خلفيات بيضاء لمشهد الدم

20150911010305952

فراغ
أحاولُ الكتابةُ عن شيءٍ أكثرَ تواجداً من أيِّ شيءٍ آخرَ، يسيرُ في الأزقةِ، والسبلِ، ويجلسُ في المقاهي، ولكنَّه لا يقرأُ هذهِ الصحيفةَ، ولا يشتري البزرَ ليوفِّر ثمنَ السجائرِ. لا يفكِّر بشيءٍ، فغدَّة الاحلام عنده مشلولة، لا ينتبه له أحد، يجلس في دكَّانِ صديقه عدةَ ساعاتٍ لقتل الملل دون حديثٍ، أو زبون. أبعد مشوار لديه لا يتجاوز 5 كيلو متر، فحدوده صعبة، وخارج المنطقة، أو الحي تبدأ امكانيات السرقة، أو ربما يكون مطلوباً لإحدى الجهات. يأكل اللحم مرة واحدة في الشهر، حتى الوجبات السريعة بعيدة فصندويشة الفلافل بـ 125 ليرة،وقد ضجرها العامل، وما زالت حلماً للعاطل عن العمل.فوق ذلك هو محسودٌ، محسودٌ على صحَّته، محسودٌ على يديه، ورجليه، وعيونه، وحياته. بين أرتالِ الموتى يُنسى الأحياء، ويذوبون، ويغدون خبراً ميتاً أمام خبر الموت الحي.
أمواج
لم يعد يهتمُّ إلى أينَ يذهبون؟! ولكنهم يذهبون، ويذهبون، ويذهبون.. الأصدقاء، والأعداء، والمخبرين، والمتألقين، ومثيري الاشمئزاز. المكان يتطهر، والبشر يذهبون. هل هذا ما قصدوه بالديتول؟ الدماء تغسل الأرض مراراً، ومراراً بحيادٍ قاتل. الأمواج لها قصَّتها معنا بعد أن تخشب شيء فينا،فلا تلم غدر الحياة بعد أن تركت الماء، والأحلام.وصرت ديكوراً يائساً تسرده وجوه غريبة. ليكون بيادقَ، أو كومبارس في مشاهد قتلٍ وحقدٍ وملل. الحركات المتكررة والأيام المكررة البائسة مثل المازوت الرديء. أبناء الريح يختارون التشرد سبيلاً، والأرض موطناً لهم. إنهم يغرقون بجسدها، ويسيرون على أنغامها مارقين من الشكل، والنمط، والملل، والركود، وعبيد الأرض يتمسكون بها كمن يظنُّ أنه خالد، فتقلعه نسمة مارقة.
رصيف إلكتروني
الأرصفة ملاذ العاطلين؛ تغيَّر شكلها في هذا الزمن مع التطوُّر التكنولوجي. يمكن أن نتحدث عن الأرصفة الإلكترونية، وربما غدا الفكر نفسُه رصيفاًفي هذا الزمن الهشِّ. منذ أواخر 2012، وأنا أسمع من الناس عبارة:»ماذا نفعل غير استهلاك الأوكسجين؟» أحياناً أتساءل:»هل تزعجنا المأساة الجديدة، أم توقف الحياة الميكانيكية التي كنا نحياها؟»لقد طردونا من لعبتنا!!.كلنا على الأرصفة الآن مشاهدون بائسون لما ترميه أقدام اخرى، نسعد لرؤية طفلٍ صغير، نحسد عاشقَيَن جديدَيَن، نحلمُ بسيارةٍ تمر لتأخذنا لأفق آخر.مقاهي النت ليست جميعها للعمل، والمال، فالناس تريد مكاناً تقضي به وقتها الطويل في غياب التعليم، والبطالة، وصعوبة التنقل، وصاحب المقهى من الناس، و»الناس كلها متلو». النواشر تغزو البيوت، والشواحن تدخل الأسرة، والنكت القديمة تعاد، وتتفسَّخ متجدِّدة في مقالب أيامنا الراكدة.
اللعبة الكبرى
