء وأشلاء في كل مكان.. على مقاعد الدراسة وفي الصفوف وفي الباحة.. أخي .. ابن عمتي.. أحمد.. حسني.. لؤي.. يا رب أنا ابن شهيد ووحيد لأمي، أنقذني من أجل والدتي.. لن نسمح لطائرات الأسد وشريكه المجرم بوتين بأن تقضي على أحلامنا ومستقبلنا.. سيصبح منا أطباء ليداووا جراحنا العميقة.. وسيكون هناك مهندسين ليعيدوا بناء ما دمرته طائراتهم.. كنا شرارة الثورة وسنبقى شعلتها المتوقدة ولهذا تقتلنا طائراتهم.. هكذا عبّر أطفال حاس عن ردود أفعالهم تجاه العمل الإرهابي الذي استهدف مجمع حاس التربوي في 26 تشرين الثاني، وأسفر عن ارتقاء نحو 40 شهيداً جلّهم من الأطفال.

«لؤي محمد الأعرج» طالب في الصف الخامس في مدرسة حاس، وأحد الناجين من المجزرة، قال لـ «زيتون»: «لاتزال أصوات الانفجارات تدوّي في رأسي، ومشهد الدمار والدماء لا يفارقان مخيلتي، وكأنه يتكرّر في كل لحظة، فقدت أصدقائي.. وكتبي.. ومدرستي التي أحبّها.
gettyimages-467493086_0

يجهش لؤي بالبكاء، مضيفاً: « لا يمكنني وصف ما حدث في تلك اللحظة، حالة من الرعب والهلع طغت على كل جوارحي، أرى تدافع الطلاب، وهروب بعضهم نحو الحياة، واختباء البعض الآخر تحت مقاعد الدراسة التي امتلأت لاحقاً بالدماء، وتناثرت فوقها الأشلاء، حين سقوط الصاروخ الثاني، بينما أصبح همي الوحيد أخي حسني، طالب الصفّ الأول، في مشهد لن يُمسح من مخيلتي طالما أنا على قيد الحياة، كيف بدأت بالبحث عنه في أرجاء المدرسة، والطائرات ماتزال تلقي بالصواريخ فوقنا، وكيف كاد قلبي ينفطر إلى أن وجدته مختبئاً تحت المقعد في صفه، أمسكت بيده وبدأنا بالجري، خرجنا المدرسة والتجأنا إلى أحد المنازل المجاورة لها، إلى أن سمعنا صوت جدي ينادي حسني.. لؤي.. حسني.. لؤي..، عندها فقط امتلكنا شيئاً من القوة، ولا ندري كيف خرجنا مسرعين نحوه، وأصوات بكائنا تملؤ المكان، وتمتزج مع أصوات القصف، وما إن خرجنا من المنزل حتى سقط صاروخ جديد على بعد 100 مترٍ منا.

لم نكن نعلم هل هو وجود جدي ما أعطانا القوة لنجري نحو جدي بسرعةٍ أكبر؟ أم هو الخوف والحرص على الحياة؟ أم هو ما رأيناه من أهوال القصف ومخلفاته؟؟.
أشلاء هنا وقطع هناك وبقايا كتب وحقائب وأدوات زملائنا، وجثث بعضهم المتناثرة على الطرقات، كانت رائحة الموت تملأ المكان، إلى أن وصلنا إلى أمي التي بدأت بالبكاء لحظة وصولنا، خوفاً وفرحاً معاً.

يتابع «لؤي»: «في تلك اللحظة فقط قررت ألّا أعود ثانيةً إلى المدرسة، ستعلّمنا أمي، ولن نعود إلى الموت المحدق بنا في كل لحظة، لن نعود إلى الموت بأرجلنا».

يا رب لا تموتني أنا ابن شهيد6841e78c6be0bca6abf777df

«راما» طالبة في الصف السادس في مدرسة حاس، وهي أيضاً واحدة من بين طلاب وطالبات المدرسة الناجين من المجزرة، قالت لـ «زيتون»: «فوضى.. خوف.. رعب.. بكاء.. دماء.. ودمار، لا أعرف ماذا جرى، مع سقوط الصاروخ الرابع، بدأنا بالبكاء والصراخ، توقفت الحياة أمامي، لم أتذكر في تلك اللحظة سوى «أحمد» ابن عمتي، طالب بالصف الأول، أكثر ما كان يقلقني ويثير انتباهي هو العثور عليه وإخراجه من المدرسة هو ابن شهيد ولا يعرف الرجوع إلى المنزل وحده، وجدته أمامي بعد بحثٍ مرير عنه، وجدته يركض وهو يبكي حضنته وبدأنا بالهروب معاً.

