“من قريبو.. وعلى الضيق”.. الزواج اليوم

زيتون – وعد البلخي

ثوب الزفاف الأبيض والعرس الكبير ولمة الصديقات والأهل والزفة في شوارع البلد، وعريس تعرفه وتعرف أهله، وليلة الحناء وصباحية العروس.. ربما هي أكبر الخيبات التي انكبتت في أحلام الشابات والشباب السوريين في جحيم الحرب السورية.

فـ «من قريبو» و»على الضيق» كما يقال باللهجة العامية، إلى الزواج عبر التعارف على شبكات الانترنت، وانتقال العروس إلى بلد آخر وحيدة دون أهلها، مع تسهيلات وتنازلات لم تكن لتحدث لولا الظروف الراهنة، إلى هجرة الشباب أو نزوحهم، في ظل الأوضاع الاقتصادية والأمنية وتوقف الدراسة وتعطل الجامعات وكثرة الوفيات لاسيما في أوساط الشباب والرجال، وحالة العزوف عن الزواج لدى الكثيرين، والتي قابلها تعدد الزوجات لدى آخرين، برزت أنواعاً جديدة من الزواج في ظل الثورة على مدى سنواتها الست، لم تكن موجودة قبلها، غيرت من طبيعة التقاليد القديمة في المجتمع السوري تغييرات سلبية في معظمها وإيجابية في بعض النواحي الأخرى.
تسهيل الزواج أبرز التغيرات

«عبد الرزاق كنجو» من أهالي سراقب، قال لـ «زيتون»: «حدثت بعض التغييرات على الزواج في ظل الثورة، وربما ابتعدت قليلاً عن زواج الأقارب، وسهّلت الظروف الزواج بين أشخاص من مناطق مختلفة، كما أصبح هناك تسهيلات وتنازلات كبيرة في شروط الزواج خوفاً على الأعراض، فأصبح من الوارد والطبيعي جداً أن نجد زيجات من مناطق مختلفة لم نكن نراها سابقاً.

وكل ذلك بسبب النزوح وضيق ذات اليد وإغلاق المدارس، فالفتاة التي لم يعد لها أمل في الدراسة والجامعة قد تتزوج بأول عريس يتقدم لها، ففي حالات النزوح اضطرت الكثير من العائلات للنوم في بيت واحد، كما أن الدخل المحدود لرب الأسرة ساهم أيضا في تسريع الزواج نتيجة الوضع الاقتصادي، بالإضافة إلى ازدياد عدد الشهداء الذين خلفوا وراءهم زوجاتهم.

والأهم من كل هذا أن المهاجرين أغلبهم من الشبان الذكور، بينما لم تهاجر الفتيات بنفس النسبة ما زاد الفروق بعدد الإناث إلى عدد الذكور بنسبة كبيرة.
وتابع «كنجو» قائلاً: «ولا ننسى أن ست سنوات مرت على هذا الحال، وصلت فيها الكثير من الفتيات إلى سن اليأس والعنوسة، ومن المعلوم أن الأنثى تسعى دائما إلى الإنجاب والأمومة أكثر من سعيها إلى الزوج».

زواج القاصرات

ست سنوات من الحرب غيرت عادات وتقاليد ترسخت في المجتمع السوري، ظروف النزوح والأحوال الاقتصادية الصعبة وعدم وجود فرص لإكمال التعليم الجامعي كلها كانت سبباً في ظاهرة تزويج الفتيات السوريات بعمر مبكر، أو ما يعرف ب “زواج القاصرات”، والذي إن كان موجوداً قبل الثورة فهو على نطاقٍ ضيق وفي مناطق أو بين أسر محدودة.

«أم عمر» من ريف حماة الشمالي مع بناتها وولدها الوحيد، قالت ل «زيتون»: «فرضت علينا الظروف ما لم نكن نتخيله، فقد كنت أحلم بأن تتابع بناتي تعليمهن الجامعي، ولكن بعد دمار منزلنا جراء قصف الطيران واستشهاد زوجي، وجدت نفسي مع بناتي بلا سند لنا، مجبرين على النزوح إلى مخيمات قرب الحدود التركية، ولك أن تتخيل الخليط الغريب من العادات والفوضى وظروف الحياة الصعبة فيها، ما أثر على سلوك بناتي.

في المخيمات يزوّج الأهالي بناتهم في سن مبكرة للتخلص من أعبائهن المادية، والأهم هو التخلص من القلق عليهن من الخطف والاعتداء والظواهر اللا أخلاقية، ونتيجة لتلك الظروف اضطررت إلى تزويج إحدى بناتي وهي في الخامسة عشر من عمرها، ودون حفلة عرس أو مصاغ ولا حتى مهر، كان همي الوحيد أن أحميها من الخطأ، وأن أطمئن عليها في بيت زوجها».

