بين “الحسن” و “الإحسان”.. سراقب تعيش وضعاً صحياً غاية في السوء

مشفى الإحسان الخيري

زيتون 

حملت مدينة “سراقب” في ريف إدلب على كاهلها مسؤولية العناية الطبية لكافة المناطق المحررة المجاورة لها بدءً من ريف إدلب إلى ريف حلب وغيرها من المناطق المجاورة، وصولاً إلى الحدود “السورية- التركية” منذ بداية الثورة.

وقام أطباء المدينة ومشافيها الخاصة مثل “الشفاء”  و”الحسن ” بتحمل العبء الأكبر، وتعرضت المشافي لقصف متكرر أدى إلى خروج مشفى الشفاء عن الخدمة واستشهاد عدد من كادره الطبي، ليتم افتتاح مشفى “الإحسان الخيري” بعد ذلك لتغطية النقص الحاصل في المراكز الطبية، ووقوفاً منها على مسؤوليتها، واستكمالاً لما بدأت به مدينة سراقب.

مشفى الإحسان وأسباب التوقف

واستطاعت مشفى “الإحسان” تغطية مدينة سراقب بشكل خاص والمنطقة بشكل عام من الناحية الطبية، وتطورت بعدها لتضم أقساماً عديدة أهمها “غسيل الكلى والعناية المشددة”، وحصلت المشفى على دعم من منظمة “ميديكال”، وواصلت المشفى أداء دورها بإخلاص، غير أن هذا الدعم توقف قبل عدة أشهر وتراكمت الديون على المشفى ولم يتم دفع أجور العاملين مما أدى إلى توقفها عن العمل بشكل كامل في أواخر كانون الثاني الماضي، الأمر الذي أدى بدوره إلى زعزعة العمل الإسعافي الطبي في المدينة، كون المشافي الخاصة الموجودة حالياً وهي مشفى “الحسن” ومشفى “عبد الوكيل” مشافٍ متواضعة وغير قادرة على تحمل الحالات الاسعافية الصعبة وتفتقد إلى كوادر طبية متخصصة، ليحدث توقف مشفى “الإحسان” فجوة كبيرة في القطاع الصحي في مدينة سراقب.

“إبراهيم الأسعد” مدير مشفى الإحسان أوضح لـ “زيتون” سبب توقف المشفى قائلاً: “إن سبب توقف مشفى الإحسان هو عدم وصول الكلفة التشغيلية للمشفى منذ 7 أشهر، وعدم وصول رواتب الكادر منذ ما يقارب 4 أشهر، ويعود ذلك إلى مشاكل في عدم قدرة المنظمة الداعمة على تحويل الأموال إلى الداخل السوري بسبب الحصار المفروض على المنظمة من قبل الحكومة التركية، ونتيجة لذلك تراكمت الديون علينا إلى أن وصلنا إلى عدم القدرة في استمرار العمل وتوقف المشفى حتى إشعارٍ أخر”.

وأضاف “الأسعد”: “إن الخسارة كبيرة في إغلاق المشفى فهو الوحيد في مدينة سراقب الذي يستقبل الحالات الاسعافية من الإصابات والحوادث، كما أنه المشفى الوحيد الذي يحوي قسم لغسيل الكلى يجري عمليات غسيل كلى لأكثر من 35 مريض فشل كلوي، بالإضافة إلى توقف أكثر من 250 عملية جراحية كانت تتم في المشفى شهرياً، وأكثر من 900 صورة شعاعية، وأكثر من 4000 تحليل مخبري، وما يعادل 3000 معاينة شهرياً، فضلاً عن توقف قسم حواضن الأطفال وقسم تخطيط الأعصاب”.

وأشار “الأسعد” إلى أن عقد المنظمة الداعمة ينتهي في 28/2/2017، وهو ما يسبب صعوبة في إدخال منظمة أخرى قبل انتهاء العقد الحالي، ولكن بعد انتهاء العقد وذلك بعد أيام، ستكون الأمور جلية وواضحة بالنسبة للمشفى وللداعم، وقد تلقينا في المشفى وعوداً بحل المشكلة في الوقت القريب وعودة الأمور أفضل مما كانت عليه في السابق”.

ونوّه “الأسعد” إلى أن الحل الأمثل في تجاوز المحنة حالياً هو إما دعم المشفى بالمحروقات بمبلغ 15000 دولار شهرياً، أو تفعيل عمل المستوصفين الموجودين في مدينة سراقب من خلال الكوادر المتواجدة فيها عبر تنظيم جدول مناوبات بين الأطباء، بحيث تكون الإسعافات الجراحية مثلاً في الإحسان، والداخلية في مستوصف، والأطفال في المستوصف الثاني، ويكون ذلك عن طريق مديرية الصحة حصراً، لأن المنظمات في المرحلة القادمة ستبرم عقودها عن طريق مديرية الصحة والمجالس المحلية، وهذه تعد خطوة جيدة -حسب رأيه- لأن المكتب الطبي يعتبر الجسم العام للواقع الصحي في كل منطقة.

