معارك إدلب إلى أين؟

Members of al Qaeda's Nusra Front drive in a convoy as they tour villages in the southern countryside of Idlibمهند النادر

 

«لقد جئتكم ببشرى والله، بملف نقيم فيه شرع الله عز وجل في هذه الأرض… قد آن الأوان بأن نقيم إمارة إسلامية على أرض الشام، تطبق حدود الله عز وجل، وتطبق شرعه، بكل ما ترتضيه الكلمة من معنى، دون تهاون أو استهانة أو مواربة أو مداراة», هذا ما قاله الجولاني زعيم جبهة النصرة جناح تنظيم القاعدة في بلاد الشام, في تسجيل صوتي نُسب إليه في الصيف الماضي. ويبدو من خلال سير الأحداث والعمليات العسكرية في الشمال السوري وسيطرة جبهة النصرة على معظم قرى ريف مدينة إدلب سعيها في تحقيق مشروع الإمارة الإسلامية في اطار تنافسها مع تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» الذي أعلن قيام الخلافة بقيادة أبو بكر البغدادي حزيران الماضي والذي حاز على تأييد الكثير من مناصري الجبهة وخاصة غير السوريين أو من أُطلق عليهم اسم «المهاجرين».
يعتبر موقع مدينة إدلب المكان المناسب لجبهة النصرة لإنجاز مشروع إعلان قيام الإمارة الإسلامية, بعدها عن جبهات القتال مع النظام أو مع داعش وقربها من الحدود التركية, كما أن التفوق التنظيمي والعسكري للنصرة على باقي التشكيلات العسكرية الأخرى المتواجدة في المنطقة, ورفض مقاتلي هذه المجموعات توجيه السلاح سوى إلى نظام الأسد، يجعلها موقعاً مناسباً لإعلان الإمارة الإسلامية والشروع في إعادة استقطاب المقاتلين المهاجرين التي شكلت لهم دولة الخلافة الإسلامية نموذجاً يجمعهم بدلاً عن جبهة النصرة التي كانت الحاضنة لهم قبل إعلان خلافة البغدادي.
بدأت الخلافات بين «جبهة النصرة» «وجبهة ثوار سوريا» بالظهور العلني خلال الصيف الماضي عبر تصريحات صدرت عن «جمال معروف قائد جبهة ثوار سوريا يتهم فيها النصرة بعدم الاحتكام إلى الشرع والمحاكم الشرعية للفصل في الخلافات بين الطرفين. وخلال شهر تشرين الأول الماضي اندلعت الاشتباكات بين الطرفين مما أدى إلى سيطرة «جبهة النصرة» على كافة مواقع «جبهة ثوار سوريا» ومواقع «حركة حزم» المدعومة أمريكيا والتي تصنف عادة من المجموعات المعارضة المعتدلة.
بدأت شرارة المعارك الأخيرة في بلدة البارة ويذكر البعض أن السبب هو نجاح جبهة النصرة باستمالة العديد من العناصر المحسوبة على الجيش الحر في الريف الادلبي فحاول جمال معروف مواجهة الأمر من خلال عمليات الاعتقال للعديد ممن انضم إلى جبهة النصرة التي قامت بها مجموعات تابعة لجبهة ثوار سوريا. ويؤكد أخرون على أن السبب المباشر لاندلاع المواجهات قيام مجموعات جمال معروف بالتضييق على طرق إمداد جبهة النصرة خلال معارك الأخيرة مع قوات النظام في داخل مدينة إدلب, فقد أوقفت الحواجز التابعة لمعروف العديد من مقاتلي النصرة مما أدى للهجوم على هذه الحواجز والسيطرة عليها واحداً تلو الآخر وصولاً إلى مسقط رأس جمال معروف بلدة دير سنبل.
استخدمت جبهة النصرة ذات الخطاب التي قدمته «داعش» أثناء حربها على كتائب «عاصفة الشمال», بحجة الفساد الذي تمارسه بعض المجموعات المسلحة والسرقات عبر «حواجز المازوت», ومنحها هذا الأمر تعاطفاً شعبياً لدورها في مكافحة المخالفات والحد من السرقات، مما سهل سيطرتها على بلدات الريف الادلبي وطرد مقاتلي جبهة ثوار سوريا الذي انتهى وجودها الفعلي في الشمال السوري, كما انسحبت حركة حزم من مواقعها التي سيطرت عليها النصرة باتجاه مدينة حلب التي من المتوقع وصول الصراع إليها.
إن سعي جبهة النصرة المضي في مشروع إقامة الإمارة الإسلامية يظهر جلياً في التفرد بالسيطرة على العديد من القرى والبلدات في شمال مدينة إدلب وإنشاء المحاكم الخاصة بالنصرة، فقد حققت جبهة النصرة الكثير على طريق هذا المشروع من خلال قضائها على وجود المجموعات المسماة معتدلة في هذه البلدات، ويبقى وجود بعض الفصائل والتنظيمات ذات التوجه الإسلامي كالجبهة الإسلامية وجند الأقصى في هذه البلدات يعرقل نسبياً توجه النصرة لإنجاز مشروع الإمارة الإسلامية. ورغم نفي حركة أحرار الشام عبر بيان رسمي مشاركتها بالقتال إلى جانب جبهة النصرة، إلا أن واقع حال حركة أحرار الشام بعد اغتيال قادتها وغياب القيادة المركزية القادرة على ضبط تحركات مجموعاتها دفع تلك المجموعات للتصرف حسب ظروفها المحلية، حيث يؤكد بعض الناشطين مشاركة بعض المجموعات من حركة أحرار الشام ومن صقور الشام أيضاً القتال إلى جانب النصرة.
يبدو واضحاَ خلال العامين الماضيين أن هناك حرباً قد فُتحت بين فصائل الجيش السوري الحر والمقاتلين الإسلاميين من داعش إلى النصرة, ورغم اختلاف الأسماء والشعارات إلا أن الحقيقة الجلية تقول أن الدوافع التي سببت المعارك هي ذاتها إذ أنه هناك مشاريع تتصارع على أرض الواقع لها امتداداتها المحلية والإقليمية تسعى إلى فرض برنامجها على الواقع السوري في مناخ من خلط رهيب للأوراق يتجلى في معركة كوباني والتحالفات التي أنتجتها، فتجد مقاتلي الجيش الحر الذي قاتل في مرحلة سابقة إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة حلب، يقاتلون إلى جانب قوات البشمركة ووحدات حماية الشعب الكردي المتحالفة مع نظام الأسد في مناطق الجزيرة السورية, في مدينة عين العرب التي يقصف أطرافها طيران التحالف الدولي ذاته الذي يريد إنهاء دولة الخلافة الإسلامية وإسقاط نظام بشار الأسد معاً, من خلال فصائل تسمى معتدلة لم يتبق منها إلا بعض الأسماء والعناوين بعد أن فقدت كل مواقعها على الأرض.