الوثيقة والخيال عن دمشق “عين الشرق”

13-617x336

المحرر الثقافي 

المزيح الفنّيّ في الأحداث والانتقالات الزمكانيّة والشخصيّات والنظر إلى المسألة من زوايا جديدة بالتناول التوثيقيّ والفنتازيّ يجعل رواية «عين الشرق» للكاتب السوريّ «إبراهيم الجبين» عملاً يبحث بجدّ عن الرواية السوريّة الجديدة التي تنبت مع الثورة السوريّة.

تنطلق الرواية بشكل جليّ من اعتبارات الثورة السوريّة، وبنظرة ثوريّة إلى الواقع الحيّ، فالنظر بعين جديدة إلى ما اعتدنا عليه، وسلّمنا به، أو ما لم ننتبه إليه أصلاً، وكأنّنا أمام تغريب بريشتيّ روائيّ، يضع «الجبين» مجريات لم تناقَش، ويعيد قراءتها طارحاً المسألة أمام المتلقّي.

فما هي القصّة الحقيقيّة للمدعو «كامل أمين ثابت»، الذي كاد أن يشكّل حكومة سوريّة، ثمّ أُعدم في منتصف الستينيّات، باعتباره «كوهين» وقيل بأنّه جاسوس يعمل لصالح إسرائيل؟ وماهيّ علاقة المدعو «علي أحمد سعيد» المعروف بـ «أدونيس» بالمخابرات السوريّة؟؟

كما يعيد قراءة يوم موت «حافظ أسد» ليحقّق فيه، ويورد تفاصيل عائليّة جرت ضمن العائلة تكشف مسائل تستدعي إعادة النظر في بنيتها، كأنّما يطالب الكاتبُ القارئَ بالتساؤل.

وتبدو مقدرات «الجبين» الإعلاميّة وخبرته جليّة في تتبع الحدث، والإمساك بالمفاصل المشوّقة للمجريات اليوميّة الإخباريّة. مع أنّه يترك الغموض ليلفّ حقائق أخرى، لا يكشف ما أصبح معروفاً في قضيّة فُرشت إعلاميّاً وقضائيّاً، كاغتيال «رفيق الحريري» رئيس وزراء لبنان الأسبق، قبل خروج القوّات السوريّة من لبنان عام 2005، ويترك الروائي «إبراهيم الجبين» لنا الكثير من المسائل لنحلّها، وبالأصح لنعيد التفكير فيها، ونتخلّى عن سطح الخبر وعناوينه لنغوص في بنية الأنظمة وعلاقاتها.

تمنح الحبكة البوليسيّة للعديد من الأحداث متعة وتشويقاً للقارئ، ولكنّ المسائل المعلّقة والمتروكة للقارئ تزيد في المشاركة، وترفع القيمة الفكريّة، إذ تفترض إعمال العقل والخيال استكمالاً للبحث في المسائل العديدة المطروحة، قديمها وحديثها، عبر عشرات الشخصيّات.
نبع المكان الرئيسيّ في الرواية هو مدينة دمشق «عين الشرق» لكنّ دمشق ليست مكاناً فقط، فهي تاريخ، أي زمان، لذلك تعود الرواية إلى الوراء مئات السنين أحياناً، ثمّ ترجع إلى الأمس القريب، أو إلى الآن، ولأنّ المكان دمشق تمكّنت الرواية من الانتقال إلى المدن السوريّة، لتكشف ما يجري في كلّ العالم.

في دمشق التاريخ في كلّ مكان، فكيف في سجنها!؟ ستجد في زنزانة ما هناك «ابن تيميّة»، وستجد بذور الثورة وأسبابها، وتلمس لحظة كُتب فيها على جدارن درعا «إجاك الدور يا دكتور… ارحل».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*