 

واستطردت: «لست الوحيدة فحالي كحال الكثير من الأمهات اللواتي ذرفن الدموع بدل الفرح في أعراس بناتهن».

زوجات الشهداء والزواج الثاني

نتيجة خروج الرجل من منزله أكثر من المرأة، وغالباً التحاقه بفصيل ما أو جهة ما لخدمة أهل بلده كالتطوع في الدفاع المدني أو العمل في المراكز الصحية أو غير ذلك، أو حتى خروجه للعمل سعياً لتأمين لقمة عيش أسرته، كانت نسبة الوفيات بين الرجال أكبر بكثير منها بين النساء، والكثير الكثير منهم خلّف زوجة وأبناء على اختلاف أعمار الطرفين، بعضهن خضن تجربة الزواج الذي كان ناجحاً أحياناً وفاشلاً أحياناً أخرى، وبعضهن عزفن عنها.

وفي سفر المعاناة التي يعيشها السوريين وخذلان الحياة لهم، لم تخلو الحياة من إضاءات وتجارب ناجحة في زواج نساء الشهداء
«أم سارة» زوجة شهيد وأم لثلاث بنات، نزحت إلى تركيا برفقة والدها الذي كان سنداً كبيراً لها ما جعلها ترفض الزواج مرة أخرى، قبل أن تتعرف على “عمر” ويطلب يدها أكثر من مرة من والدها متعهدا بالحفاظ عليها وعلى بناتها.

“أم سارة” قالت ل “زيتون”: بعد عامين من زواجي بعمر أشعر بأنني محظوظة به فهو عطوف ورحيم علي وعلى بناتي، ورغم أنني أنجبت له طفلين لا يفرق بينهم وبين بناتي، وأنا سعيدة معه وأحمد الله الذي وفقني به وجعله سنداً لنا”.

ولكن بالطبع ليست كل حالات الزواج، كحالة أم سارة، فقد كانت الكثير من تلك الزوجات الثانية أو الثالثة وربما كانت في بعض الأحيان الزوجة الرابعة، وقد ساهم في كثرة تلك الزيجات إضافةً للظروف والواقع المعيشي الصعب، عمل الشرعيين الدؤوب على تشجيع الرجال على الزواج بزوجات الشهداء.

الزواج من شقيق الزوج والزواج سراً

كما ظهرت حالات سلبية كالزواج من شقيق الزوج الشهيد، والتي تم معظمها تحت الضغط والإكراه للمرأة، والتهديد بالأطفال، إضافة للزواج سراً والذي قد لا يختلف كثيراً عن سابقه في بعض الأحيان وليس جميعها، ولكنه يتم ضمن شروط مفروضة على أحد الطرفين، وغالباً ما يتم فرضها من قبل الرجل، وهي أن يبقى الزواج سرياً وألا يخرج للعلن ويرى النور، على الرغم مما له من تأثيرات سلبية تجبره في وقتٍ ما للظهور إلى العلن، أو الخروج بتجربة فاشلة وربما أطفال جدد، وحالة اجتماعية سلبية، وبالرغم من أحقية المرأة بإشهاره.
 
“عبير” البالغة من العمر 27 عاماً، استشهد زوجها في بداية عام 2013، لتعيش مأساة جديدة تُضاف لمأساتها بفقدها زوجها، فبعد أربعة أشهر من ضغط والدها عليها لترك طفليها والعودة إلى منزله، ومع إلحاح والدها، قدمت والدة زوجها الحل الأسوأ، أو حسب تعبير “عبير” الصفقة الأسوأ، وهي بأن تتزوج من شقيق زوجها الذي يكبرها ب 25 عاماً، والذي كان بمثابة الأخ الأكبر لها، ولكن لم يكن أمام عبير حل آخر للاحتفاظ بأطفالها.

ومع محاولات الجميع بإقناع عبير بالقبول، والتهديد بحرمانها من أطفالها، قبلت عبير الصفقة والتي وصفتها بأنها “إجرام بحقها وبذكرى زوجها”، وبسبب كرهها الشديد لزوجها الجديد، أصيبت عبير بأمراض نفسية كانت نتيجتها إنجاب طفل معاق.

«عبير» قالت لـ «زيتون»:
«قد يكون كرهي الشديد لزوجي هو السبب بإنجاب طفل معاق، لن أسامح أبي ولن أستطيع أن أنسى زوجي الأول مادمت على قيد الحياة، لقد قتلت مرتين مرة عندما استشهد زوجي ومرة عندما أجبرت على الزواج من أخيه».

