توقف الدعم ينهي مسيرة مجلات الأطفال

خاص زيتون

بعد أن أضافتني ابنتي ذات 11 عاماً إلى قائمة أصدقائها في صفحتها الالكترونية، لاحظت أنها قد أضافت إحدى مجلات الأطفال التي توقفت عن الصدور منذ شهر إلى قائمة أصدقائها أيضاً، وبنظرة من خيبة الأمل والفشل أجابتني حين أخبرتها إن مجلة زيتون وزيتونة التي واكبت بدايتها ونشرت رسومها وصورها فيها، لن تعود إلى الصدور مرة أخرى، وأنهيت أسئلتها عن الأسباب بجملة قصيرة “توقف دعمها”.

في نهاية العام الماضي أبلغت منظمة سمارت -وهي منظمة سورية أنشأت في عام 2011 لدعم وسائل الإعلام المستقلة والمحايدة في سوريا- عدة صحف ومجلات بتوقف دعمها لهم.

وتفاوت تأثير توقف الدعم على الوسائل بشكل كبير، ففي حين لم تتأثر بعض الوسائل بهذا التوقف نتيجة لمحدودية المبالغ المقدمة من سمارت ولتوفر جهات مانحة أخرى لها أكثر كرماً، أدى التوقف لموت وسائل أخرى لم تمتلك البديل.

مجلات الأطفال السبع التي ظهرت وانتشرت ورقياً والكترونياً، تشابهت في ظروف نشوئها وأهدافها وحتى في توقفها، ومن بين تلك المجلات “مجلة زيتون وزيتونة ومجلة طيارة ورق” اللتين أعلن عن توقفهما في الشهر الأول من هذا العام نتيجة لتوقف دعم منظمة سمارت لهم.

طيارة ورق.. جمهورنا الأطفال المتضررين

صدر العدد الأول من مجلة طيارة ورق بتاريخ 1 آذار 2013، وهي مجلة نصف شهرية التزمت بالصدور بموعدها حتى تاريخ توقفها، وتهدف إلى الاهتمام بحقوق الطفل وألعاب التفريغ النفسي، وإبعادهم عن أجواء الحرب والنزاعات، كما تشجعهم على القراءة والتعلم خاصة لدى الأطفال الذين اضطروا إلى ترك المدرسة، ليكون العدد 100 الصادر بتاريخ 25 كانون الأول 2016 هو العدد الأخير ولو بشكل مؤقت.

بلغ عدد النسخ المطبوعة من المجلة ما يقارب 5 آلاف نسخة شهرياً، وزعت في شمال سورية كحلب وإدلب بالإضافة لمنطقة الغوطة الشرقية التي تم التوزيع بها بحسب الإمكانيات المتوافرة.

رئيسة تحرير المجلة “أسماء بلاغ” شرحت لـ “زيتون” عن أسباب توقف المجلة وظروفها الحالية قائلةً: “اضطررنا نتيجة لتوقف الدعم من منظمة سمارت التي كانت تؤمن طباعة وتوزيع المجلة حتى توقفها عن الصدور، على أمل تطوير المجلة والسعي لإيجاد جهات مانحة للمجلة في هذا الوقت، وتم إخبار الأطفال في آخر شهر تشرين الثاني وذلك في آخر عدد (العدد 100) بأن المجلة ستتوقف لفترة من الوقت لتحسين المحتوى وتطويرها، كما تم وضع خبر على صفحة المجلة الالكترونية بالتوقف المؤقت”.

وعن رضى فريق المجلة عن أدائهم في الفترة السابقة قالت “بلاغ”:

جزء من الأهداف قد تحقق، فمشاركتنا من قبل الأطفال برسائلهم وخواطرهم وصفحات رسومات الأصدقاء وخواطر الأطفال ومشاركة رسامين بأعمار دون 18 عاماً، كلها دلائل على تحقيق بعض النجاح والأهداف”.