الحل بتفعيل المكتب الطبي

من جانبه عضو المكتب الطبي في مجلس محافظة إدلب “محمد براء الزير” قال لـ “زيتون” :تكمن المشكلة في ضعف الوضع الطبي إلى الأمور التنظيمية والإدارات المسؤولة عن الواقع الصحي، والسبب الرئيسي هو عدم وجود تنسيق واعتراف بين الوزارة ومديرية الصحة، مما يؤدي إلى عدم الاعتراف بالمكاتب الطبية التي تعد نواة رئيسية لتسيير أمور الصحة في كافة المناطق المحررة، بالإضافة إلى الفصائلية والمحسوبيات ضمن القطاع الطبي، ولا يعالج ذلك إلا بتفعيل المكتب الصحي”.

وأضاف “الزير”: “تعتبر مدينة سراقب مثال لنجاح العمل الطبي التي تحوي كادر مثالي من الأطباء المتميزين، فكثير من الحالات كنا نعالجها في مشافي سراقب، ولكن معظم المنظمات الداعمة لا تعتمد على تسلسلية ولا أمور تدريجية لتأمين الدعم بشكل كامل، مشيراً إلى وجود فروق بين المناطق في احتوائها على مشافٍ كبيرة تضم اختصاصات واسعة، ومناطق لا تحتوي على مراكز أو مشافي كافية لكنها تقدم الخدمات الطبية بشكل أكبر.

ورأى “الزير” أن الحل يكون عبر تفعيل المكتب الطبي ضمن المجلس المحلي في سراقب حتى يتم التنسيق مع الجهات المعنية لتحسين الواقع الطبي في المدينة، حيث كان لمدينة إدلب تجربة سابقة في تدهور الواقع الصحي وإيجاد الحل بعد تشكيل المكتب الطبي التي تم دعمه من كافة الفعاليات المدنية والاجتماعية والطبية، مبيّناً أن مجلس محافظة إدلب على أتم الاستعداد لتقديم أي خدمة في سراقب وغيرها من المناطق وإعادة التنسيق بين جميع الجهات المعنية”.

في حين رأى “محمد حاج قاسم” أحد عناصر منظومة الإسعاف في حديثه لـ “زيتون”: “إن نقص المشافي والنقاط الطبية وعدم تجهيزها ودعمها داخل المناطق المحررة، يخلق معاناة كبيرة لكوادر الإسعاف وللجرحى في خطورة الإصابات وعدم تحمل نقلها إلى مناطق بعيدة، فعلى سبيل المثال يتواجد على الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا مشاف كثيرة، في حين يفتقر الداخل السوري للمستشفيات، وربما يؤمن إيجاد مشفى واحد عامل في الداخل تقديم الخدمة الطبية لعدد من المرضى قد يعادل ما يرد إلى مجموع مشاف الحدود “السورية- التركية”.

وقال “محمد حاج قاسم”: “بعد توقف مشفى الإحسان أصبحنا نعاني كثيراً في العمليات الإسعافية ونقل المرضى والمصابين إلى المناطق المجاورة أو الحدودية فقد كان الإحسان يستقبل جميع الحالات دون استثناء ويقوم بمعالجتها”.

نقص الكوادر الطبية في مشفى الحسن وعدم استقبالها لبعض الحالات أثارت استياء أهالي سراقب

رفضت مشفى “الحسن” في نهاية كانون الثاني الماضي (في الأيام الأولى من توقف مشفى الإحسان عن العمل بشكل كامل)، استقبال بعض الحالات الإسعافية، من بينها إصابة بحروق في اليد، وأخرى كسر في الفخذ دون أن تقدم لهما المشفى أية إسعافات أولية.
وأوضح عاملون في الدفاع المدني أنهم قاموا بإسعاف شخص أصيب بحروق الى مشفى الحسن، لكنهم فوجئوا برفض المشفى لتقديم أية إسعافات أولية أو مسكنات، بحجة عدم وجود أطباء مختصين أو مراهم للحروق.

