وحيدٌ يراقب.. على جبل الزاوية

15780849_192113304592974_636176754729344449_n

زيتون – ياسمين محمد

أينما سرت في الشمالي السوري المحرر، لابد لك أن تسمع صوت الأجهزة اللاسلكية «القبضات» التي ترافق حركة الطيران وغاراته محذرة الناس من الهجمات الغادرة التي تشنها، كما تنسق عمل فرق الدفاع والإسعاف بعدها لتسهل عملية مرور سيارات الإسعاف والطلب من الأهالي فض التجمعات والازدحام للتقليل قدر الإمكان من الخسائر البشرية.

«سلاحي في كل معركة هو القبضة والراديو ففي كل معركة أقوم بالتشويش على قبضات عناصر جيش النظام، والدخول على تردداتهم، استطيع أحيانا كشف خططهم العسكرية، واكتشاف الأهداف الذين يريدون استهدافها، فأقوم بإخبار الثوار بذلك ليأخذوا احتياطاتهم، وليفشلوا خطط قوات النظام».. بهذه البساطة يلخص «وحيد الحسني» ابن مدينة كفرنبل مهمته في مرصده بجبل الزاوية في ريف إدلب.

أصوات العاملين في المراصد أصبحت جزءا من حياة الناس، وصارت القبضة من أكثر الحاجات ضرورة، فهي المنقذ الوحيد للمدنيين والعسكريين وفرق العمل الميداني، ولا عجب إن دخلت أسماء العاملين في المراصد في وجدان أهالي ريف ادلب، ووحيد من أقدمهم وأشهرهم.
«بداية عمله الثوري»
يقول وحيد: «نتيجة لحالة الكبت والتضييق الأمني الذي كانت تمارسه أجهزة الأمن السوري وشعورنا بإمكانية التحرك على شاكلة الشعب في تونس ومصر، بدأنا أنا وعدد من الناشطين بتوزيع منشورات تحض الأهالي على التظاهر ضد النظام، عملنا بسرية تامة ،حتى مساء يوم الخميس، ذهبت الى «شرارة الثورة» الشهيد محمود القدور، وأبلغته بنيتنا بالتظاهر بعد صلاة الجمعة من جامع كفرنبل، كنا قلة حين دخلنا الجامع تتملكنا حالة من الخوف والرهبة في جو مشحون بالترقب وكأن الناس على علم.
وما إن صرخ الشهيد محمود القدور» الله سوريا حرية وبس «ثارت الحناجر هاتفة خلفه ونشوة من الفرح والنصر والتخلص من الخوف، منذ ذلك اليوم سقط النظام بنظرنا مع سقوط الخوف».
ومع دخول الجيش واحتلاله كفرنبل، اضطرنا الى ترك منازلنا والابتعاد الى القرى المجاورة، بدأت باستعمال جهاز اللاسلكي أو ما يسمى «القبضة» أتواصل من خلالها مع سيارة الإسعاف الوحيدة في ذلك الوقت، أقوم بتوجيهها، وكذلك أقوم بتوجيه الثوار، كنت نقطة الاتصال فيما بينهم، الى أن بدأت معركة تحرير كفرنبل، ولم يكن هناك سوى عدد قليل من الأجهزة نقوم بالتواصل فيما بيننا.
وبعد التحرير صب النظام جام حقده على المدينة فانتقلت الى منطقة جبلية بالقرب من كفرنبل، أرصد حركة الطيران والقذائف منذ السادسة صباحا وحتى آخر الليل، أنبه الأهالي من إقلاع الطائرات ومن تجهيز الراجمات والمدافع من حاجزي وادي الضيف والحامدية، ويتحول المرصد في ذاك الوقت الى المنصة الوحيدة لتنبيه الناس وخاصة بعد أن قامت قوات الأسد بقطع الاتصالات في كل المناطق المحررة.
أتمكن الأن في كثير من الأحيان التنصت على ترددات الطائرات بواسطة «راديو- القبضات اللاسلكية» فأنبه الأهالي بالإقلاع والتنفيذ، ليأخذ الناس حذرهم والاختباء في الملاجئ مما يخفف من الإضرار الكارثية للقصف.

