أجساد تسألك، ماذنبها؟

زيتون – بشار فستق

موهبة فذّة، ودراسة أكاديميّة راقية في فنّ التصوير الزيتيّ، اجتمعتا وأنتجتا مدرسة سوريّة عالميّة، لكنّ جسد الفنّان حاملهما لم يصمد أمام جهاز القمع الذي سلّطه الاستبداد عليه، وقطع عليه سبل الحياة، بدءاً بلقمة العيش.

ظهرت موهبة «لؤي كيّالي» في الرسم قبل أن ترسله وزارة المعارف إلى أكاديميّة الفنون الجميلة في روما عام 1956، حيث قدّم ومازال طالباً معرضاً ونال الاهتمام والتقدير.

الفاصلة الأولى كانت صيف حزيران 1967، إذ كان «كيالي» يقيم معرضاً، ووصلت أخبار الهزيمة، فمزّق لوحات معرضه، فيما أعلنت أبواق النظام أنّنا انتصرنا لأنّ هدف إسرائيل من الحرب ليس احتلال الجولان ولكن كان (إسقاط القيادة) وهذه الحال فقد فشلتّ!
عاد الفنّان نهاية الستينيّات إلى حلب مُجبراً، تاركاً التدريس في كليّة الفنون الجميلة، بعد أن سلّطت عليه أجهزة السلطة ما يسمّونه نقّاداً، من موظّفين متسلّقين عديمي الموهبة، يحومون حول الثقافة عموماً. يهاجمون أعماله وأسلوبه الفنّيّ، ويتهمونه بالبرجوازيّة والرجعيّة!. وهي التهم التي كان النظام (التقدّميّ) يكيلها لمن لا يتّفق معه في الرأي، تمهيداً للقضاء عليه.
أصبحت خيارات العيش صعبة أمّام «كيّالي» شديد الحساسيّة، بعد أنّ أصبح على الفنّان أن يرسم الشعارات التي تخرج من القيادة الحكيمة، وهو الفنّان الذي جسّد في أعماله حزن المهمّشين الضعفاء، الذين أحبّهم وعبّر عن ألمهم، صوّر مشاعرهم وجمال أرواحهم.
رغم كلّ ذلك، استمرّ يعمل ويقيم المعارض، حتّى في بيروت، لكنّ احتلال جيش الأسد للبنان وجّه للفنّان ضربة كبيرة، فحاول الابتعاد مسافراً إلى روما عام 1978، لكنّه عاد ليحترق في بلده بعد عام. ومن المفاراقات أن يتنطّع من كان يهاجم الفنّان «لؤي كيّالي» لعمليّة شرح وتوضيح أعماله وموهبته وأسلوبه وألوانه.

قد تمرّ السنون، ولا نجد موهبة تشكيليّة بحجم موهبة «لؤي كيّالي»، بل، وكم من موهبة قُتلت في عتمة حكم الاستبداد التي دامت عشرات السنوات. إلّا أنّ بعضاً منها اليوم بدأ يظهر لحسن الحظّ، وقد خرج من قلب الدمار فنّانون تشكيليّون من أمثال «سهف عبد الرحمن» ليكملوا الطريق.

خرج الفنّان «عبد الرحمن» من حمص إلى تركيا منذ نحو ثلاث سنوات، ليمزج روحه بروح الأطفال المعذّبة، فقد اهتمّ بالأطفال اللاجئين الذين ارتاعوا وهم يرون أهاليهم يقتلون وبيوتهم تُحرق، فرعى مواهبهم وأقام لهم المعارض، واستمرّ يعمل وينتج ويبدع.
حمل معه من تحت القصف مذكرات بصريّة، مثل مجموعة «طوابع البريد الحربيّ» وهي لوحات صغيرة (15*15 زيت على ورق) التي قال عنها بأنّها كانت تساعد روحه على الاستمرّار في الحياة، ومجموعات أخرى بتقنيات مختلفة. استمرّ في تركيا يبدع ويتطوّر، على صعيد التقنية والموضوع، وكتب في الصحف المقالات الفنّيّة المترابطة التي تؤسّس لرؤية المشهد التشكيليّ السوريّ من منطلق تحليليّ، وصارت شخوص لوحاته أكثر وضوحاً، وإن كانوا أكثر عدداً وألماً.
لجأ «عبد الرحمن» إلى أوروبّا، وما زال يبدع ويطوّر في تعبيريّته الخاصّة. لوحته تحمل تضادّات متعدّدة، يسيطر الأسود والأبيض على الألوان، التباين الحادّ بين النور والظلام، أكثر من جسد، لكنّ في وجوهها الألم ذاته والصرخة الصامتة ذاتها، الخلفيّة ظلام، ومستطيلات البيضاء مُكفّنة لتلك الأجساد، والتي تشفّ فيظهر الوجه، الصارخ، المتألّم، الجامد، المتساءل، لرجال ونساء وأطفال.
بالمقابل، اعتمد فنّانون تشكيليّون توجيهات القيادة الحكيمة منذ عشرات السنين، في صناعة أعمالهم لمنظّمات البعث وإنجازات حركاته المباركة، فعاشوا ككائنات مدلّلة، ليقيّم المستقبل أعمالهم – إن بقيت – وليعيد تقييم أعمال فنّانين كثر، لم يخنعوا للاستبداد، بل عاشوا آلام وطنهم وآماله، وأرادوا لشعبهم الحرّيّة، فأُخرسوا، وحوربوا، مثل لؤي كيّالي، وربّما طمست حياة غيره، ولم يصلنا منهم شيء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*