الجزء الرابع من رواية الجوخي لعبد العزيز الموسى

dsc03374

يتهيأ عادة لإياس الذي هو البك ومراد ورياض والقائمقام المتقاعد أن يجتمعوا ليلة الجمعة والأحد من كل أسبوع عند صديقهم المحامي حسان.
أطلق مراد على مجموعتهم «شلة الخيمة» لتأكيد سمة البساطة والصفاء وبراءة ردود الأفعال المنفلتة العفوية البدوية المبرأة من لوثات وتثعلب الأسلوب الحضاري.
يفترشون باحة دار المحامي الواسعة الظليلة المسيجة بالياسمين المعرش على الجدران وحول بركتها الأنيقة في الصيف.
البركة التي تتوسط المكان مرصعة بتوريقات نادرة تزيد من متعة تملي دفق مائها وتفوح روائح زكية فوق أبهاء الدار العامرة والحضور الذواقين المحترمين كما يردد مراد.
حسان، يستطيع كرجل حاذق محنك أن يخفي رغائبه ومواقفه عبر النقاشات والمشادات الكلامية متحصنا وراء ابتسامة مرحبة.
في حالات نادرة، يتدفق لسانه بالنشاط إذا حضر وجه غريب عن شلة الخيمة مدللاً عن هدوء مزاجه وكرم ضيافته.
إذا غالى في تكلف الرحابة والكرم، فليدفع آثار الاستياء والمشاعر اللئيمة التي تتعامد في داخله كما يتهمه مراد، بالسماحة والابتسامة الصفراء يصرفها قبل أن تشي بجوانياته وتفضحه.
ويؤكد له مراد بدعابة أنه أمهر من يصفد كلاباً نابحة في أعماقه بكل هذه المغالاة في الأريحية والحلم.
على أن حسان، ومهما تحايل، فلن يستطيع إخفاء الاستعلاء الموروث عن أمه التي يصر أنها تركية الأصل، وكشأن من كان مثله، فهي ما زالت تتمسك ببقية مباهاة متعالية بائدة خاصة نحو زوجها لتقزيم همته كموظف أميري محدود ودون أن تمنحه أي اعتبار.
هو أهم الأسباب المضمرة وراء سر العلاقة الوطيدة مع صاحب المغارة لمشاركته نفس الأرومة من جهة الأم، لكن أم إياس بك المغارة أجرأ في الاتهام المشنع بكل من علك الضاد فوق هذه الأرض النجسة من وجهة نظرها.

حسان متفهم لهذه الأبعاد، لهذا يجاهد ليضفي على وضعه نضارة وترحيباً بالجميع ويتقبل عن طيب خاطر دعابات مراد الواخزة المتهمة له في أصوله.
لا لبس أن أم إياس تركية بدليل ملكيتها حتى الآن لعقارات يستثمرها صهر إياس في تركيا، أم إياس تذكر دائما بحس متأنف وفوقية موروثة من سيطرة الترك على البلاد فترة طويلة، ولتؤكد مشاعرها المناكدة لهذه الأرض، فقد زوجت ابنها الوحيد إياس هذا بامرأة من جلدتها.
وعلى ذمة مراد أن والد إياس كان شماساً في كنيسة ثم أسلم ليستجرها للزواج والتنعم بأملاكها.
يضحك ذوو الخيمة لهذه الاستنتاجات، ويعقب هل تشكون؟ ها هو إياس بينكم، تلمسوه، أمه هي الأخرى لم ترض بالزواج منه إلا لأنها من يهود الدومنة من أيام السلاطين، اسألوني عنهم، تلبسوا الإسلام ولكنهم لا يوادعون، قلت لكم هاكم الدليل على ما قلت وهم حتى اليوم في تركيا وغير تركيا أصحاب الشأن.
زوجة إياس التركية أيضاً أقامت مع زوجها سنتين في حماه ثم سكنت حلب مع أم إياس . كانت زوجة إياس الموردة النزقة تغذي سخطها على الدوام بما تمرره حماتها على سمعها من عبارات مترفّعة مستخفة بالناس والمكان، وتكرر بملامح ممتعضة هل هذه مدينة؟ هذه مزبلة.
تشفق أم إياس على نفسها أنها احتملت وحدها كل المعاناة مع هؤلاء الهمج الرعاع حتى زوجت ولدها بمن يشاركها هذا الهم، ومن فورها أوفدت حفيدها عبد الله الصغير ابن إياس ليعيش لدى خالته في ضواحي أضنه.

وبقليل من المحاكمة، وبكثير من الطباع الحامضة، المعادية، أعلنتا هي وكنتها لما زارت ولدها في حماة، أنهما لا تحتملان هواء هذه المدنية، وأكدتا أن ولادة ابن إياس الثاني مشلولاًً وإصابته بحمى دماغية إثر ولادته بعد الحقنة المضاعفة المفعول التي أوصت عليها الزوجة قبل الوضع بإلحاح وبتواطؤ مع الممرضة لتخفيف آلام الوضع التي عانتها مع عبد الله.

هو جزء من لعنة هذه المدينة لهما، وطبعاً لن تصطبر أم إياس ولا زوجته بكل جلالهما أن تكونا أماً وجدة لطفل مشلول وفي حماة ! لما تعاظم حسهما الحانق بالغبن وتحت ذريعة أنهما ساعيتان لتطبيبه عند خاله في أزمير، جمعتا حوائجهما وسافرتا.

لم يتأس إياس لمغادرتهما، لم يقلق، لم يشجعه أهل الخيمة على استرضائهما، بل يغازله وهم ملتذ من حين لآخر أن زوجته لن تعود لحماه , وكلما طالت فترة غيابها تأكد له هذا الوهم أكثر.
مراد، لا يسكت، يتحرشون به إذا اصطنع الوقار، يستمتعون أن يشرّحهم تحت غلالات ساخرة، يلتذون، كأنما ينظفهم من قذاراتهم، يقوم بمهمة عامل مجارير.
بل بات من سمة الحيوية والرغبة الأكيدة لاستمرار المتعة ألا يخفي مراد أية فكرة تخطر له، ومهما كانت جارحة، دون تحفظ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*