التعليم في إدلب.. قصف للطيران وحرب بين تربيتي النظام والحرة

زيتون – وعد البلخي

لم تكن “أمل وعائشة محمد حمندوش” الأختين الوحيدتين اللتين فرقت الطائرات الروسية بينهما في صباح يوم الأربعاء 21 آذار الماضي في قرية كفربطيخ بريف إدلب الجنوبي، بل أزهقت تلك الغارات أكثر من 20 روحا معظمهم من أطفال المدرسة في القرية.

فبعد سماع صوت الغارة التي استهدفت مكاناً يبعد عن المدرسة 300 متر، قال مدير مدرسة كفر بطيخ للتعليم الأساسي للإناث “محمود الياسين”:

“قمنا بصرف الطالبات على عجل خوفاً من استهداف المدرسة وحرصاً منا على حياتهن، وبعد خروجهن من المدرسة، وجدن عائلة في منزل قريب تلجأ إلى مغارة، وقام صاحب المنزل بالطلب منهن النزول مع عائلته، في محاولة منه لإنقاذهن من القصف المحتمل، والذي لم يتوقع أنه سيستهدف المغارة، وما أن مضت دقائق حتى كانت الغارة الثانية على المغارة ذاتها”.

كما لاقت الطفلة لجين السعيد حتفها في صباح يوم الاثنين 26 في الشهر ذاته إثر سماعها لصوت طائرة حربية روسية استهدفت مدينة جسر الشغور وريفها، وذلك بعد توقف قلبها من شدة الخوف.

الطفلة “لجين السعيد” البالغة من العمر 12 عاماً، وهي من أهالي قرية “القادرية” بريف جسر الشغور الشمالي، توفيت نتيجة توقف عضلة القلب لديها أثناء عودتها من مدرستها، بسبب انقضاض طائرة حربية روسية على المنطقة، مما أثار خوف الطفلة وتسبب بوفاتها.

حادثتا آذار ليستا حادثتين مميزتين، بل هما نموذجا عما يعيشه الأطفال في سوريا في رحلتهم اليومية إلى المدارس، في مغامرة قد لا تكون آمنة العواقب في مواجهة غير متكافئة بين طفل وطائرة، مقابل مستوى تعليمي متدني لا يستحق تلك المغامرة.

يعاني قطاع التعليم في محافظة إدلب من صعوبات كثيرة ليس أولها نقص الكتب والقرطاسية ولا القصف الممنهج للمدارس بشكل خاص لاسيما في أوقات الدوام الرسمي للطلاب، ما أدى لتدني مستوى الطلاب تعليمياً وتدهور الوضع النفسي للطلاب والمعلمين، وليس آخرها حرب البيانات والقرارات المتداولة ما بين تربية النظام المتمركزة في مدينة حماة، والتربية الحرة في محافظة إدلب.

«زيتون» رصدت بعض مشاكل القطاع التعليمي في محافظة إدلب، والتقت عدداً من الطلاب والمعلمين والمسؤولين في مديرية التربية والتعليم الحرة بإدلب، كما رصدت بعض القرارات الصادرة عنها وعن مديرية التربية التابعة لنظام الأسد.

نقص الكتب والقرطاسية واللوازم المدرسية

“راغب شحود” مدير مدرسة في ريف إدلب، قال لـ “زيتون”:

“تعاني مدارس محافظة إدلب عموماً من نقص الكتب المدرسية، وفي محاولةٍ لتعويض النقص الحاصل، تعهدت بعض الجمعيات الخيرية في بداية العام الدراسي بطبع الكتب، لكن الطيران الحربي استهدف المجمع الذي يحوي الكتب في مدينة خان شيخون، مما أدى إلى إتلاف كميات كبيرة منها، وبقي عدد كبير من الطلاب دون كتب بانتظار طباعة كتب جديدة لهم”.

وأضاف “شحود”: “أغلب مدارس الائتلاف والمنظمات الخيرية تقدم القرطاسية وحقائب المدرسة بشكل مجاني للطلاب، نظراً للحاجة الماسة لها ونتيجة لحالة الفقر التي يعانيها الأهالي، حيث أن أغلبهم لا يملك أن يقدم لابنه تكاليف المدرسة في ظل الغلاء الفاحش”.