كان أحمد يبكي ويقول: «يا رب.. لا تموّتني.. أنا ابن شهيد، أنا وحيد لأمي، أنقذني من أجلها»، مع تلك الأصوات التي تملأ المكان رعباً وخوفاً، صوته الجهوري الحنون الممتلئ برضا الله، أعطاني القوة، أعطاني الإصرار، أمسكت يد أحمد وجرينا حتى وصلنا إلى باب المدرسة، لانعرف أين نذهب، بدأنا بالركض مجدداً، وكانت المفاجأة الصادمة والتي أحسست قلبي توقف عندها من قساوة المنظر، عندما رأيتها لا أعرف بماذا أحسست وكأن كهرباء صعقت جسمي بالكامل بدأت بالصراخ والبكاء الجنوني، كانت يد طالب ممسكة بحقيبته على الطريق وكدت أتعثر بها..
كتب ملقاة هنا وهناك، جثث وأشلاء، ودخان كثيف، توقفت، لا أعرف ماذا حل بصديقاتي، الطائرة مازالت تحلّق في السماء، بكاء زملائي وصراخهم جمّد تفكيري، صعدت في سيارة شخص لا أعرفه، تعلّقت بالحياة لدرجة أنني عندما شاهدته كان بمثابة طوق النجاة لي، أوصلنا إلى منزل خالي ومن ثم إلى المنزل، وهنا انتهت رحلة الهروب من الموت على أرض الواقع، لكن آثارها ومشاهدها لن تنتهي في داخلي.crop700x3952772128515

صدمة الموت

«حسني حسن الأعرج» طالب في الصف الرابع، قال لـ «زيتون»: «في صباح ذلك اليوم أيقظتني والدتي باكراً، ارتديت ثياب المدرسة إلى أن جهّزت لي السندويشة التي لم أتذوّقها، وضعتها في حقيبتي وانطلقت إلى المدرسة، ونحن في الدرس الثالث، سمعنا صوت الطائرة ألقت الصاروخ الأول، وكان صوت الانفجار بعيد، بدأنا أنا وأصدقائي بالضحك الممزوج بالخوف،
وما إن سقط الصاروخ الثاني حتى شعرنا بالصدمة، صدمة الموت والخوف، ضغط كبير من آثار الصاروخ الثاني، ثبتنا في مكاننا دون حراك.

ونحن في الدرس الثالث، سمعنا صوت الطائرة ألقت الصاروخ الأول، وكان صوت الانفجار بعيد، بدأنا أنا وأصدقائي بالضحك الممزوج بالخوف، وما إن سقط الصاروخ الثاني حتى شعرنا بالصدمة، صدمة الموت والخوف، ضغط كبير من آثار الصاروخ الثاني، ثبتنا في مكاننا دون حراك.

وتابع حسني بعد لحظاتٍ من الصمت التي اخترقتها دموعه وتجلّت فيها معالم الخوف والرعب في تعابير وجهه، انطلقت باتجاه الحياة، ظلام يتخلله الموت، أشلاء ملقاة على المقاعد.. بين الصفوف.. في باحة المدرسة.. في كلّ مكان، لا أدري أين أهرب، أنظر هنا وهناك دماء وطائرة بالسماء تلقي الموت على أجسادنا الهزيلة، وصلت إلى باب المدرسة وهدفي الوصول إلى أمي التي تنتظرني في المنزل، فقدت أصدقائي، وآنستي التي كانت بمثابة الأم لنا، ماتت ومات كل شيء معها، ماتت الطفولة في هذه المجزرة، وماتت معها رغبتي بالحياة بعد كل تلك المناظر المروّعة، وكل ذنبنا أننا أطفال سوريا .

أمهات بين الركام بحثاً عن فلذات أكبادهنdsc02797
بمقابل كل طفل كان يبحث عن أخيه أو صديقه، وكل طفل كان يفكر في خوف أمه عليه أو عليهم، كانت هناك أمّ انفطر قلبها، وهرعت بلا وعيٍ أو إدراكٍ نحو المدرسة لتطمئن على فلذات كبدها، ومنهن من استشهدت وهي تبحث عنهم، وقبل أن تطمئن عليهم.

