كيف تواجه إدلب الكثافة السكانية؟

زيتون – عز الدين زكور 

شهدت بعض المناطق في ريف إدلب الشمالي, ازدحاماً سكانياً ضخماً ليتضاعف عدد سكانها أضعاف كانت عليه قبل اندلاع الثورة، ففي الوقت الذي أدت فيه كثافة القصف وغيرها من ظروف الحرب لدمار مدن وبلدات ونزوح أعداد كبيرة من أهلها، كان هناك مدن وبلدات أخرى تستقطب هؤلاء النازحين الباحثين عن الأمان والحياة، فضلاً عن تتالي سيناريوهات التهجير التي اتّبعها النظام في تهجير المدنيين إلى تلك المناطق.
ووسط هذا التضخم السكاني الهائل وفي ظل استهداف نظام الأسد للبنى التحتية والمنشآت والمرافق الحيوية في المناطق المحررة، وقلة الإمكانيات في تلك المناطق، حاولت المجالس المحلية فيها إثبات نفسها والتعاطي مع هذا التضخم بشكل فعال ومثمر.

dsc02185

زيتون – أسواق سرمدا بريف إدلب الشمالي

«زيتون» رصدت أهم المناطق التي شهدت تضخماً سكانياً كثيفاً، بتأثيراته وكيفية مواجهته.
مدينة «سرمدا» بريف إدلب الشمالي:

التأثيرات:

« عضو مكتب الإحصاء في المجلس المحلي لمدينة سرمدا قال في حديث خاص لـ «زيتون»: «نظراً للموقع الاستراتيجي الهام الذي تتمتع به مدينة سرمدا،القريب من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، وكون المدينة تعتبرمن أهم المراكز التجارية والصناعية في المنطقة، فقد شهدت إقبالاً كبيراً من قبل النازحين من أبناء محافظة إدلب نفسها وأبناء المحافظات الأخرى».

وأضاف: «يبلغ عدد سكان مدينة سرمدا في الوقت الحالي /100/ ألف نسمة، في الوقت الذي كان فيه عدد سكان المدينة الأصليين سابقاً /25/ ألف نسمة، في حين أن عدد سكانها الفعلي قبل بدء الثورة كان /15/ ألف فقط، أي أن عدد السكان بلغ أكثر من 3 أضعاف للعدد الأصلي وأكثر من 5 أضعاف لعدد السكان الفعلي».
وأضاف: «نتيجة التضخم السكاني الهائل الذي شهدته المدينة، فقد شهدت بمقابله توسعاً عمرانياً مضاعفاً للمساحة الأصلية، وذلك لاستيعاب حجم التضخم الحاصل».

أما مسؤول الإعلام في المجلس المحلي لمدينة سرمدا «عبد الحميد اللاذقاني»، فقال لـ «زيتون»: «إن البنى التحتية المجهزة بها مدينة سرمدا لا تحتمل لأكثر من 40 ألف نسمة، ما أحدث العديد من المشاكل الخدمية وخاصة على صعيد الأفران وتأمين مادة الخبز, حيث بلغ عدد أفران المدينة خمسة أفران في حين كانت تقتصر سابقاً على فرنين فقط».
وأوضح مدير المكتب الخدمي في المجلس المحلي لمدينة سرمدا «ياسر الحلبي» في حديثه لـ «زيتون»، مدى تأثير التزايد السكاني على القطاع الخدمي، بقوله:

“إن ازدياد عدد السكان بشكل كبير سبب ضغطاً كبيراً على البنى التحتية في المدينة وخاصة في قطاع الخدمات, فمع دخول فصل الشتاء أدت مياه الأمطار الغزيرة إلى طوفان المصارف وانسدادها كونها قديمة وكونها لم تشهد أي مشروع تحسيني خلال السنوات الماضية، وهذا ينطبق على ما يخص شبكة المياه حيث تعتمد تلك المناطق على شراء المياه عبر الصهاريج، فضلاً عن اللجوء في بعض مناطق المدينة كمنطقة الجبل للاعتماد على الجور الفنية في تصريف مياه الصرف الصحي لديها مما يسبب أمراضاً وضرراً للمجتمع”
.

الاجراءات المتخذة للتخفيف من تأثيرات التضخم السكاني:
فيما يخص قطاع الأفران والخبز، قال «اللاذقاني»: «يحاول المجلس المحلي في المدينة تزويد أفران المدينة بمادة الطحين المقدمة له من المؤسسة العامة للحبوب، وذلك من خلال مناقصات يجريها المجلس مع الأفران كونها تتبع للقطاع الخاص, مما يساهم في تخفيف الضغط على أفران المدينة وبالتالي تخفيض سعر ربطة الخبز وضبط حجمها ووزنها».