“مصطفى البوشي” معلم من ريف إدلب، قال لـ “زيتون”: “القصف الجوي هو أحد أبرز المشاكل لكن هناك بعض التقصير من بعض المدرسين، فمثلا طالبات الثانوية لم يتقدمن إلى الامتحان النصفي بحجة عدم وجود قاعات كافية”.

ومن أجل استمرار العملية التعليمية في ظل النقص الحاصل في المقاعد المدرسية، قام معلمو مدرسة قرية “أم النير” الواقعة في ريف إدلب الجنوبي بتحويل صناديق الذخيرة والصواريخ إلى مقاعد مدرسية للتلاميذ، وذلك بعد تحطم مقاعد المدرسة بسبب قصف الطيران للمدرسة.

وقال أحد المعلمين المشاركين في هذه العملية لـ “زيتون”:

“لا يتوفر في المدرسة سوى حوالي 15 مقعداً صالحاً للجلوس، ورغم مطالبة إدارة المدرسة من كل الجهات التربوية بتوفير أبسط احتياجات العملية التعليمية لاستمرارها وأهمها المقاعد والمحروقات، لاسيما مقاعد جديدة لمدرستنا التي تعرضت للقصف مرتين متواليتين، إلا أن مطالباتها لم تلق صدىً ولم تجد أي استجابة”.

وأضاف المعلم أحمد: “قام بعض المعلمين باقتراح الفكرة على إدارة المدرسة وتعاقدنا مع نجار متبرع بعد حصولنا على هذه الصناديق التي كانت تحوي صواريخ الغراد وحولناها إلى مقاعد، اضطررنا لهذه العملية في ظل نقص الدعم لنا، حيث لا تدعم مديرية للتربية والتعليم إلا عدداً قليلاً من الموظفين في مدارس القرية”.

القصف الجوي سيف مسلط على التعليم

المعلم “البوشي” قال: “تم مطالبة الطلاب في المرحلة الابتدائية في الامتحان بدروس لم يأخذوها، بالمقابل اقتصر امتحان اللغة الانكليزية على صفحة واحدة طوال الفصل الدراسي”.

واستطرد “البوشي” قائلاً: “أعتقد أنه من الواجب متابعة عمل المدارس بشكل أفضل حتى ولو اقتضى الأمر مزيداً من المعلمين”.

“بشار الباشا” معلم من ريف إدلب قال لـ “زيتون”:

“التعليم في ظل الخوف أمر صعب جداً، فالمعلمات والطلاب في حالة خوف دائم من الطيران الذي لا يغادر الأجواء، ويجب العمل على إيجاد حلول بديلة”.

“أبو سعيد” أحد أولياء الطلاب قال لـ “زيتون”: “وضع التعليم سيء جداً، ففي الفصل الدراسي الماضي لم يداوم الطلاب أكثر من 10 أيام، وحتى الأيام التي داوم الطلاب فيها كانوا يذهبون إلى المدرسة تحت وطأة الخوف والرعب من الطيران خاصة عندما يتم تشغيل جهاز الإنذار الذي يسبب حالة من التوتر الشديد لدى الطلاب تجعلهم عاجزين تماماً عن التركيز”.

وقال “راغب شحود”: “إن قصف الطائرات يعد سبباً رئيسياً في ضعف مستوى التلاميذ، فالقصف يحبطهم ويُحبط المُعلّمين ويحدث الخوف والهلع لدى الطلاب والمعلمين بمجرد سماع صوت الطائرة”.

من جانبه “محمد مزنوق” رئيس المكتب التربوي في مديرية التربية والتعليم الحرة بإدلب، قال لـ “زيتون”: “الطيران هو أبرز معوقات سير العملية التعليمية, فعلى الرغم من شح الإمكانيات تم تجاوز معظم المشكلات، إلا أن الطيران يتسبب بشلل العملية التعليمية، فما إن تهدأ الأوضاع ويبدأ الطلاب بالدوام يأتي الطيران ويقصف المدينة مما يتسبب بحالة رعب لدى الأهالي والطلاب، كما أن الطيران استهدف المدارس أكثر من مرة”.

