بعد 32 شهراً من الاعتقال.. محمد يعود الى “كفر عميم” حراً

زيتون – غسان شعبان

نحو 32 شهراً قضاها بين سجون وزنازين شعب المخابرات العسكرية والفرع 215 في طرطوس ودمشق، وسجن عدرا، حيث كل الوقت يمر بشكل أبطأ مما تتخيله العقول وتدركه الأزمان، وكل دقيقة يرى فيها الموت ستين مرة، خرج إلى النور ليتذوق بعدها حلاوة الحرية.
«محمد أحمد الشيخ أحمد» معتقل تم الإفراج عنه مؤخراً من سجون نظام الأسد، وهو من أبناء قرية «كفرعميم» في ريف سراقب بمحافظة إدلب.
«زيتون» زارت «محمد أحمد الشيخ أحمد» بعد خروجه من معتقلات الأسد، والذي تحدث لها عن معاناته خلال فترة اعتقاله، قائلاً: «قبل بداية الثورة كنت أعمل في لبنان، وأقضي وقتي ذهاباً وإياباً ما بين سوريا ولبنان، وبقيت على هذا الحال بعد الثورة، إلى أن قررت العودة إلى سويا لاصطحاب أخي ليعمل معي في لبنان، وعندها تم اعتقالي على الحدود (السورية- اللبنانية)، من قبل شعبة المخابرات العسكرية التابعة للفرع /215/، ليتم اقتيادي بعد ذلك إلى الفرع /215/ في محافظة طرطوس، والتهمة تشابه اسم مع أقارب لي يحملون السلاح ضد نظام الأسد».

في الفرع /215/ بطرطوس

«محمد» تحدث لزيتون عن معاناته وطرق التعامل والتعذيب في الفرع، بقوله:

«بعد وصولي إلى الفرع، وضعوني في معتقل تحت الأرض، ضمن أقبية تشبه القبور وبدأوا بممارسة طرق مختلفة من التعذيب، لم يكن أولها الضرب والشتم والصعق بالكهرباء ولا آخرها «الشبح»، حيث علقوني من يداي وقدماي مرتفعتان عن الأرض، وبدأوا بضربي بالعصي وصعقي بالكهرباء، وذلك في فترة الراحة من بركة الماء التي وضعوني فيها لمدة 72 ساعة، والتي لا تتجاوز مساحتها المتر المربع، وهي مغطاة بغطاء تُرك فيه فتحة بقطر 15 سم، للتنفس ولإلقاء الطعام للمعتقل الذي بداخلها، والذي يتوجب عليه قضاء حاجته فيها أيضاً، وإن كان الحظ حليفه يلتقط طعامه أثناء رميه من الفتحة قبل أن يختلط بماء البركة القذر، وإلا فعليه أن يأكله مهما كانت قذارته، وذلك من شدة الجوع».
وأضاف «محمد»: «بقيت على هذا الحال مدة 11 يوماً، لم يترك إرهابيي الأسد طريقةً أو وسيلةً من وسائل القهر والتعذيب والجوع لم يمارسوها علي، وتحت وطأة التعذيب اعترفت بأنني كنت أخرج في نوبات حرس في قريتي، ولكن المحقق لم يصدقني وأصرّ على أن أعترف بأكثر من ذلك، وواصل السجانون تعذيبي على مدى أربعة أشهر ونصف، وواصلت الاعتراف بتهم أكبر من حراسة لوادي الضيف قبل تحريره إلى المشاركة في تحريره، إلى ضرب الحواجز التابعة لقوات الأسد في مدينة سراقب ومحيطها، علماً أنني لم أحمل السلاح مطلقاً وكنت أعمل في لبنان في تلك الأوقات».
وتابع «محمد»:
«بعد وصولي إلى الفرع، وضعوني في معتقل تحت الأرض، ضمن أقبية تشبه القبور وبدأوا بممارسة طرق مختلفة من التعذيب، لم يكن أولها الضرب والشتم والصعق بالكهرباء ولا آخرها «الشبح»، حيث علقوني من يداي وقدماي مرتفعتان عن الأرض، وبدأوا بضربي بالعصي وصعقي بالكهرباء، وذلك في فترة الراحة من بركة الماء التي وضعوني فيها لمدة 72 ساعة، والتي لا تتجاوز مساحتها المتر المربع، وهي مغطاة بغطاء تُرك فيه فتحة بقطر 15 سم، للتنفس ولإلقاء الطعام للمعتقل الذي بداخلها، والذي يتوجب عليه قضاء حاجته فيها أيضاً، وإن كان الحظ حليفه يلتقط طعامه أثناء رميه من الفتحة قبل أن يختلط بماء البركة القذر، وإلا فعليه أن يأكله مهما كانت قذارته، وذلك من شدة الجوع».

