الفنّ الذي ينتصر للحريّة

2011-calligraphy-%d8%b9%d9%85%d8%a7%d8%af-%d9%85%d8%a7%d8%ad%d9%88%d9%82-1024x403

بشّار فستق

اشتُقّ الخطّ العربيّ من المُسنَد، وتقول أبحاث أخرى من الآراميّ، وفي جميع الأحوال لقد تطوّر تطوّراً عظيماً، ربّما لم يشهده خطّ في التاريخ، ليغدو نشاطاً إنسانيّاً له أساليبه ومدارسه، وتفرّع إلى خطوط من كوفيّ ونسخيّ وثلث و…،  واتّصلت به فنون أخرى كالتذهيب والزخرفة؛ فقد انطلق من مهمّته الضروريّة كحامل لكتابة اللغة وتعميق دورها في بناء الحضارة، إلى عمل تشكيليّ يبتغي إيصال المتلقّي إلى تعميمات فلسفيّة، عبر قول يخاطب الإحساس البشريّ بصريّاً، أي أنّه استحقّ صفة الفنّ.

فنّ الخطّ العربيّ، عُرف وانتشر في كلّ بقاع الأرض، وظيفيّاً كناقل للغة والدين والعلم والأدب و…، وفنّياً كوجه تشكيليّ مدنيّ حضاريّ ضمن علم جمال أصيل يحمل خصوصيّاته المكانيّة والزمانيّة. تناقلته شعوب وحضارات أخذته، أو أخذت منه، وأعطته، وأصبحت له مدارس تتميّز وتبدع ناهلة منه ومُضفِية عليه رونقها المحلّيّ، ومنها المدرسة الشاميّة في فنّ الخطّ العربيّ.

المدرسة الشاميّة في فنّ الخطّ العربيّ، قديمة قدم الخطّ ذاته، فالخطّ النبطيّ شاميّ جغرافيّاً، وهو من الأصول. وفي دمشق أيّام العصر الأمويّ  تسارع تطوّره عن الفترات السابقة، وظهرت مهنة الخطّاط كفنّان، ومنهم الخطّاط الشهير قطبة المحرّر، الذي أضاف خطّاً جديداً حين مزج بين الحجازيّ والكوفيّ، وسمّي هذا بالخطّ الجليل واستُعمل في الكتابة على أبواب المساجد ومحاريبها، كذلك أبدع قطبة خطّ الثلث وخط الثلثين، في دمشق ذلك العصر.

وصار الخطّاطون يزيّنون العمران بخطوطهم الجميلة، ويسجّلون بها في دواوين الدولة الجديدة بخطّ الثلثين، أو خطّ الطومار، أو الخطّ الشاميّ؛ وازداد عدد الخطاطين البارعين، وطارت شهرتهم وانتشرت أعمالهم، ومازلنا نرى ما بقي منها بعد مرور أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان في أنحاء سورية كافّة.

استمراراً لهم كان خطّاط بلاد الشام محمّد بدوي الديراني الذي توفّي في دمشق 1967، وأصبح حال الخطّ العربيّ في سورية بدءاً من السبعينيّات إلى الثمانينيّات في تدهور على مختلف المستويات.

2894733187_ac9f5c89a3_o

على صعيد التعليم في المدارس، صارت مادّة الخطّ مهملة حتّى أُلغيت أخيراً، ولاحظ الناس تراجع مستوى خطوط التلاميذ إلى أدناه، ولم يُستغرب ذلك فالحالة العامّة للتعليم والتربية – وفي جميع المواد – أصبحت في الدرك الأسفل، والمدرّسون أنفسهم أصبحوا مهزلة في مجتمع قُلبت القوانين فيه لتصبح الرشوة حالة سائدة فيه، والمعلّم مهنة للتندر من فقره وانعدام قيمته أمام الحذاء العسكريّ، فما بالك أمام سطوة الأمن!؟

تبقى بعض النقط البيضاء في المستنقع الأسود، وإن كان  في حيّز صغير، فقد عمل خطّاطون بصمت بعيداً عن الأضواء، واجتهدوا، دون أن يتلقّوا أيّ تشجيع، وربّما العكس، فقد كان منهم من يخاف عندما يشترك في مسابقة دوليّة، أن بتعرّض للسين والجيم، وربّما أكثر، من جهات أمنيّة تقول: أنت مرتبط بجهات خارجيّة!

تفتح الصالات والمعارض أبوابها للخطّاطين السوريّين في العالم، بينما كانت تُغلق الأبواب في وجوههم في بلدهم، ويعرف المشاهدون في الخارج فنّهم، ولا يعرفه أبناء بلدهم. يعيش معظم الخطّاطين السوريّين خارج أرضهم، ومنهم الخطّاط الحلبيّ محمّد عماد محُّوك، الذي يعيش اليوم في إستانبول، وتحتفل به وبأعماله الأوساط الفنّيّة في عواصم الفنّ العالميّة، وقد واكب الثورة السوريّة منذ لحظاتها الأولى، وأبدع لوحات خطّية عن الحريّة وعن الشعب وضدّ الظلم، وما زال يبدع كغيره من الفنّانين المؤمنين بالثورة وانتصارها على الاستبداد.

ففي درعا خطّ الأطفال أجمل العبارات على جدران مدارسهم، كذلك في كفرنبل، وديرالزور، وفي وكلّ يوم يخطّ السوريّون أجمل العبارات، معبّرين عن أملهم بتحقيق دولتهم  الجديدة التي تسودها الديمقراطيّة، وتمنحهم حريّتهم وكرامتهم.

201555555

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*