ثورة الثقافة الرفيعة.. حوار مع الأديب إبراهيم الجبين

15591817_10154810679082288_1126930280_n

  • “الآلة العبقريّة الوحيدة القادرة على خلق الهويّة السوريّة من جديد، هي منبع الإشعاع الحضاريّ، دمشق”
  • “أنت تكتب للمستقبل وليس لمن ينتمون لعصور مضت، شابها الظلام بكلّ صنوفه”
  • “حراك اجتماعيّ وسياسيّ وعسكريّ دون إعلام وفكر سيؤدّي إلى النتائج الكارثيّة التي نشهد بعضها”

أجرى الحوار: بشار فستق

تبدو أعمال إبراهيم الجبين الروائيّة أقرب إلى الأفلام السينمائيّة منها إلى الكتابات الأدبيّة المألوفة. وكثيراً ما يتذكّر القارئ وهو يقرأ “يوميّات يهوديّ من دمشق” أو “عين الشرق”* أسلوب ومشاهد الأفلام المأخوذة من روايات دان براون “شيفرة دافنشي” و”ملائكة وشياطين”.

ولكن بلغة شعريّة تستمدّ أصالتها الخاصّة، ربّما، بسبب كونها تحتفل دوماً بمدينة دمشق، وبالشخصيّة السوريّة وملامحها في الإنسان والمكان والزمان. اليوم، يُعيد إبراهيم الجبين تقديم دمشق من جديد، وإنْ بصورة مختلفة، عبر طبقات زمنيّة متعدّدة، لا تكاد تبدأ من زمن حتّى تغادره إلى آخر، محمّلة بشخوصه الواقعيّة والخياليّة والأحداث الحسّاسة التي وقعت فيه دون أن ينتبه إليها أحد؛ لكنّه يشكّل شبكة المعلومات والمعطيات التي حولنا، والتي تفسّر واقعنا وتجعل منه مجموعة ألغاز في الوقت نفسه.

جريدة “زيتون” التقت بالإعلاميّ والكاتب السوريّ إبراهيم الجبين، وكان هذا الحوار حول الأدب والإعلام والهويّة السوريّة:

  • “أدب الثورة السوريّة” هل يصحّ أن نطلق هذه العبارة الآن، أم أنّها إرهاصات؟ هل ظهرت ملامح أدب الثورة؟ وأين يجد إبراهيم الجبين نفسه اليوم؟
  • نحن مولعون عادة باستعارة القالب من ماضينا. هذا يسهّل على عقولنا القياس، دون بذل جهد في الابتكار والخلق. “أدب الثورة” مثل “أدب المقاومة” الفلسطينيّة أعني كما في وثائق النقد وكتب الآداب في الجامعات والمدارس.

لا أوافق على تعبير “أدب الثورة” . هناك “الأدب الثائر” والذي لا يرتبط بزمان ومكان، بل يحمل في ذاته قوّة الثورة، والقدرة على تثوير الوعي لدى القرّاء والمتلقّين في حال الفنون الأخرى. هذا أدب يُحدث فارقاً، أمّا أدب المناسبات فبرأيي، عابر واستهلاكي ولا قيمة له،  وسرعان ما يفقد الاهتمام به بمرور الأحداث وتعاقب التطوّرات. هنا يمكن أن نحاسب الكاتب على تحوّلاته الفكريّة، حين يكون “أديب ثورة” في هذه المرحلة، وفي مرحلة أخرى قد يصبح “أديب مفاوضات” مثلاً.

لا نريد “أدب ثورة”. نريد “ثورة أدبيّة”، و”ثورة فكريّة” ، و”ثورة معرفيّة شاملة”، “ثورة أخلاقيّة” ، “ثورة جماليّة”.

أنا لا أعتبر أعمالي منضوية تحت هذه اليافطة، لذلك اخترت  لها، وخاصّة في “عين الشرق” روايتي الأحدث التي صدرت قبل أقلّ من شهرين، أن تبدأ قبل زمن الثورة السوريّة، لتقول ما الذي كان يحدث، ولماذا حدث ما حدث؟ وكيف حدث؟ هذا يؤسّس لوعي مختلف حسب قناعاتي. ولا يكتفي بدور الموثّق والراصد.