أما “أم علي” فقد كان لها قصة أخرى تظهر مدى الانتهاكات التي تتعرض لها زوجات الشهداء وحجم الابتزاز واستغلال حاجاتهن. “أم علي” روت ل “زيتون” قصتها، قائلةً:
“بعد إقامتي في إحدى دور الأيتام مع أطفالي، بدأ المسؤول عن الدار بمحاولة إقناعي بالزواج منه سراً، وحين رفضت هدد بطردي من الدار ورميي في الشارع أنا وأطفالي، وبالفعل وافقت على الزواج منه سراً، وكانت معاملته في بداية زواجنا حسنة، ولكنه حين علم بأنني حامل أجبرني على إسقاط الجنين، وطلقني على إثرها ثم طردني من الدار مهدداً باتهامي بسوء السلوك والأخلاق، وبوجود علاقات بيني وبين العاملين في الدار.

نتيجة لذلك غادرت الدار، وانتقلت للعيش مع أطفالي في عنبر، وأعمل الآن مستخدمة، لن أسامح هذا المجرم ما حييت، دماء زوجي ذهبت هدراً وأنا تعرضت للإهانة ولأبشع أنواع الاستغلال”.

 

جدل حول زواج نساء المعتقلين والمفقودين

أما الحالة التي وُصفت بالأعقد، والتي شهدت جدلاً واسعاً في الأوساط الاجتماعية السورية، وانقسمت بين مؤيدٍ لها ومعارض، فهي زواج نساء المعتقلين والمفقودين، فالمدافعين عن الزواج يقولون بضرورة زواج نساء المعتقلين والمفقودين لكي تجد المرأة طريقاً مشروعاً للعيش وتربية أطفالها، فمن حيث العمر والحالة الاقتصادية وغيرها لا يختلف الوضع بين زوجة الشهيد وبين زوجة المعتقل أو المفقود.

ولكن الاختلاف يكمن في احتمال وجود الزوج على قيد الحياة وخروجه ليجد زوجته امرأةً لرجل آخر، ومع ذلك فالمدافعين عن هذا النوع من الزواج يرون أن للزوجة الحق في طلب الطلاق من زوجها المعتقل أو المفقود، والبدء بحياة جديدة، بعد السنين الطويلة التي مرت على غيابه ووحدتها فيها، لا سيما أن أغلبهن في سن الشباب.

«أم أحمد» إحدى الناشطات في شؤون المرأة في محافظة إدلب، قالت ل «زيتون»: «يحق للزوجة التي انقطعت أخبار زوجها المعتقل منذ أكثر من سنتين أو ثلاث أن تطلب الطلاق شرعاً، فكيف ستُعيل نفسها وتعيل أطفالها، وما هو الحل بالنسبة لها، ولا سيما إن كانت لديها رغبة في الزواج، وكلنا يعلم أن احتمال بقاء المعتقل حياً بعد سنوات من اعتقاله ضعيفة جداً، كذلك المفقود الذي ق يكون تعرض للاعتقال أو توفي نتيجة قصف أو غير ذلك ولم يتم التعرف عليه، وما أكثرها من حالات لاسيما في حالات التفجيرات».
ورأت «أم أحمد» أن الزواج من نساء المعتقلين والمفقودين «واجب أخلاقي» لكي لا تجد تلك النساء أنفسهن بلا سند.
بالمقابل يرى الطرف الآخر المعارض لهذا النوع من الزواج، أن زواج نساء المعتقلين والمفقودين أمراً لا أخلاقياً، ومنافياً للأعراف والتقاليد وخاصة في حالة وجود أطفال.

ويرى هؤلاء أن على الزوجة أن تصبر على تربية أطفالها حتى تتأكد من وفاة زوجها على الأقل، ويبررون بأن كثيراً من تلك الزيجات فشلت وعادت المرأة إلى المربع الأول، ولكن هذه المرة بخيبة أمل أكبر، وخصوصاً في حال خرج الزوج الأول (المعتقل أو المفقود) ووجد زوجته قد تزوجت من رجل آخر.
وقد ظهرت الكثير من تلك الحالات، بالإضافة إلى حالات وردت فيها معلومات عن استشهاد الزوج في المعتقل أو على حاجز أو ما إلى ذلك، وخرج بعد ذلك حياً ولم يجد زوجته وأطفاله.

 

التزويج لأجانب.. زواج محكوم بالفشل وأبناء وأيتام بلا نسب

كما ظهر في ظل الثورة زواج الفتيات السوريات لمقاتلين غرباء من خارج سوريا، وقد باء معظمها إن لم يكن كلها بالفشل، وحُكم على الفتاة بالطلاق أو الترمل، وإن كانت قد أنجبت فالأمر أسوأ بكثير.
فقد يقع عليها عبئاً إضافياً إلى جانب عدم الاعتراف بهؤلاء الأولاد في الدول التي ينحدر منها الآباء، وعدم قدرتهم على الذهاب إلى دولهم، لاسيما أنهم ينتمون إلى فصائل إسلامية، فضلاً عن عدم وجود قيود لهم في سوريا، وفي بعض الأحيان يكون الاسم المتعارف عليه للأب غير حقيقي، وبذلك يصبح الطفل بلا نسب، والمرأة بدون أوراق رسمية تثبت زواجها، وغير ذلك من المشكلات التي واجهت الفتيات اللاتي تزوجن بهذه الطريقة.