المدارس الحرة مستقبل ضائع للطلاب.

نتيجة للقصف الجوي للمدارس والعطلة الطويلة، أعلن بعض الطلاب عزمهم الذهاب إلى مناطق النظام من أجل التقدم لامتحاناتهم رغم كل المخاطر، خوفا من ضياع مستقبلهم في بقائهم دون دراسة وعدم حصولهم على الشهادة، وهو ما دفع بعض الأهالي إلى مرافقة أبنائهم إلى مناطق سيطرة النظام خوفا من اعتقالهم.

“عبد الله المحمد” طالب في الصف الثالث الثانوي، قال لـ “زيتون”: “سأذهب أنا وأختي إلى مناطق النظام لعلها تساعدني في العبور سريعاً عبر حواجز نظام الأسد الموجودة في طريقنا”، مشيراً إلى أن الحواجز النظامية لا تعترض الطلاب الذين يصطحبون أهاليهم معهم.

وأضاف: “مستقبلي ومستقبل آلاف الطلاب يضيع أمام أعيننا، “فدراستنا كل هذه السنوات ستضيع هدراً إن لم نتقدم لامتحانات هذا العام، وهذا الأمر يستحق المغامرة، فالدراسة بالنسبة لي هي أهم شيء في الحياة “.

في حين وجد “باسل عبد الحميد” والد أحد الطلاب في ريف إدلب، نفسه تائهاً في أن يرسل ابنه إلى مدارس النظام أم مدارس التربية الحرة، وعبر عن استيائه من إغلاق المدارس وعدم توحدها خصوصاً بعد القصف الدموي الذي تعرضت له المدارس الحرة.

وقال “عبد الحميد”: “مستوى الطلاب نتيجة للعطلة الطويلة جراء القصف أصبح متدنٍ جداً، بالمقابل مدارس النظام لا زالت تستقطب المدرسين ذوو الخبرة السابقة في تعليم الطلاب، ولكن الاثنتين عرضة للقصف”.

“محمد العلي” أحد المدرسين في مدرسة “عابدين” قال لـ “زيتون”: “سارت العملية الامتحانية بشكل جيد نوعاً ما، ولكن من أهم المشاكل التي نعاني منها هي قلة المخزون التعليمي المقدم للطلاب من المواد التعليمية، حيث لا يتجاوز نسبة 60 بالمئة من المنهاج المخصص للطلاب، وذلك يعود لسبب انقطاع الطلاب عن الدراسة تبعاً للظروف الراهنة والقصف المستمر على مناطق ريف إدلب، واستهداف المدارس بشكل مباشر.

التربية الحرة وتربية النظام.. حرب بيانات وقرارات

أصدرت مديرية التربية والتعليم الحرة في محافظة إدلب في 12/1/2017، قراراً يلزم مدراء المدارس التابعة للنظام بإرسال نسخة من أي كتاب يصدر من المدارس لتربية النظام لمديرية التربية الحرة في إدلب.

كما ألزم القرار بإبلاغ المديرية بكل الاجتماعات التي يعقدها موجهو المدارس مسبقاً بالزمان والمكان ضمن محافظة ادلب ومنع كل تضمين أي شيء خارج العملية التعليمية في الكتب والاجتماعات.

وطلبت المديرية بتسليم كافة الأختام الموجودة في المدارس التابعة للنظام الى المجمعات التربوية التابعة لمديرية التربية الحرة في إدلب، ومنع الموجهين التابعين لمديرية التربية التابعة للنظام التجول في المدارس إلا بأوامر من التربية الحرة.

وهددت المديرية بالعقوبة للمدارس التي تسوق للتسجيل في الامتحانات أو تقوم بالتسجيل لها، ويأتي هذا البيان في ظل عجز التربية الحرة عن احتواء كل المدرسين التابعين للنظام وعجزها عن تقديم الخدمات لكل مدارس المحافظة أيضاً.

وقال مدير دائرة الإعلام بالتربية والتعليم في محافظة إدلب “مصطفى حاج علي” لـ “زيتون”: “إن مديرة التربية الحرة ستسحب كافة الأختام المتواجدة لدى مدراء المدارس التابعة للنظام، وستبق في أيدي أمينة، على حد قوله.