وأضافت “بلاغ”: “المجلة عزيزة على كل طاقم العمل ولا سيما أن جمهورها هم الأطفال المتضررين في الحرب، وقد أبدى معظم الرسامين والكتاب الذين عملوا معنا أسفهم وحزنهم لتوقف المجلة، كما وصلتنا رسائل شكر متمنين لنا أن نعود مرة أخرى، أما الصعوبات فقد كانت دائما متعلقة بالدعم المادي وتوفير المحتوى الأفضل”.

زيتون وزيتونة لا جدوى للمجلة بدون طباعة

“بدأنا بالطباعة على طابعة مكتبية صغيرة، كنا نطبع 50 أو 100 نسخة بشق الأنفس من الأعداد الأولى، تعبئة المحابر تركت آثارها على أصابعنا لفترة طويلة، بشخصين اثنين بدأنا ثم بدأ الكثير من أشخاص آخرين بالتطوع معنا، بعضهم من المقيمين خارج سوريا، وقد قدموا لنا الأفكار والقصص المصورة والمترجمة ثم كانت مأساة التوزيع ومشاكله”.. بهذا بدأ رئيس تحرير مجلة زيتون وزيتونة “سومر كنجو” حديثه عن بدايات المجلة.

وأضاف: “تتنوع صفحات المجلة لتشمل كل الفئات العمرية للأطفال من 6 – 16 عاماً، منها المواد البسيطة كالأبجدية والحساب والقصص، ومنها التعليمية والرياضية والتاريخية والعلوم وتعلم اللغة العربية والخط واللغة الانكليزية”.

تأسست مجلة “زيتون وزيتونة” في محافظة إدلب، وصدر العدد الأول منها في 7/3/2013 بهدف توفير وسائل تعليمية وترفيهية للأطفال السوريين الذين حُرموا من مجلات الأطفال التي كانت تصل إلى مناطقهم كما حرموا في كثير من الأحيان من مدارسهم.

واستمرت بالصدور بشكل ثابت ومنتظم بشكل نصف شهري، وازداد عدد صفحاتها من 8 إلى16 إلى20 صفحة لتستقر في النهاية على 16 صفحة، وبعدد 3000 نسخة كل أسبوعين، إضافة إلى1000 نسخة غير ملونة (أبيض وأسود) كانت تُوزع لفترة في مدينة دوما في الغوطة الشرقية وما حولها، وفي حلب ثم في ريف حماة الشمالي ثم في وقت سابق من سيطرة داعش في الطبقة بريف الرقة ثم وصلت لاحقاً إلى ريف اللاذقية.

توقف التوزيع في الرقة نتيجة لسيطرة داعش كما توقف توزيعها في ريف دمشق وريف حماة واللاذقية نتيجة عدم قدرة منظمة سمارت على التوزيع في تلك المناطق ليقتصر توزيع المجلة على محافظة إدلب بعد سيطرة النظام على مدينة حلب.

وعن أسباب توقف مجلة “زيتون وزيتونة”، قال “كنجو” لـ “زيتون”: “السبب الرئيسي لتوقف مجلة زيتون وزيتونة عن الصدور هو توقف تمويل المجلة من ناحية الطباعة والتوزيع، وهو ما كانت تتكفل به منظمة سمارت، حيث تكمن المشكلة الأكبر في توقف الطباعة والتوزيع، فقد كان من الممكن أن تستمر المجلة لو أن تمويل الطباعة مستمر، لكن لا يمكن الاستمرار بدون الطباعة، ولن يكون هناك جدوى إن لم يتصفح الطفل المجلة بشكل ورقي، فالأطفال لا يقرؤون المجلات على الانترنت ومن هنا رفضنا الاستمرار بشكل الكتروني لأننا لا نريد أن نصدر المجلة من أجل البالغين أو من أجل أنفسنا”.

وكانت المجلة قد تلقت في الشهر الأخير من عام 2016 رسالة من منظمة سمارت تفيد بأن الدعم سيتوقف في الشهر الأول 2017، وجاء هذا القرار بعد ثلاث سنين من دعم المجلة وطباعتها.