زوجة مهاجر سعودي، /21/ عام من ريف إدلب الشرقي، فضلت عدم الكشف عن اسمها قالت ل «زيتون»: «كنا ثلاث صديقات نخرج في مظاهرات البلدة أحياناً، ولم نكن نلبس النقاب، تزوجت صديقتي من أحد المهاجرين الأستراليين وتنقبت، اقتنعت بالفكرة ووافقت على الزواج من مهاجر سعودي يتبع لحركة أحرار الشام.

وفي بداية زواجنا كان حسن المعاملة معي، ولكن ذلك لم يدم طويلاً، فبعد مضي شهر ونصف على زواجنا، بدأ يتغير وأصبح يغيب عن المنزل لفترات طويلة بحجة المعارك والسفر، حتى علمت أنه يتواجد في فترة غيابه في مقر فصيله وليس في معركة أو سفر كما كان يدعي، ما جعل العلاقة بيننا تسوء نوعاً ما، وحملت منه إلا أن غارة للطيران بالقرب منا تسببت في إسقاط الحمل، ليسافر زوجي بعدها إلى تركيا، دون عودة».

وأضافت: «بعد سفره انقطعت أخباره تماماً لمدة من الزمن، بعدها علمت أن السلطات التركية اعتقلته وسلمته إلى السلطات السعودية التي أودعته السجن وحكمت عليه بالسجن المؤبد، وقام شقيقي برفع دعوى خلع لي وتم تطليقي منه، بعد زواج لم يدم أكثر من سبعة أشهر».

أما صديقتها الثانية فقد تزوجت من مهاجر جزائري، وهو أحد أمراء تنظيم داعش، وقالت ل «زيتون»: «لقد عشت سعيدة معه، ولكن إلى فترة قصيرة جداً، فقد قتل زوجي في معارك خروج داعش من إدلب في بداية عام 2014، وأنجبت منه طفلاً لم يراه، ولكنني أتواصل مع أهله في الجزائر، وقد عرضوا علي الانتقال للعيش معهم لكنني رفضت وآثرت البقاء في بلدي».

في حين عاشت الصديقة الثالثة، زوجة المهاجر الأسترالي البالغة /21/ عاماً، وهي صاحبة التجربة الأولى بينهن، مأساة تسجيل ابنتها، وتحدثت عن تجربتها ومأساتها، قائلة:

«كنت أعيش بسعادة مع زوجي الأسترالي، ولم نسمح للغة أن تكون عائقا أمام زواجنا، فقد تمكنا من التفاهم مع بعضنا عبر الإشارات وحركات الجسد، قبل أن يُقتل في معارك تنظيم داعش الذي كان ينتمي إليه، والتي جرت في ريف إدلب في بداية عام 2014، وذلك بعد مرور أقل من عام على زواجنا،.
بعد أن أنجبت منه طفلة عجزت عن تسجيلها باسمه، ما اضطرني إلى تسجيلها باسم أخي، وذلك لعدم امتلاكي أية وثائق رسمية تمكنني من تسجيل ابنتي باسم أبيها الأسترالي الجنسية».

كذلك الحال بالنسبة لمروى من ريف إدلب، المتزوجة من رجل مصري الجنسية، جاء الى سوريا كي يقاتل الى جانب الفصائل الإسلامية، ولديها طفلين منه، والتي قالت ل «زيتون»:
«أنجبت من زوجي المصري طفلين، ولا يوجد عقد رسمي لزواجنا، فقد اقتصر تسجيل الزواج عند شيخ القرية، والآن طفلي غير مسجلين ولا يوجد لهما أوراق رسمية كما أن والدهما لا يستطيع منحهما الجنسية المصرية بسبب عدم قدرته على الرجوع إلى مصر، و أنا أيضاً لا أستطيع تثبيت زواجي في محكمة رسمية و منحهما أبسط حقوقهما».

ومما لا شك فيه إن هذه الزيجات ما كانت لتحصل لولا الحرب السورية، ويمكن أن تزداد حدة في حال استمرار النزاع، كما يمكن أن تتراجع وتزول في حال الأمن والسلام.

ومن هنا وحتى ذلك الوقت ستمر الكثير من النساء السوريات بتجارب قاسية لا بد أن تترك آثرها في المجتمع السوري مستقبلاً نظراً لما للمرأة من دور فيه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*