من سؤالك هذا، يمكننا الذهاب إلى تفكير مختلف، حول المهمّة الثوريّة بحدّ ذاتها، وهي التي تعرض اليوم لأبشع أنواع الاتهام بالتقصير والهزيمة. وما أقوله منذ احتلال حلب الثاني، أنّ المهمّة الثوريّة فُهمت بطريقة خاطئة من قبل المعارضة الكلاسيكيّة السوريّة. بناء على تجربة الشعب السوريّ السابقة والمريرة مع مجازر حماة. فمنذ حماة في الثمانينات، والوعي السوريّ يراكم صوراً مغلوطاً عمّا جرى، ينطلق من كون المجازر وقعت حينها، فقط لأنّ العالم والمجتمع الدوليّ لم يكن يعلم.

 وأنّ الثورة التنكولوجيّة وتفجّر وسائل الاتّصال في العالم اليوم، كفيلة بنقل الحقائق وتعويض النقص في مشهد حماة. فانطلق الجميع إلى التوثيق، ونشأت مهن جديدة، وبرزت مواهب، مثل طاقات المواطن الصحفيّ وغيره، وتصوّر المعارضون السوريّون أنّ مهمّتهم الثوريّة تنحصر في نقل ما يحدث في سورية، في كلّ سانحة. النتيجة كانت أنّ ثورة الميديا التي زوّدت أصقاع الأرض بكلّ الوثائق اللازمة لردع الأسد لم تجعل الأسرة الدوليّة قادرة على ردعه. إذاً أين الخلل؟ الخلل في فهم السوريّين لطبيعة العمل الثوريّ، وبالتالي للمنتج الثوريّ، سواء كان سياسيّاً أو عسكريّاً أو حتّى أدبيّاً.

إبراهيم الجبين في الوقفة الاحتجاجيّة التي جرت في دورتموند - ألمانيافي 16-12-2016

إبراهيم الجبين في الوقفة الاحتجاجيّة التي جرت في دورتموند – ألمانيافي 16-12-2016

 

  • ما هي طبيعة ما تسمّيه “المنتج الثوريّ” التي كنت تنتظرها؟
  • لم أكن أنتظرها، لكن توصّلت، كغيري، إليها بإمعان التفكير والمزيد من المعرفة. طبيعة العمل الثوريّ يجب أن تهدف مباشرة، إلى صناعة واقع جديد، في كلّ حقل من الحقول، ولا تكتفي برجم الواقع السابق والحالي. ولهذا تفصيله، وهو ليس حالة فريدة في الكون. وإلّا لما تشكّلت هويّات ولا نجحت ثورات وما تغيّر التاريخ في أيّ مكان من الأرض.
  • الهويّة السوريّة، يجادل البعض في هذه المقولة إلى درجة نفيها، هل كانت الهويّة السوريّة موجودة، أم هي وهم، وهل يمكن خلقها من جديد، ما هي مسؤوليّة الشاعر والروائيّ والصحفيّ و..، في إحياء الهويّة السوريّة؟
  • دعني أخبرك عنّا نحن السوريّين. نحن بقايا أمّة عظيمة، مترامية الأطراف، توسّعت في ذروة كبيرة من تاريخها أيّام دولة الأمويّين. الدولة المدنيّة الأولى في التاريخ العربيّ الإسلاميّ. ومنذ أن أسقطت حشود شعبيّة مثل الحشد الشعبيّ الطائفيّ عاصمة الأمويّين دمشق، في العام 750 حين اجتاحوا دمشق وارتكبوا فيها الفظائع. منذ تلك اللحظة والأمّة السوريّة التي كانت قد انبنت على تراكم هائل من الحضارات القديمة التي عاشت على التراب السوريّ وانطلقت منه بإشعاعها الحضاريّ، أقول منذ تلك اللحظة والأمّة السوريّة تتفكّك وتتفكّك. والجغرافيا السوريّة تضيق، وتنهش منها قطع لصالح هذا أو ذاك من ضباع التاريخ الشاردة.