فرع المخابرات العسكرية في دمشق.. وفاة معتقل أو اثنين يومياً

لم يختلف الوضع كثيراً في فرع دمشق عنه في فرع طرطوس فيما يتعلق بطرق التعذيب الجسدي، والإلحاح علي بالاعتراف بجرائم أكبر، علماً أنني أخبرتهم بأنني أُجبرت على أن أبصم على الأقوال المدوّنة في ملفي تحت التعذيب الذي تعرضت له في فرع طرطوس، ولكن دون فائدة، بل على العكس فقد كان هناك الأقسى من أن تمارس عليك طرق التعذيب الجسدي، حسب ما قاله “محمد”.
وأضاف: 

“بقيت في فرع دمشق لمدة شهرين تقريباً، كانت تلك هي الأيام الأصعب والأقسى في حياتي كلها، حيث كنّا نتناوب على النوم، وعند النوم ننام ونحن جالسين، وخلال الأيام الستة الأولى كان يتمّ ضربنا بشكل جماعي، وبوحشية حيث كان عناصر الأسد ينهالون علينا بالسياط، وكان كل معتقل ينال ما بين المائة والمائة والخمسين جلدة يومياً، وكانت العملية تتم فقط من أجل الضرب دون السؤال عن أية معلومات أو تفاصيل أو أي شيء آخر، مما قد يتسبب لبعض المعتقلين بأمراض خطرة أو فقدان للعقل أو الشلل”. وتابع “محمد”: “ناهيك عن حالات الوفاة التي كانت تحدث في الفرع، فمن شدة التعذيب أو تسبّبه بأمراض خطيرة، وعدم وجود أدوية أو السماح بمعالجة المعتقل، كان يتوفى معتقل أو اثنين أو أكثر بشكلٍ يومي، فضلاً عن الإعدامات الميدانية والتي سببها أن القاضي كان يحكم وفقاً لمزاجه وأهوائه، دون الرجوع إلى أي قانون، وفي أغلب الأحيان كانت الجثث تبقى ضمن المعتقل لمدة يوم أو يومين، وكنا نحملها نحن المعتقلين إلى ساحة الفرع، ومن ثم يقوم العناصر بحملها ورميها في سيارات القمامة ليتم التخلص منها، كيف وأين لا نعلم، ولكن الضغط النفسي الذي تتسبب به حالات الوفاة وطريقة التخلص منها، وإجبارنا على حملها، لا يمكن وصفه، وربما هو أشد تأثيراً من التعذيب الجسدي الذي كنا نتعرض له”.
سجن عدا هو الأقل تعذيباً ولكنه سجن المنسيين
وصف “محمد” سجن عدرا بأنه سجن المنسيين، وقال: “بعد محاكمتي في فرع المخابرات العسكرية، تم تحويلي إلى سجن عدرا، وهو أفضل من سابقيه مهما بلغت درجة السوء فيه، وعلى الأقل كان يُسمح لأهالي المعتقلين بزيارتهم، وكانت أمي تزورني كل شهر تقريباً”.
وأضاف: “ربما كانوا يسمحون بالزيارة في سجن عدرا لأنه سجن المنسيين، فهو يضم في زنازينه الكثير من المعتقلين الذين زادت فترة اعتقالهم عن العامين والأربعة والخمسة أعوام دون النظر في أمرهم أو محاكمتهم، وأنا شخصياً بقيت في سجن عدرا مدة عامين وشهرين، قبل أن تتم محاكمتي ويصدر قرار الإفراج عني”.
وحول أسماء المعتقلين الذين التقى بهم محمد أثناء فترة اعتقاله، قال: “كان معي الكثير في سجن عدرا ما يقارب 4 آلاف معتقل، لم أستطع حفظ الكثير منها، ولكنني كنت أجلس دائماً مع “عمار حاج هاشم” من مدينة بنش، و “أحمد بكداش” من بلدة تفتناز، أما بالنسبة للفرعين السابقين، فقد كنّا نتعرض للعقوبة في بعض الأحيان لمجرد النظر إلى بعضنا البعض، أو محاولة الإيماء لبعضنا”.