وفي إجابته عن سؤال حول محاولاتهم البحث عن تمويل جديد ضمن شبكات لمجلات الأطفال قال كنجو:

“حاولنا أن نشكل شبكة أطفال بالتعاون مع أربع مجلات أخرى، لكن لم نوفق بأي دعم، وبسبب ضعف تواصلنا مع مجلتين هما: (تين بعل، وقوس قزح) قررنا أن نوقف الشبكة لعدم وجود إنتاج مشترك، ثم توقفت مجلة قوس قزح عن الصدور، وقمنا بمحاولة إنشاء شبكة أخرى مع طيارة ورق وزورق، إلا أن قرار سمارت جاء بهذه الأثناء بتوقف الطباعة والدعم ما أنهى محاولاتنا”.

وأشار “كنجو” إلى محاولاتهم في إنشاء بعض التطبيقات الالكترونية التي يمكن أن تكون بديلاً عن المجلات المطبوعة وتؤدي إلى تحقيق ذات الأهداف، قائلاً:

“فكرنا بإصدار تطبيقات الكترونية وهي فكرة جيدة جداً ومازالت قائمة ويمكن تنفذيها، لأنها توفر تكاليف الطباعة وتتجنب التلف وهي سهلة الانتشار، ويمكن للطفل أن يتعلم من خلالها الحساب والكتابة والحروف الهجائية، ونمتلك مخزوناً كبيراً من المواد التي يمكن أن نعيد إنتاجها كصوت وصورة وفيديو ومسابقات بشكل تطبيقات، ورغم المنافسة الكبيرة التي ستواجهنا نتيجة للتطبيقات المتوفرة بشكل كبير من كل العالم العربي وهي بإمكانيات ضخمة، إلا أنه يمكن لنا أن نضفي على تطبيقاتنا الخصوصية السورية والمحلية، لكننا نحتاج أيضاً إلى دعم مالي لتنفيذها”.

وعن مدى تحقيق المجلة لأهدافها وردود أفعال الأطفال حول توقف المجلة بعد أربع سنوات قال “كنجو”:

“من خلال الموزعين في الأحياء والمدارس كان الأطفال يقومون بإرسال صورهم ورسومهم ومشاركاتهم ويطلبون منا نشرها، وقد نقل الموزعين أسئلة الأطفال عن عدم توزيع المجلة واستغرابهم لتوقفها، وهنا لابد من الإقرار بعدم رضانا عن تواصلنا مع الأطفال وذلك بسبب صعوبة الظروف من نزوح وقصف، لكن كنا دائما نفكر بطرق لزيادة تفاعلهم ومشاركتهم وكنا نحرص بشكل جدي على الأخذ بآرائهم، ربما لم نصل إلى المستوى المطلوب لكن من المؤسف أن تتوقف المجلات الآن في وقت ليس هناك بديل وليس هناك مجلات للأطفال الآن”.

كادر المجلة: لدينا قلق

وعن أراء الكادر العامل في مجلة “زيتون وزيتونة” في إيجاد حلول أوضح، قال كنجو:

“عرض البعض منهم العمل بشكل تطوعي لاستمرار صدورها، لكن المشكلة كانت في تكلفة الطباعة وليست في الأجور فقط، ومازالوا يطرحون الأسئلة حول إمكانية عودتها حتى الآن، لكن لدينا قلق من صدور مجلات أخرى للأطفال لها إيديولوجيات معينة وتوجه سياسي أو ديني، ليس لدينا أية مشاكل مع صدور مجلات جديدة تصدر بإدارات جديدة، شرط أن لا تستغل الأطفال في نشر أفكار الكبار، ومن المهم جدا أن تكون مجلات الأطفال لكل الأطفال السوريين، وسنسعد بكل مجلة جديدة شرط حياديتها وهو الشرط الذي وضعناه لأنفسنا في مجلة زيتون وزيتونة قبل أن نطالب أي جهة أخرى بذلك”.

قد يكون من مفارقات الإعلام البديل أن المنظمات التي وقفت وراء استمرار الكثير منها هي ذاتها من ستكون سبباً في توقف تلك الصحافة المتعثرة أصلاً، ومن المحتوم أن زيتون وزيتونة وطيارة وقوس لن تكون آخر الوسائل المغلقة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*