«أم خالد» والدة أحد أطفال مدرسة حاس، الناجين من المجزرة، قالت لـ «زيتون»: «مع التنفيذ الأول أصبحت في منطقة وسط بين الشعور بالألم والخوف من جهة، والرغبة بالبحث عن طفلي المتواجد في منطقة القصف، وخاصة بعد أن شاهدت الدخان الأسود يخرج من منطقة المدارس، لا أعلم كيف وصلت إلى المدرسة أبحث عن ابني بطريقة جنونية، لم أعر أي اهتمام للطائرة وكل تفكيري كان منصباً على البحث عن ولدي.

تتابع أم خالد وهي تتلعثم بالحديث وكأنها تعيشه الآن ولأول مرة في هذه اللحظة: بحثت كثيراً في المرة الأولى إلى أن أتى أحد الأقرباء وأخبرني بأن طفلي أصبح في المنزل، فرحة كبيرة انتابتني عندها، وركضت مسرعة إلى المنزل، لكن صدمتي كانت حين لم أجده، وتوقف كل شيء، لا أعرف ماذا أفعل وكيف أتصرف، وإذ بي أعود إلى المدرسة مرة ثانية، وبلا أدنى وعيٍ أو أدراك، ولكن ليس كما في المرة السابقة بل أشد، بحثت كثيراً بين الركام.. وسط الدخان الأسود، شعرت بقوة هائلة تدفعني، لا أعرف ما هي، ذهبت إلى صفه فوجدته مختبئاً تحت المقعد، كان يبكي ويبكي، سحبته من يده وصرخت في وجهه: «أنت بأمان.. أنت بأمان»، وهنا بدأ بالبكاء حضنته وركضت مسرعة به إلى المنزل.

تُعقّب أم خالد والحزن يطغى على نبرة صوتها: «تغيّرت نفسيته، تغيّر خالد كثيراً عليّ، ومنذ ذاك اليوم وهو يخاف من كل شيء، يخاف من أي صوت، يستيقظ ليلاً وهو يصرخ بصوت عالٍ، وحتى الآن هو لا يستطيع أن يخرج حتى إلى الشارع، لقد ضعُفت شخصيته، كان قبل المجزرة يساعدني كثيراً في أمور البيت، ويريحني في عملي، أما الآن بات يخاف الخروج من المنزل».

الأطفال رجال إنقاذ غامروا بحياتهم لإنقاذ بعضهم

«محمد» 30عاماً، معلّم في مدرسة حاس، يروي لـ «زيتون» ما حدث في ذلك اليوم، يقول: «أطنان من المتفجرات تسقط على تجمع مدارس مليء بالطلاب الصغار، إجرام تعدّى الخيال والوصف، لا أدري من أين أبدأ، كان الطلاب يبكون ويستنجدون بالله ويصرخون «يا الله».. «يا الله»، يتراكضون هنا وهناك، والطائرة في السماء مازالت ترمي، لكن إنقاذ الأطفال كان أهم من حياتنا، رغم حالة الفوضى العارمة والخوف من الخطر المحدق بنا جميعاً، فلا صوت يعلو على صوت الصواريخ، بدأنا بإخراج الطلاب، ولكن!!، إلى أين نذهب بهم؟، لانعرف.. ولكننا مع ذلك نخرجهم باتجاه المجهول، ومع التنفيذ الثالث والرابع هنا كانت المجزرة الحقيقة، فالطلاب منتشرون في الشوارع يتراكضون بشكل عشوائي، وعندها سقطت المظلة، وفي هذا التنفيذ سقط العدد الأكبر من الشهداء، وانقسم الأطفال فمنهم من تحوّل إلى أشلاء، ومنهم من أُصيب، ولكنّ المؤثّر أكثر من كلّ هذا، هو كيف تحوّل القسم المتبقي من الطلاب إلى «رجال إنقاذ».
13532836_336579950054591_694876884465343358_n
يُتابع «محمد» (وشعور بالنشوة والحزن والألم والفخر ممتزجة في صوته، وباديةً على وجهه، ومصحوبةً بدمعةٍ مُحتَبَسة في عينه): «بدأ الكبير منهم يحمل الصغير ويذهب به نحو الأمان»، «لقد كانوا رجالاً وأثبتوا جدارتهم ووعيهم رغم صغر سنّهم وبراءتهم».
ويضيف: «راح الكثير من الطلاب ما بين شهيد وجريح، أيضا الكادر التدريسي سقط الكثير منهم شهداء»، «لقد تغيرت حالة ومشاعر الطلاب كثيراً بعد تلك المجزرة، وأصبح الكثير منهم يعاني حالة من الخوف وفوبيا الأصوات العالية، حتى صوت الدراجة النارية بات يرعبهم، جلهم لا يستطيعون الآن الخروج من المنزل من شدة الخوف والحالة النفسية الصعبة التي يعانون منها» .