الحرية.. فرح وخوف في آن واحد

كانت فرحة محمد عارمة لا يمكن وصفها أو تخيّلها، ولم يكن يُصدّق أنه وأخيراً وبعد وكل تلك المعاناة قد نال حريّته، وخرج من سجون نظام الأسد سالماً، ومن شدة فرحه بكى محمد بكاءً شديداً، ولكنه في الوقت ذاته لم يستطع التخلص من خوفه، على الرغم من وجود ورقة مختومة من السجن بحوزته من أجل عدم معاودة اعتقاله على أحد الحواجز التي سيمرُّ بها.
وكان حاجز مدينة “القطيفة” والمعروفة بعاصمة نظام الأسد العسكرية، أكثر ما كان يُخيف محمد، ولذلك طلب إلى أهله أن يجروا بحثاً على اسمه، يُعرف في سوريا باسم “التفييش”، ولم يجرؤ محمد على عبور حاجز القطيفة إلا بعد أن وصلته النتيجة واطمأن قلبه قليلاً، ليصل إلى منزله في قريته “كفرعميم” في الساعة الثامنة من مساء يوم 22/12/2016، بعد 13 ساعة من خروجه من السجن.

فرحة عائلة «محمد»

ربما كانت الساعات الثلاث عشرة، أشد بطء من الشهور التي قضاها “محمد” في سجون الأسد، بالنسبة لعائلته التي لم تكن تجرؤ على التفكير بكيفية استقباله بعد هذا الغياب، خوفاً من أن تُصدم بواقع مفاجئ تماماً كما هو الحال لدى محمد.
“أحمد الشيخ أحمد” والد محمد قال ل “زيتون”: “لم نكن نصدّق أنه سيخرج على قيد الحياة ويعود إلينا، وفي كل مرة كانت والدة محمد تذهب لزيارته، كان الخوف يتملّكنا من أن تعود بخبر وفاته أو نقله إلى مكان آخر، ونعود للدوامة الأولى”.
وأضاف: “ولكن عندما وصل إلى البيت بعد مرور عامين وثمانية أشهر، لم يتسع الكون للفرح الذي شعرنا به، ولا تستطيع الكلمات أن تصفه، فقد كانت رؤيته بيننا مجدداً أقرب لضرب من ضروب الخيال”.
محمد هو أحد المعتقلين الذين خرجوا من معتقلات نظام الأسد، واستطاعوا أن يصفوا جزءً بسيطاً جداً من إجرام الأسد وأزلامه، ولكن يبقى هناك الكثير الكثير من المعتقلين الذين لم يستطيعوا إخبارنا بما شاهدوه أو تعرضوا له من إجرام ووسائل تعذيب، كما أن هناك الآلاف من المعتقلين ما يزالون قابعين في زنازين الأسد، والذين قد يخرجوا ويضيفوا شهاداتهم على إرهاب الأسد، وقد لا يخرجون ويرفعون شهاداتهم لمن يعلم كل شيء حتى الذي لم يستطع محمد أو غيره من خرج البوح به.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*