قصة عائلة سورية

الصورة رمزية

زيتون – ياسمين محمد

تركت الحرب السورية آثارها في كل بيت وعائلة، فلم تعد تخلو عائلة من شهيد أو معتقل أو مصاب إن لم تجمع معظمها أو كلها، ولكن أن تجمع عائلة واحدة ما بين الشهيد والمعتقل والمريض الوحيد والنازح في بلد، وزوجته وأولاده في بلد آخر، دون أن يستطيع أي منهم الوصول إلى الآخر، ليعيشوا في دوامة الوصول والحدود والعلاج والفقر معا،ً في ظل اليأس والانهزام الطاغي عليهم، فهو أمر كبير لا يتعايش معه سوى السوريون.

 “أبو محمد” رجل سوري في السبعينات من عمره، خرجت عائلته من سوريا في بدايات عام 2013، نتيجة قرار إحدى الفصائل المفاجئ بضرب حاجز قوات الأسد في قريته الصغيرة في ريف درعا، وأمهلت أهالي القرية ساعتين لمغادرتها، ولم يكن لدى عائلته أي ملجئٍ سوى الأردن، لتلجأ إليها على أمل العودة بعد أسبوع أو اثنين أو شهر على الأكثر ريثما ينتهي نظام الأسد من صبّ غضبه على القرية بعد ضرب حواجزه وتحريرها، ويبقى “أبو محمد” رافضاً الخروج وترك أبنائه المحاصرين في الغوطة الشرقية، وابنتيه المتزوجتين في محافظتين مختلفتين، لاسيما أن زوج الصغرى في وضع صحيّ سيءٍ للغاية، في الوقت الذي لم يستطع فيه أفراد عائلته الذين لجؤوا إلى الأردن من العودة، بسبب ضعف الأم صحياً ونفسياً خوفاً من قصف الأسد وإجرامه، فمنذ اللحظة الأولى للثورة كانت “أم محمد” تمرض وتصاب بارتفاع كبير في الضغط وما إلى ذلك من أمراض من شدة خوفها وفزعها.

ولكن ما بقي “أبو محمد” من أجله ذهب، فقد خسر ابنه الأول في مجزرة الغوطة، واعتقل الثاني بعد أقل من أسبوع أثناء محاولته مغادرتها، ومات أخوه بعد عدة أشهر، وبقي “أبو محمد” على أمل مساعدة ابنه المعتقل، ومغادرتهما معاً إلى الأردن، إلى أن أغلقت الأردن أبوابها في وجه السوريين بشكل كامل.

وأصيب “أبو محمد” بوعكة صحية وأجرى عملية قلب مفتوح، واشتاق لأولاده الذين من الممكن أن يراهم، ولأحفاده الذين لا يعرفهم سوى من خلال الصور، وقرر أن يأتي لزيارتهم ويعود، وتقدم أبناؤه بعدة طلبات دخول لوالدهم للجهات المعنية في الأردن مرفقين التقارير الطبية له والتعهدات بعودته بعد انقضاء مدة الزيارة التي تسمح له السلطات الأردنية بها، وقوبلت جميعها بالرفض، وتسلل اليأس والاستسلام إلى نفوس أفراد عائلته إلى درجة كبيرة بفقد اثنين من إخوتهم وغربتهم وفقرهم الشديد وعجزهم أمام القوانين وأمام بُعد ووحدة والدهم ومرض والدتهم.

وأصيب “أبو محمد” بوعكة صحية وأجرى عملية قلب مفتوح، وتقدم أبناؤه بعدة طلبات دخول لوالدهم للجهات المعنية في الأردن، مرفقين التقارير الطبية له والتعهدات بعودته بعد انقضاء مدة الزيارة التي تسمح له السلطات الأردنية بها، وقوبلت جميعها بالرفض.

 ولكن المأساة الأكبر كانت عندما اكتُشف مرض السرطان لدى “أبو محمد” وحاجته لجرعات كيميائية بشكل فوريّ، في الوقت الذي كانت “أم محمد” فيه مريضة وغير قادرة على إعالة نفسها، وغير قادرة على ترك أبنائها الذين يكاد يقتلهم اليأس، وباتوا على حافة الجنون وهي معهم فكيف بها إذا تركتهم، لاسيما أن الخوف من إجرام الأسد يقتلها وهي في الأردن، فكيف بها إن كانت في سوريا، وكيف له أن لا يقتل أبناءها خوفا عليها إن عادت، وكيف لها أن تتركهم وكيف ستترك زوجها المريض الذي بات بأمس الحاجة لها، وكيف ستعود وقد هجّر نظام الأسد أهل قريتها مؤخراً، وأصبح زوجها نازحاً من جديد، وأين سيعيشون إن عادت وهم لا يملكون إيجار منزل ولا تكاليف المعيشة التي ترتفع يوماً بعد يوم، وزوجها يرفض عودتها وتشردها مثله.

ومن المعروف طبياً أن قدرة الأجسام على تحمل الجرعات الكيميائية متفاوتة، فهناك أجسام لا تستجيب للجرعات وتحدث الوفاة بمجرد تناول الجرعة الأولى، وهناك أجسام تستجيب وتبدأ بالتماثل للشفاء حسب درجة المرض، فهل يتركها أبناؤها تعود وهم يعرفون تمام المعرفة أن صحتها ستسوء أكثر من شدة الخوف، وفي حال لم يستجب والدهم للعلاج يفقدونه ويفتقدون وجود والدتهم ويعانون من تشردها ونزوحها ووحدتها بدلاً من والدهم ويخسرون كلاهما؟!، أم يتركونها تنتظر الأمل بالإفراج عن أخيهم المجهول إن كان حياً أم ميتاً، والتخفيف عنه إن كان على قيد الحياة وخرج ولم يجد والده بانتظاره، وهل يتركونها للبكاء وحدها على أطلال أبيهم وأخويهم؟!، أم يمنعون والدتهم من العودة إلى سوريا والوقوف إلى جانب أبيهم في مرضه؟!.

دوامة يعيشها كل فرد صغير وكبير من أفراد عائلة “أبو محمد” وحتى من أقاربه في سوريا وخارجها، إلى أن تأذن القوانين، وتحيط بإنسانيتها، عائلة سورية من بين آلاف العائلات، ومأساةً من بين مئات الآلاف من مآسيهم، ومعاناةً ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، ولا تقتصر على الأردن بل تشمل كل دول اللجوء السوري، وتبقى عائلة “أبو محمد” بانتظار ما ستحمله لهم الأيام القادمة والجرعة الأولى وطلب الدخول الجديد لوالدهم.. هذا إن بقي على قيد الحياة، وبقيت عائلته تمتلك مزيداً من القدرة على الصبر والتحمّل، وقليلاً من العقل والاستيعاب.      

تعليق واحد

  1. رحمه الله واسمه ابو فراس الذي انتقل الى رحمة الله وتم دفنه اليوم بعد ان منع النظام دخول اي من اقاربه او حتى بناته الى القرية انما اتى بعض الاقارب والجيران واستلموا الجثمان من حاجز النظام

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*