مشفى الحسن الخاص

وأضافوا: “قمنا بنقل المصاب إلى سرمين حيث قدموا له الإسعافات الأولية، ومن ثم تم نقله إلى مدينة إدلب ليتلقى العلاج على أيدي أطباء مختصين”.
كما قال “عبد الله شيخ أحمد” أحد عناصر منظومة الإسعاف في سراقب: “رفض مشفى الحسن استقبال أحد المصابين بكسر في الفخذ وقاموا بتحويله إلى مشفى عقربات دون أن يقوموا بتثبيت لكسره أو إعطائه مسكنات ما اضطرنا إلى تثبيت كسره في سيارة الإسعاف وتقديم المسكنات له من أمام المشفى”.
وأثارت الحادثتين وطريقة تعامل المشفى مع الحالات الإسعافية استياء الأهالي في سراقب، لا سيما بعد إغلاق مشفى الإحسان الخيري الوحيد في سراقب لليوم الرابع على التوالي نتيجة لتوقف الدعم عنه.
من جانبه أوضح “حسن جرود” مدير مشفى الحسن لـ “زيتون” ملابسات ما جرى بقوله:
“نستقبل في مشفى الحسن جميع الحالات الإسعافية وبدون استثناء، ولكن المشفى هو قطاع خاص نقدم ما نستطيع تقديمه من مساعدة ومن المعروف أننا لا نتلقى أي دعم من أية جهة”.
وأضاف “الجرود”: “بعد التهجم على المشفى واتهامنا بالتقصير وعدم استقبال المرضى أحب أن أوضح أنه لا يوجد أي طبيب في سراقب يختص بالحروق، ولا يمكن للممرض أن يتصرف بلا طبيب مختص، لأن حالات مثل هذه لا تشخص إلا من قبل طبيب مختص يقدر درجة الحرق ويصف المسكنات الضرورية والمناسبة للحالة”.
أما عن حالة المصاب بالكسر، قال الجرود: “لم يكن يتواجد أي طبيب عند وصول المصاب إلى المشفى، كما أن الكسور في حالة تفتت العظم تستوجب عملية جراحية، الأمر الذي يُكلّف مبالغ وأجور للطبيب الجراح والمخدر وثمن الأدوات المستعملة كالصفائح والقضبان، ونحن نضع المصاب بصورة التكلفة، فإن وافق نقوم بتقديم الخدمة له، وفي حال رفضه فهناك مشاف ميدانية مجانية في المدينة”.
وقال “الجرود”: “بعد توقف مشفى “الإحسان” مشفى “الحسن” مفتوح للجميع وأدعو الأطباء بشكل خاص إلى العمل في المشفى بمناوبات، ومشفى الحسن على استعداد لتقديم كافة الإسعافات الأولية مجاناً حسب الإمكانيات المتوفرة لديه، بالإضافة إلى عدم تقاضيها أية أجور عن الإقامة في المشفى”.
وطالب الجرود الأطباء المتواجدين في مدينة سراقب بالمبادرة إلى العمل تطوعاً والمناوبة في المشفى لاستقبال الحالات الإسعافية والإصابات مجاناً، موضحا أن أغلب الأطباء لا يرغبون بالعمل في مشفى الحسن لضعف أجوره المقدمة مقارنة مع باقي المشافي المدعومة من قبل المنظمات.

حلول مؤقتة بين محلي سراقب والصحة إدلب تعيد الإحسان للعمل

وعقد المجلس المحلي في سراقب بالتعاون مع مديرية الصحة يوم السبت الماضي اجتماعاً لمناقشة الوضع الطبي والعقبات التي يمر بها في المدينة مؤخراً، وانتخاب رئيس مكتب طبي في المجلس المحلي.

وتم خلال الاجتماع الذي حضره مدير صحة إدلب ومجموعة من الأطباء والصيادلة وبعض الفعاليات المدنية، مناقشة الواقع الطبي واقتراح حلول مؤقتة لتسيير العملية الطبية، من مناوبات للأطباء، والاتفاق مبدئيا على تغطية الحالات الإسعافية من خلال مشفى الإحسان أو أية نقطة طبية أخرى بوجود طبيب مناوب وتقديم إسعافات أولية للمريض، ثم ليعطى بعدها الخيار له في اختيار المشفى المناسب، إن كان خاصاً أو عاماً لإجراء العمل الجراحي إن لزمت حالته.

وتعهد مدير صحة إدلب الدكتور منذر خليل بتوفير الدعم لمشفى الإحسان مؤقتاً بطبيب مناوب أو التكفل براتبه في مشفى الحسن الخاص.

كما تم اختيار كل من (حسن قدور، علي الفرج، أسعد عبود، زياد صطوف، وغازي حياني) وهم مجموعة من الأطباء والصيادلة كممثلين عن نقابة الأطباء في سراقب، سيختارون مرشحاً لرئاسة المكتب الطبي لدى المجلس المحلي لتمثيل الأطباء وتسيير ودعم الأمور الطبية في المدينة.

وكان مدير مشفى الإحسان الخيري في سراقب الدكتور إبراهيم الأسعد قد أعلن اليوم عن عودة مشفى الإحسان الى العمل بعد توقف دام حوالي الاسبوعين.

الجدير بالذكر أن مشفى “الإحسان” الخيري هو الوحيد الذي كان يغطي قبل توقفه عن العمل مدينة سراقب وريفها طبياً، ويقدم الخدمات الطبية الشاملة للمرضى، ويصرف الأدوية من الصيدلية الملحقة به بشكل مجاني كونه مشفى خيري، بينما مشفى الحسن مشفى خاص، وتظهر الفجوة التي أحدثها توقف مشفى الإحسان جليّاً في مدينة سراقب، لا سيما في ظل تواصل القصف وحالة قلة الدعم السائدة في المنطقة.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*