يعتبر مرصدنا حلقة ضمن عدد كبير من المراصد المنتشرة في المناطق المحررة، نتشارك المعلومات بشكل متواتر منذ بداية إقلاع الطائرات الى هبوطها في المطار، لنقوم بنقل التعميم أو الخبر الى أوسع مدى ممكن من المناطق المحررة.
«محارب بلا سلاح”
سلاحي في كل معركة هو القبضة والراديو ففي كل معركة أقوم بالتشويش على قبضات عناصر جيش النظام ،والدخول على تردداتهم ،استطيع أحياناً كشف خططهم العسكرية، واكتشاف الأهداف التي يريدون يحددونها ،فأقوم بأخبار الثوار بذلك ليأخذوا احتياطاتهم ،وليفشلوا خطط قوات النظام .
وحاليا نقوم برصد الطائرات الروسية وخاصة بعد الحملة الشرسة على المناطق المحررة، ولكن صعوبة اللغة الروسية تضع عقبة كبيرة أمام عملنا، لكننا نقوم بتنبيه الأهالي عن إقلاع الطائرات لياخذوا حذرهم.
أدوات الرصد
يقول الحسني: « معداتي هي راديو ديجيتال من النوع الرخيص، يحوي شاشة صغيرة تظهر التردد، وهنالك أكثر من طريقة لتعديل الراديو الذي يكون نمط استقبال إف إم طول الموجة الأعظمي الذي يستقبله 108 ميغا هرتز, ليصبح قادراً على استقبال الأمواج حتى 140 أو 150 ميغا هرتز بما يشمل موجات الطيران vhf بنظام اتساعي Am بين 118-136 ميغا هيرتز، وبهذا يمكن بتغيير التردد بعد 108 ميغا هرتز التقاط تردد برج المطار.
وعن المسافات التي يستطيع المرصد اختراق قبضات المطارات الخاصة بالنظام يقول وحيد:
“إذا كان المطار على بعد 50 كم أو أقل يكون وضوح الصوت المرسل من البرج إلى الطيار 10/10
القبضة اللاسلكية وهي أحد الأجهزة التي يتم من خلالها التنصت على المعلومات والتعليمات المتبادلة بين الطيار ومرصد المطار، وذلك إما بالحصول على تسريبات للترددات التي تستخدمها مطارات النظام، أو باستخدام خاصية البحث اليدوي عن الترددات الجديدة والموجودة في القبضات الحديثة فقط، علماً أن هذه الطريقة تتطلب جهداً ووقتاً أطول”.
«آثر المرصد على حياته الشخصية»
من منا لم تتأثر حياته بالثورة، من الطبيعي أن يؤثر المرصد على حياتي الشخصية والعائلية، فأنا ملتزم بالمرصد طوال الوقت، ولا أستطيع التخلي عن القبضة ،وتنبيه الأهالي فهم أمانة في عنقي.
«بالرغم من أنه عمل متعب جداً، لكن أن تنقذ حياة الأهالي والأرواح البريئة هو أمر في غاية الأهمية، لا مجال للتهاون فيه، وهذا أقل ما يمكن أن أفعله لثورتي وبلدي، عائلتي طبعا متفهمة لطبيعة عملي ولمدى المسؤولية الملقاة على عاتقي، والسمعة الحسنة واليد البيضاء هذا جل همي.
ورغم انقطاع التيار الكهربائي، وغياب الاتصالات والأنترنت، فإن مراصد المعارضة التي تعتمد على القبضات اللاسلكية، تعتبر وسيلة إنذار مبكرة، تحذر السوريين من القصف قبل وقوعه، ما يؤدي إلى تخفيف الخسائر في الأرواح إلى أقل قدر ممكن، عبر ما يسمى بالتعميم.
وتنتشر القبضات اللاسلكية بشكل كبير بين السوريين، المدنيين منهم والعسكريين، في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، وباتت ترافقهم في كل أوقاتهم، فهي وسيلتهم لمعرفة الأماكن المستهدفة من قبل طيران النظام، من أجل تجنبها.
تردد خاص لفرق الدفاع المدني
وأيضاً، تعتمد المشافي وفرق الإسعاف والدفاع المدني في جزء من عملها، على المراصد، فغالباً ما يتم توجيه المدنيين للتبرع بالدم، عبر نداءات نوجهها بناءً على طلب الأطباء، كما أنه من خلال المناداة على القبضة يمكننا الوصول لأهالي المرضى المجهولين، الذين يدخلون المشافي، وكذلك الشهداء مجهولي الهوية.
لا يتوقفُ عمل المراصد، على تحذير المدنيين من قصف النظام، بل تعمل على التنسيق مع فرق الدفاع المدني، وإخطارها بإحداثيات المناطق المستهدفة بالقصف، لتعمل الفرق على اتخاذ التدابير اللازمة، للعمل بفعالية أكبر.
وحول ذلك، يوضح “أبو خالد”، أحد متطوعي الدفاع المدني في كفرنبل وما حولَها: 

« نعتمد في تحركاتنا على توجيهات المراصد بشكل أساسي ولا نستثني منهم أحداً، وإن كنا بصدد الحديث عن المرصد وحيد فنحن كفريق الدفاع المدني نتوجه له بالشكر لجهوده التي نقدرها، وبالنسبة لنا هناك تردد خاص فيما بيننا نستخدمه لتوجيهنا الى المناطق المستهدفة من قبل الطيران، وحتى في حالات الكوارث الطبيعية من حرائق وغيرها لنقوم بعملنا».
«موس أبو محمد» مواطن من مدينة كفرنبل يقول لـ «زيتون»: منذ انطلاقة الثورة ومع بدء القصف الجوي على مناطقنا نعتمد في أخبارنا وإجراءاتنا على مرصد «وحيد» فهو مصدر ثقة بالنسبة للأهالي وأي خبر يذاع على الانترنت أو التلفاز نقوم بالتأكد منه في المرصد.
كانت المراصد هي الوسائل الإعلامية الأولى في نقل أخبار التحرير التي جرت في الشمال السوري، وما يزال السوريون في تلك المناطق ينتظرون خبر تحرير جديد من مرصد وحيد، ولا سيما عندما يقوم بإلقاء الشعر، فرحاً بالانتصارات.

15747369_192117831259188_2269037326679266332_n

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*