كنَّا داخل اللعبة الصغيرة، خرجنالنرى اللعبة الكبرى، يبدو أننا لا نحبُّ المطر، والعادات استعبدتنا، والعبارات الجاهزة صمَّت آذاننا، وشوَّهت أحاسيسنا، والآن أنتَ، تقاطعُ ماذا؟ أين تمضي؟أيصعب عليكَ الهواء كثيراً؟ربما كان المسرح بلا قواعد، ولك حرية الحركة مثلهم. من هم؟ لقد توفر الآن عدد اكبر من الالعاب الخطرة لشذَّاذ، ومتحوِّلين، ومصَّاصي دماء جاؤوا يبزرون قيأهم على أرضنا المدماة، فأما أن تلعب، أو تغادر.يقولون لك: «لا ستلعب، لن تهرب أيها الجبان!».
هل بقي أفراد؟
جرح كبير عندما لا يخبرك صديقك عن قراراته التي يتخذها بفردية، وعشوائية، وردَّة فعل. الحظ يلعب دوره الآن بشكل كبير، فليس هناك دعائم، ولا شيء ثابت، ولا شيء موثوق. لا يعرف أحد: هل سيعيش لغد، أو هل سيجد وقتاً لإكمال عمله، أم كيف سيكون وضعه الاقتصادي، وحتى النفسي بعد شهور، فالرؤية غائمة، والبحر متوسط ارتفاع الموج مع احتمال هبوط زخات من الهاون، أو بعض البراميل. من يملك بعض النقود سافر، ومن يملك الكثير لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون،ولا يشعر باللعبة من الأساس على وسائده الفاخرة.بقي الذي بقي..ليتعثر بحياته، وأنفاسه، ويصحو كثيراًكثيراًلتأخذه نومةٌ واحدة.
ماذاننتظر؟الانتظار يعنيالوداع، وفقدان لما امتلكناه. هل نحنُّ للعبة الأولى، أو لمثلها؟ من حقك أن تكره اللَّعِب.
صدفة
نموت على دفعات، ونحيا بالصدفة. تصغر الحياة في العين مع كل يوم يمر، وتغدو أحلام المراهق، والشاب عندما يراها بعين الواقع مملةً اعتيادية. كنت أحلم بحلاقة شعري بشكل ما، وبعد ان فعلت ذلك صار مملاً.. السيارة تغدو مللاً، والبيت، وكلُّ الاشياء. الحياة سواء حققت الأحلام، أم لم تحقِّقها،تحقِّقها اعتياديةً اكثرَ من مخيلتنا، وباردةً اكثرَ من حماستنا، وفارغةً اكثرَ مما نتوقَّع.مقلب الحياة الكبير عندما نفاجئ بتحقق شيء حلمنا به دون أن نشعر بحدوثه.ربما لا نفاجئ لكن نحس أننا نحلِّق، ولو قليلاً، نحس معنى القوة الخفية، نحس بشيء آخر يصعد بنا فوق المادة، نحس أننا كنا هنا.
حلم وواقع
خلال مسيرة الانسان يقطع خطاً بسيطاً مهما لفَّ، ودار، ويلتقي بالآلاف من مليارات سكان الارض،ويقرأ أقل من 1% مما كُتِب، وقد لا يعرف شيئاً عن بلداتٍ مجاورة ليعرف المحيطات، والكواكب،ولا يحيط بشيء، ولا يمسك إلا الصدى. وحده خياله لوثته، وضربته القاصمة، وموقفه المشتعل الذي يواجه به الحياة. وحده يتفجرُّ راغباً، موغلاً، ضارباً، ضارياً، موجعاً، ومشبعاً. وحده روحه الموغلة بكل شيءٍ، كان، وسيكون، وهذا ما فقدناه، الآن، مع سواد الصورة،وعبثيِّتها،فقدنا الأمل.. لماذا الشاملة المريحة تموت ببطءٍ لتفسح المجال للماذا الصغيرة لتبحث عن وجودها، ومكانها، وشكلها الجديد. اصنع لعبتك، فربَّما تطير..

حسين جرود