لكنّ مكانة بلاد الشام، ودمشق على وجه الخصوص، جعلت كلّ الممالك التي قامت من حولها، تهتمّ بها بشكل أو آخر، فبقيت مُصانة إلى حدّ ما. وبقي الإنسان السوريّ متحوّلاً مهاجراً من سورية وإليها.  ولذلك أقول دوماً إنّ دمشق هي فكرة وليست عشيرة ولا حزباً.  فكرة مدنيّة قائمة على مراكمة الهويّات والثقافات في أروقتها وحاراتها وأخلاقها الفائقة الفريدة الضاربة في القدم.  حتّى وصلنا إلى القرن العشرين الذي ما كاد يبدأ حتّى تمّ تفكيك سورية إلى دول عدّة، لبنان وفلسطين والأردنّ وسورية التي تم تفكيكها أيضاً إلى خمس دول أخرى.  أعيد تجميع تلك القطع بعد سنوات من التبعثر، وقامت على اتّحاد يهدف إلى تعزيز هويّة لا يؤمن بها السوريّون. فالسوريّ لا يفهم أنّه مجرّد ابن لهذه القطعة الصغيرة من الأرض على الخارطة والتي تشبه طابع البريد، هو ابن العالم والحضارات الكبيرة، هو ابن أمّتين عربيّة وإسلاميّة، لا ابن بلد صغير. وما يزال لا يصدّق أنّ عليه فقط التفكير في هويّته على أنّها هكذا بحجمها هذا.

الآلة العبقريّة الوحيدة القادرة على خلق الهويّة من جديد، هي منبع الإشعاع الحضاريّ دمشق. وهي التي تمكّنت من حيازة موقعها في كلّ الحضارات ولم تخسره في يوم من الأيّام، حتّى في عزّ الذلّ الذي فرضه عليها الاستبداد في عهدي حافظ الأسد وابنه بشّار. إلّا أنّهما لاذا دوماً بمكانة دمشق، واختبأ كلّ منهما خلف جبلها الكبير قاسيون. وخلف ما تعنيه في نفوس البشريّة جمعاء.

لذلك، لا وجود لهويّة سوريّة من دون دمشق. ولهذا يجب مواصلة الثورة لاستعادة الهويّة وتخليقها من جديد كما يليق بالسوريّين وكما يليق بسورية.

  • الموسوعيّة والتنوّع من سمات أعمال إبراهيم الجبين الغزيرة، لذلك يبدو من الصعب على النقد تناول أعماله، ما هو الجامع بين نتاجاتكم الشعريّة والروائيّة والدراميّة والصحفيّة؟ وهل وجد النقد طريقه إلى هذه النتاجات؟
  • بالطبع. ودوماً كنت سعيداً بالمواكبة النقديّة لكثير من الأعمال التي أنتجتها. لكن أكيد ليس الكلّ. لأنّ بعض الأعمال حرمها المنع الرقابيّ من الانتشار، ومن تلك الأعمال كتب أدبيّة أو دراسات بحثيّة أو أفلام وثائقيّة.

لكن ما تسميه بالموسوعيّة، هو محاولة لاحترام القارئ. وعدم التعامل معه بتبسيط مهين. يزدري إمكاناته ويقزّم مكانته وثقافته. ولم يخب ظنّي يوماً بالقارئ. بل بالسلطات وما أنتجته من بعض الأنماط من المثقّفين سواء في صفوفها أو من معارضيها.  لكن لا يهم. أنت تكتب للمستقبل وليس لمن ينتمون لعصور مضت، شابها الظلام بكلّ صنوفه. تعدّد أدوات الكتابة ليس خياراً. هو أمر تقتضيه اللحظة الإبداعيّة التي تفرض عليك التعبير بهذا الصنف أو ذاك. وربّما يكون الموضوع في أحيان أخرى مرتّباً مسبقاً. كصناعة فيلم أو برنامج حواريّ تلفزيونيّ أو إعداد بحث أو دراسة، لكن في النهاية أنت تبحث عن قارئك، سواء قارئ الصورة أو قارئ الكلمة. وهو يجدك كما تجده. أثق بهذا.

