عرض”لا يهمّ” دون موافقة أمنيّة

زيتون – بشار فستق

بكلّ ما يملك نظام القتل من أجهزة أمنيّة، وأدوات قمعيّة، وملحقاتها من إعلام وأدب مأجور وفنّ مرتزق، يمنع قصيدة أو مسرحيّة أو كتاباً من الصدور، أو من الوصول إلى المتلقّي، ناهيك عمّن يدلي برأيه، فيُسجن لأنّه (يوهن عزيمة الأمّة)!

لا بدّ أن يأخذ أيّ مخطوط لكتاب، أو نصّ دراميّ، أو كلمات أغنية، أو أمسية موسيقيّة (أو حتّى حفلة عرس) ما يسمّى بـ «الموافقة الأمنيّة» من أجهزة الأمن، ثمّ تُرمى الأوراق في أدراج الأجهزة المناط بها النشر، أو العرض، كالوزارات أو اتّحاد الكتّاب، والشروط التي يجب أن تتوفّر فيما يُقدّم معروفة، من ناحية خلوّها من أيّ نقد جدّي، وضرورة احتوائها على مديح، ولو مبطّن لعبقريّة القائد الملهم.

كما يؤّخذ تقييم الكاتب أمنيّاً في الأولويّة، لمنح الموافقة، وتعتبر الرشى التي تمرّر النصوص، حتميّة في معظم الحالات، أوّلاً لاعتبارها قانوناً يعمّ ويحكم المجتمع، وثانياً، لتأكيد خضوع الكاتب للأجهزة خاصّة في بداية ظهوره. غالباً ما يترك كتّاب المسلسلات الدراميّة المستحقّ الماليّ عن النصّ للجهات الأمنيّة، أو اللجان التي تسمسر في هذا المجال، وتسمّى لجنة (القراءة).

تركت هذه العلاقات أثراً كبيراً حتّى بين الكتّاب أنفسهم، وما زالت، فمعظم الكتّاب لا تربطهم ببعضهم علاقات كما في المجتمعات المتحضّرة، ويسود الخوف والارتياب الأجواء بينهم، فلم تستطع غالبيّة التجمّعات التي شُكّلت بعد قيام الثورة أن تقوم بدور فعّال أو حتّى أن تبقى في حيّز الوجود، على الأقّل.
هذا ما يجيب – ولو جزئيّاً – عن السؤال الذي يدور في الخلد، هل تخيف كلمات على الورق، أو حتّى عرض مسرحيّ، أجهزة بكامل أسلحتها؟

نعم، فتدمير علاقات المجتمع الفكريّة الواعية، شرط لازم لاستمرار الاستبداد، وربط الإبداع بتمجيد عبقريّة القائد المُلهم، ضمان للخنوع، وانعدام لهويّة الوطن، حين تمسخ، وتلحق باسم القائد الرمز.

لهذا يبدو الشاعر الحقيقيّ خطراً على هكذا أجهزة وأنظمتها، فالقصيدة أو المقطوعة الموسيقيّة، ليست قنبلة، لكنّها توصيل وجدانيّ لحرارة العلاقات الإنسانيّة، وجوهرة تماسك المجتمع حول أحاسيس أناسه. بكلمة واحدة، الشعر الحقيقيّ هويّة؛ وهذا ما يسعى الاستبداد إلى محوه، إذا يقمع تشكّل نسيج الهويّة، ويحاول شدّ التاريخ إلى الخلف، ويجنّد لذلك القوى المختلفة من طائفيّة وتطرّفيّة بكامل شراستها، يستأجرها ويستجلبها لمعركته، ولا يأبه لحجم الدمار اللاحق لذلك، فهي معركة مصيريّة، فإمّا أن يكون هو أو لا أحد، لأنّ بديله هو الهويّة الوطنيّة التي يصنعها أدب وفنّ وفكر، يزيلان الظلام وعبادة القائد الخالد، والمديح الآليّ لكلّ ما يتفوّه به ابنه، باعتباره وريثاً عبقريّاً، مهما باع الوطن أو خانه أو قتل منه.

الاستبداد بأشكاله، يخاف من الإبداع، وبمساعدة أعوانه، يعتقل المبدعين ويقتلهم تحت التعذيب. لهذه الدرجة يخاف منهم، وإلّا ما معنى أن يُعتقل ممثّلون (زكي كوريللو، وابنه، أو سمر كوكش، مثلاً) لسنوات؟ ويعذّب شاعر حتّى الموت (بشير العاني، مثلاً)؟

مع كلّ هذا، يستمرّ الإبداع، فمن صفاته أنّه يجد طريقه في أحلك الظروف إلى الحياة، بل هو الحياة، وهو الهويّة، الطفلة شذى فازت بمسابقة التأليف الموسيقيّ السنويّة في هولندا للأطفال والشباب، وكان عنوان موضوع هذا العام «المعاناة»، والمقطوعة التي ألّفتها شذى المنلا وقدّمت عرضها في دار الأوبرا في العاصمة أمستردام، هي المحاولة الأولى لها في التأليف الموسيقيّ وحملت عنوان «لا يهم».

شذى اضطرّت لمغادرة سورية مع عائلتها (هي ابنة الفنّان عبد القادر المنلا، وشقيقتها جوى عازفة على العود) عام 2012، وتشرّدت إلى أن وصلت أواخر العام 2015 إلى أحد مخيّمات اللجوء في هولندا.
وهي الآن مهتمّة بإيجاد خلط واع بين الموسيقى العربيّة والتركيّة والغربيّة، تتابع أخبار وطنها المحتلّ، وتتعلّم على آلة الكمان كآلة رديفة. كم هي مرعبة هذه المواهب السوريّة لأجهزة النظام، فقط لأنّها تبدع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*