وأشار “حاج علي” إلى أن التربية الحرة لن تمنع الموظفين من قبض رواتبهم والحصول على أوراقهم من مناطق النظام، وإنما ستستعيض عن الختم المدرسي بختم صادر عن مجمع النظام، كما ستمنع التربية الحرة مدراء المدارس من رفع أي لوائح مدرسية إلى مدينة حماة تحت طائلة المسائلة القانونية، وسيتم استدعاء كل مدير مدرسة لا يستجيب إلى القرار إلى أقرب نقطة أمنية متواجدة في المنطقة.

وأكمل “حاج علي” وصل إلى هيئة القضاء في إدلب المدينة عدة شكاوي حول ما يرفعه معلمو النظام وموجهوه، ومن بينها لوائح اسمية عشوائية للطلاب والمدرسين، بالإضافة إلى تحديد المقرات الأمنية على أنها تتبع لجبهة فتح الشام وغيرها، لذلك قامت إدارة إدلب باعتقال مشرفي النظام والتحقيق معهم، وتبين أن من يرفع تلك اللوائح هم مدراء المدارس لأنهم من يملكون الأختام، لذلك ستقوم المديرية بسحب تلك الأختام، واقتصارها على مشرفي النظام فقط.

بالمقابل أصدرت مديرية التربية التابعة للنظام، في 19 كانون الثاني من عام 2017 قراراً يقضي بإغلاق أي مدرسة يتدخل الطرف الثاني بعملها، وخاصة تعيين مدراء أو إداريين بدلاً من كادر المدرسة التربوي، وأي مدرسة يتم سحب أختامها سوف تغلق.

المعلمين..

ضحية التربيتين

“محمد العمر” معلم في المدارس التابعة لنظام الأسد، انقطع عن الذهاب لتقاضي راتبه من مدينة حماة بسبب اعتقال 2 من زملائه على حواجز قوات النظام، وقال لـ “زيتون”: “في كل مرة نذهب فيها إلى مدينة حماة نتقاضى راتباً لا يتجاوز 30 ألف أي ما يعادل 60 دولاراً ندفع نصفها لحواجز قوات النظام”.

وأشار “العمر” إلى أن المبلغ الذي يحصل عليه المعلم من مديرية تربية النظام زهيد، ولا يستحق العناء والمخاطرة من أجله، مبيّناً أن أغلب المعلمين يدرّسون الطلاب في المدارس النظامية بشكل مجاني.

وانتقد العمر الدور التي تقوم به المنظمات في انتقاء المعلمين، حيث لم تستطع استيعاب المدرسين ذوي الخبرة، واستقدمت مدرسين ذوي شهادات أقل كفاءة لا يمكنهم تطوير مستوى الطلاب.

ومن جهة أخرى واصلت مديرية التربية التابعة للنظام إرسال كشوف فصل للمعلمين في المناطق المحررة في سموه التعاون مع الإرهابيين على حد وصفهم حيث أنه بات يقبع المئات من المعلمين في بيوتهم، وبعضهم ما زال يعمل بشكل مجان في مدرسته رغم فصله.

“عبد الله أبو خزيمة” أحد المدرسين الذين تم فصلهم من قبل مديرية النظام قال لـ “زيتون”:

“أغلب المعلمين الذين ما زالوا يدرسون في مدارس النظام يعملون برابط أخلاقي، وبعضهم يتسرب من الدوام بسبب عدم وجود مرتب شهري يضمن لهم لقمة عيشهم”. مشيراً إلى أن من حق أي معلم بأن يترك مدرسته ويذهب من أجل البحث عن عمل يساعده على العيش في ظل الظروف الصعبة وغلاء العيش.

وفي النهاية يظل الخاسر الوحيد في كافة الظروف هم طلاب وطالبات إدلب، إضافة للمعلمين الذين يقدمون تضحيات كبيرة في سبيل تعليم الطلاب من أبناء المحافظة والنازحين إليها، لبناء جيل سلاحه العلم، في ظل النقص الحاصل في المستلزمات والقصف الجوي الممنهج للمدارس والحرب المفتوحة بين مديريتي التعليم الحرة والتابعة للنظام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*