أما بما يتعلق شبكات المياه والصرف الصحي، قال «الحلبي»:

«نتيجة التزايد السكاني والعمراني الجديد،وقع على عاتق المجلس المحلي في المدينة تأمين الخدمات من صرفصحي وشبكة مياه للمناطق الجديدة، وقد قمنا منذ قرابة السنة في المجلس بمشروعين كبيرين ساهما بشكل جيد في تخفيف الضغط على المجاري القديمة واستبدالها بأخرى جديدة، واستطعنا الوصول للعديد من تلك المناطق وتأمين الخدمات لها، ولكن ما يزال هناك عدد لا بأس به منالمناطق بحاجة لتخديم».

وأضاف «الحلبي»: «أما بالنسبة لمياه الشرب، تبلغ تكلفة ضخ المياه للمدينة شهرياً نحو 21 مليون ليرة سورية، وأمام تلك التكلفة العالية وقف المجلس المحلي عاجزاً عن تأمينها، ما أدى لاعتماد الأهالي على شراء الصهاريج، وكل ما استطاع المجلس فعله هو القيام بمشاريع تصليح شبكة المياه القديمة والتالفة ضمن مساحة صغيرة فقط من المدينة، بحيث تكون جاهزة للعمل عند توفر القدرة التشغيلية، ولكن مازال هناك الكثير من الخطوط بحاجة لإصلاح، ليس لدى المجلس القدرة على إصلاحها كلها في الوقت الحالي».
وختم «الحلبي» بقوله:

«لا شك أن الإقدام على مثل هذا النوع من المشاريع الضخمة يحتاج لتغطية مالية كبيرة، وبدوره يحاول المجلس المحلي في المدينة التنسيق مع العديد من المنظمات وبعض الجهات المانحة والتي تبدي نوعاً ما تجاوباً معهفي هذا المجال».

مدينة «الدانا» بريف إدلب الشمالي:
«زيتون» التقت رئيس المجلس المحلي في مدينة الدانا «محمود نجار»، والذي قال: « تتوسط مدينة الدانا مجموعة بلدات وقرى في الريف الشمالي لإدلب، وتعتبر عقدة وصل هامة بين الريفين الحلبي والإدلبي، وبوابة الريف الغربي لحلب، وذلك نتيجة قربها من منطقة معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، ما زاد في أهميتها الاقتصادية وجعلها مركزاً تجارياً هاماً في المنطقة، ومقصداً لجميع المناطق القريبةوالبعيدة على حدّ سواء، لاسيما مع وجود سوق تجاري هام وكبير فيها، وتوافر رؤوس الأموال فيها، ما شجع الكثير من الأهالي والنازحين من مختلف المناطق السورية على الاستثمار في مدينة الدانا».

التأثيرات:
«نجار» قال لـ «زيتون»: «إن الأسباب السابقة جعلت المدينة مكتظة سكانياً بشكل غير مسبوق, فقد بلغ عدد الوافدين إيها نحو 70 ألف نسمة، ما يقارب ضعفي عدد السكان الأصليين في المدينة، والبالغ 40 ألف نسمة، ما سبب ضغطاً كبيراً عليها وخاصة نتيجة التوسع العمراني المشهود، لاسيما أن البنى التحتية التي تتوفر في المدينة وأخص المنشآت الخدمية منها، مجهزة لتخديم الـ 40 ألف نسمة وهو عدد السكان الأصلي فقط».

أما مسؤول المتابعة والعلاقات العامة في المجلس المحلي لمدينة الدانا «رعد سعد»، فقال: «واجهنا العديد من الصعوبات مع ازدياد المناطق المحتاجة للتخديم وقلة عدد الآليات فيما يتعلق بأمور النظافة في المدينة، كما عانت المدينة بشكل كبير من ناحية الصرف الصحي، كون الخطوط الرئيسية للصرف قديمة وتالفة ولم تعد قادرة على احتمال أعباء فرعية للأبنية الجديدة».
وأضاف «سعد»:

«واجهنا في المجلس صعوبات كبيرة في مشروع ضخ المياه، وذلك بسبب عدم تجاوب الأهالي في موضوع الجباية، وخاصة النازحين، على اعتبارهم مستأجرين وليسوا مالكين لهذه المنازل، مما أدى لتوقف ضخ المياه للمدينة بعد 3 أشهر من توقف المنظمة الداعمة للمشروع عن العمل في المدينة، بسبب عدم قدرة المجلس على تحمّل الكلفة التشغيلية لضخ المياه على مساحات سكانية واسعة، على الرغم من وجود 7 آبار مياه موزعة على جغرافية المدينة، وبذلك اضطر الأهالي للعودة إلى شراء الماء من الصهاريج».
وتابع: «وكان للتضخم السكاني تأثيراً كبيراً على الطرقات في المدينة، فهي لم تكن مجهزة لهذا العدد من الآليات والسكان، كما عانت المدارس من ضغط كبير على الرغم من وجود 7 مدارس لمختلف الفئات التعليمية، تدعم المنظمات الإنسانية الكادر التدريسي في ثلاثة منها».
اجراءات الحد من تأثير التضخم السكاني في الدانا:
قال «نجار»: «إن إدارة المجلس المحلي تعمل بشكل مستمر على تنفيذ مشاريع خدمية للمدينة، سواء أكانت على نفقة المجلس أو بالتنسيق مع منظمة خدمية داعمة للمشروع، حيث قمنا بتنفيذ العشرات من المشاريع كان أبرزها مشروع الصرف الصحي والطرقات والمياه».

وأوضح «سعد» ماهية هذه المشاريع المنشأة بغرض استيعاب الأعداد الكبيرة من السكان، قائلاً: «قمنا بشراء سيارة قلاب لتغطية النقص في المعدات اللازمة لأمور النظافة، بكلفة 6000 دولار امريكي، كما تم زيادة عدد العمال، وبذلك تم تغطية المدينة نوعاً ما من هذه الناحية، لكنه في الوقت ذاته رتب عبئاً كبيراً في التكاليف على المجلس».

وأضاف: «ونفّذ المجلس المحلي في المدينة بالتنسيق مع منظمة « Archa nova» مشروع صرف صحي، ركز على تسليك خطوط الصرف الصحي، وتركيب مطريات في شوارع المدينة لتساعد في تصريف مياه الامطار، كما نفّذ مشروع تعبيد الشارع الرئيسي في المدينة، منذ قرابة الستة أشهر،وذلك بالتنسيق مع منظمة «أمان وعدالة مجتمعية»، بالإضافة لتأهيل شارع 22، والبالغ طوله 880 متراً».
وتابع «سعد»: «حالياً ندرس في المجلس المحلي إقامة منصف في الشارع 22، لتسهيل حركة الذهاب والإياب ووضع ضوابط للسير فيه، ومن ثم تعبيده، سواء عبر الجهات الداعمة أو العمل الشعبي أو بالطرق المتاحة، وفيما يتعلق بالمدارس تم دراسة مشروع بناء كتلتين إضافيتين ضمن مدرستين في المدينة لاستيعاب عدد الطلاب، وسيبدأ المشروع على الأرض بشكل فعليّ في الأيام القادمة وبهذا ستكون مدارس المدينة قادرة على استيعاب أبناء المهجرين بأريحية أكثر».

بلدة «ترمانين»
مسؤول الإعلام في المجلس المحلي في بلدة ترمانين «حسام شريف» قال في حديث خاص لـ «زيتون»: «احتضنت المدينة خلال السنوات الست الماضية الكثير من النازحين والوافدين، ففي الوقت الذي كان فيه عدد السكان /13453/ نسمة وفقاً لإحصائية عام 2011، باتت المدينة اليوم تستوعب أكثر من 42 ألف نسمة».

وحول تأثيرات هذا الكم من الزيادة السكانية، قال «شريف»:

«كانت أبرز المشاكل التي سببتها الزيادة السكانية، في الخط الرئيسي للصرف الصحي بالإضافة لزيادة الطلب على الماء والخبز»

وأضاف: «وفي محاولة لتلافي التأثيرات السلبية للزيادة السكانية، قام المجلس المحلي لبلدة ترمانينبالتعاون مع منظمة»hand in hand» باستبدال الخط الرئيسي للصرف الصحي، بخط جديد طوله 850 متر بقساطل قطر واحد متر، وحالياً نرفع دراسات للعديد من الجهات المانحة لإمكانية تنفيذ مشاريع صيانة شبكة المياه ودعم الأفران، لتأمين أبرز الخدمات للأهالي».
وهكذا فإن المجالس المحلية في ريف محافظة إدلب الشمالي بشكل خاص، كنموذج يُمثل معظم المجالس المحلية في المحافظة، تحاول السير في عجلة العمل الخدمي وتقديم أفضل الخدمات لأبناء المحافظة والوافدين إليها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*