أهوال المجزرة
«حسام»، 28عاماً، شاهد على المجزرة، وأحد المتطوعين لإنقاذ الأطفال يوم مجزرة حاس، قال: إن ذلك اليوم كان أقرب إلى أن يوصف بيوم «الحشر»، أطفال صغار كانوا هدفاً لأحدث القنابل وأكثرها تدميراً، حالة من الذهول من فقدان الوعي انتابتني، 7 مظلات على تجمع مدارس، أمر لا يُصدّق .

وأضاف قائلاً: من المواقف التي أثرت بي في تلك المجزرة والتي لن أستطيع نسيانها، وخلال مساعدتي في إنقاذ الأطفال، وجدنا في الشارع جثة طفلة بدون رأس، هنا فقدت توازني ولم أعد أستطيع المحافظة على هدوء أعصابي، وبدأت بالبكاء والصراخ كالأطفال. واستطرد «حسام» قائلاً: «أدعو الله أن يتلطّف بنا، صورة المرأة التي سقطت شهيدة هي وصهرها أثناء بحثها عن أطفالها في المدرسة، وصور أشلاء الأطفال وبكاؤهم وخوفهم..

تدافع.. جنون.. هروب نحو الحياة، لن تذهب من مخيلتي، لم نخرج من المدارس حتى خرج آخر طفل منها، شعرنا بقوة أمدّنا الله بها، كان يخيل لي عندما أحمل أي طفل وأخرجه إلى الأمان أنني أنقذ طفلي، ولكن بعد الانتهاء من عملية الإنقاذ دخلت المشفى لمدة ثلاثة أيام، جراء التعب والإرهاق والحالة النفسية الصعبة.. نحن الكبار لم نحتمل هذه المناظر فكيف بهؤلاء الأطفال الصغار التي اختبرت قواهم واحتمالهم طائرات الغدر الروسي والأسدي.

رغم الجراح.. رسالة من أطفال حاس ملؤها الأمل والإصرار
«ميس»، طالبة في الصف السادس في مدرسة حاس الابتدائية، وهي من مدينة كفرنبل، أرسلت للعالم كله عموماً وللإرهابيين «بشار» و «بوتين» تحديداً، برسالةٍ عبر «زيتون»، قالت فيها: «أطفال سوريا قُصفوا ولايزالون بأحدث الطائرات، بينما هم جالسون على مقاعد الدراسة، حتى الآن لا أُصدّق أنّه يوجد في الكون رجل له قلب، يقتل 30 طفلاً، إنه وحش وليس من جنس البشر، صور الشهداء والأشلاء المتناثرة هنا وهناك، كانت فظيعة وقاسية جداً بما لا يستطيع عقل احتمالها، لقد تأثرت كثيراً وبكيت بشدةٍ وبحرقة، ودخلت المشفى من شدّة تأثّري بيد الطالب المقطوعة الممسكة بحقيبته المدرسية، حتى في لحظاته الأخيرة لم يتخلى عنها.. نعم نحن خائفون من الطائرات، ولكننا لن نسمح لهم بأن يقضوا على أحلامنا ومستقبلنا.. وسندرس برغم كل الظروف.. وسنصبح أطباء لنداوي جراحنا العميقة، وسيُصبح منا مهندسون ليعيدوا ما دمّرته طائراتهم.. ولن تُخيفنا أو تُثنينا الطائرات والصواريخ.. نحن شرارة الثورة، نحن مَن أشعل فتيلها عبر أطفال درعا، وسنستمر على نفس الطريق حتى ننال الحرية والعلم والعُلا معاً».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*