  • نهض إعلام الثورة السوريّة بعبءٍ كبير في بداياتها، ونجح، لكن ما لبث أن ناء – معظمه – بهذا الحمل وتراجع، بل ووقع في هاوية لم يخرج منها، فيما استعادت العصابة الحاكمة زمام الأمر الإعلاميّ، وعاد الجهاز إلى ممارسة دوره التضليليّ الإجراميّ. كإعلاميّ أكاديميّ وميدانيّ، كيف يمكن أن نبني، إعلام الثورة ونعيده إلى دوره الحقيقيّ الفعّال؟
  • الحديث عن إعلام الثورة السوريّة ذو شجون كما يقال. فكثيراً ما رفضت المعارضة بهيئاتها السياسيّة والمؤسّسات المنبثقة عنها، تعزيز أيّ دور لإعلام مستقلّ في الثورة. أو إعلام قويّ قادر على مواكبة الحدث ونقله والمساهمة في تقويمه والتأثير فيه. وهذا بالطبع يعود لجهل كبير يعتري الذهنيّة التي عملت بها المعارضة خلال السنوات الستّ الماضية.

كانوا يقولون لنا “الأولويّة للإغاثة” أو “الأولويّة للدفاع العسكريّ” لكن هذا كان خاطئاً مئة بالمئة. ونحن كنا نعرف هذا، فحراك اجتماعيّ وسياسيّ وعسكريّ دون إعلام وفكر سيؤدّي إلى النتائج الكارثيّة التي نشهد بعضها في المشهد السوريّ اليوم.

بالمقابل فإنّ إعلام النظام لا يرقى لكونه إعلاماً بالمعنى الحقيقيّ للكلمة. هو إعلام حرب وتحريض وتلفيق وشتم وإساءات. إعلام طائفيّ يزدري كلّ القيم، حتّى أسوأ تجارب إعلام الثورة لم تنحدر إلى مستواه ولا مرّة واحدة. لم يعد لدى إعلام النظام أيّة خبرات. قام بإبعاد الجميع سابقاً، ومن تبقّى من الكفاءات ابتعد عنه بعد أن أصبح كما نسمّيه “إعلام العصابة”.

وفي مقارنة كهذه يكسب إعلام الثورة، لأنّه مدعوم عالميّاً يعززه تيّار رأي عام في كبريات الصحف والمنابر ووكالات الأنباء والمحطّات التلفزيونيّة يؤيّد الثورة السوريّة. بينما لا يؤيّد إعلام الأسد وموقفه إلّا وسائل إعلام تشبهه.

لكن ما ينقص الثورة السوريّة صراحة، ومن جديد، هو إعلام قادر على المساهمة في الحدث وليس الاكتفاء بنقله. إعلام ينقد ويفكّر ويحلّل ويبادر، تغطي بعض القنوات الثوريّة السوريّة هذا الجانب، لكنّه ليس كافياً أبداً.
  • أيّة إضافات أو رسائل أو كلمات أخيرة؟
  • أختم بالقول إنّ المستقبل الذي ننشده للشعب السوريّ، قادم دون أدنى شكّ. وهذا ليس مبنيّاً على الأوهام والتفاؤل المفرط، بل على وقائع علميّة ومبادئ تاريخيّة لا يمكن أن تمشي الأمور إلّا وفقها. السوريّون أصحاب ثقافة رفيعة. حتّى أولئك البسطاء منهم يتصرّفون وفق تلك الثقافة بفطرتهم وبساطتهم، وثقافتهم هذه هي تراكم الحضارات في وعيهم الجمعيّ. مشكلتهم في الاستبدادات التي تتحكّم بهم؛ الاستبداد الحاكم واستبداد النخب واستبداد المتطرّفين من المتديّنين (من كلّ اتّجاه وملّة، فلا يتوقّف الأمر على المتديّنين الملتحين فقط، فهناك متديّنو الطوائف أيضاً). وهذا سيمضي كما مضى غيره. وسنتغلّب عليه. فلدينا شخصيّة سوريّة مبدعة عمرها آلاف السنين.
  • شكراً جزيلاً لكم، الإعلاميّ والكاتب السوريّ إبراهيم الجبين، وتمنّياتي لكم بالمزيد من العطاء والنجاح.

*”عين الشرق” رواية صدرت عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر في بيروت وعمان، بغلاف من تصميم الفنّان يوسف عبدلكي، وفي 360 صفحة من القطع المتوسّط.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*