الكتاب الإلكتروني يحل محل الكتاب الورقي

خاص زيتون 

«شئنا أم أبينا نعيش انعطافاً جديداً في عصر الكتابة؛ تتراجع فيه وبسرعة قياسيّة الكتابة المطبوعة على الورق ليحل مكانها الكتابة الرقمية الافتراضيّة، وكما تحوَّل النشر من الرقن على الرقم الحجرية وجلود الحيوانات إلى الكتابة الميكانيكية مع اختراع المطبعة، فإن الكتاب الإلكتروني أصبح يحل مكان الكتاب الورقي، ولا أجد غضاضة في ذلك، إذا ما استمرت عملية توصيل المعرفة ونشر الثقافة والتنوير»

كانت هذه كلمات الدكتور “خلدون النبواني” مؤسس دار “كتابوك” للنشر الإلكتروني في فرنسا، وذلك في كلمة افتتاح الدار مطلع شهر كانون الأول عام 2015.

“زيتون” التقت الدكتور خلدون والذي أوضح لها أن الدار تتيح إمكانية نشر الكتب على موقعها الإلكتروني، وبميزات عديدة، حيث يحصل الكتاب على رقم دوليّ تمنحه المؤسسات الثقافية الفرنسية لحماية الملكية الفكرية، إضافة إلى الحماية من القرصنة والنسخ الإلكتروني، وتأمين لجنة قراءة لتحديد صلاحية النص للنشر، والتحرير اللغوي والفني للكتاب، كما يحصل الكاتب على نسبة 20% من المبيعات.
واعتبر النبواني في حديثه لزيتون أن القلق والخوف الذي يصاحب النشر الإلكتروني حالياً، أمراً طبيعياً، وهو قلق لم يفارق أية مرحلة من مراحل التطور التكنولوجي، وعبر لزيتون عن ذلك بقوله: “لاشك أننا نحن الذين اعتدنا على الكتاب الورقيّ لعقود وألفنا احتضانه بين يدينا وتقليب صفحاته، نشعر بقلق يشابه ذلك القلق الذي شعر به أفلاطون إزاء ولادة الكتابة التي راحت تحل يومها مكان الحوار الشفاهيّ، أو بإحساسٍ بالكره الخفي للكتابة الرقمية، كما أحس أسلافنا الذين كانوا متعلقين بالمخطوطات اليدوية حين داهمهم انفجار ثورة الطباعة الميكانيكية”.

التكنولوجيا سلاح ذو عدة حدود
هناك مشكلة بنيوية مُفارقة في ثورة المعلومات بحيث لو أردنا الدقة لقلنا هي ثورة تدفق المعلومات بحيث ستجعلنا أميين جاهلين. كل المعلومات متاحة لذلك صارت تُخزّن في الذاكرة السريعة أي ذاكرة النسيان بحيث يتم نسيانها بسرعة ليحل مكانها شيء جديد. كل المعلومات متاحة لكن لم يعد هناك ثقافة مؤسّسة وإنما ثقافة كلينكس سهلة، وتمتلئ بكل مخاطره وأضراره. الآن التكنولوجيا تهيمن على الذات وتستلبها دون باقٍ، وبما أن كل شيء متاح فلم تعد هناك قيمة للشيء، هكذا رأى النبواني الثقافة في ظل التكنولوجيا.

أما الإنسان اليوم فبات في رأيته يُشبه بطل حكايات الرعب الذي يتم التحكم به بواسطة قوّة خارجية فتجد الناس في الشارع والحافلات وفي البيوت، بل وأثناء الزيارات الشخصية أو المحاضرات والمؤتمرات عيونها مشغولة بـ “Smart Phone” أو “I Pad” آخِر مشتقات التكنولوجيا ذات الانشطار شبه الجرثومي، وتجد آذانهم موصولة بسماعات بحيث يتم عزل الإنسان بشكل شبه كامل عن محيطه، وعبر الزمن ومع انتشار الحداثة حصلت مسافة أقصت الإنسان عن الطبيعة فازداد المحيط الإسمنتي وقل حيز الأُفق الطبيعي فتم اختطاف الإنسان من محيطه الحيويّ وسجنه في بيوت تضيق عليه باضطراد مع نهمه الدائم في الاقتناء بحيث صارت الأشياء تشغل مكانه وتضيق من حركته وتحجب أناه.
اليوم تقوم الثورة التكنولوجية بعزل الإنسان ليس فقط عن محيطه الطبيعي وإنما عن المحيط البشريّ والتواصل الإنسانيّ المباشر أو ما نسميه بـ ”التذاوت”، فمع التكنولوجيا يعيش الناس في حالة عزلة شبه مطلقة، وباسم وسائل التواصل الاجتماعي يُعزل الفرد في غرفة باردة ليتواصل مع آلاف الشخصيات الافتراضية، وتبرز هنا إحدى أبرز مفارقات التكنولوجيا فباسم التواصل تتعزّز العزلة، هي حالة تحوّل وتداخل بين العالمين الافتراضيّ والواقعي، بهذه الكلمات وصف النبواني أضرار التكنولوجيا على الإنسان.

أما بالنسبة للأمة العربية، فقد قال عنها النبواني:

إنها أمة “ما أنا بقارئ”، وهي تواجه التكنولوجيا بشكل يتناسب مع استسهالها للثقافة والعلم فتلجأ إلى ما هو أسهل وأبسط أي “الثقافة” البصرية المرئية والمسموعة. طبعاً هذا هو أحد وجوه التكنولوجيا وهو الوجه الطاغي برأيي ويبدو أن من شبه المستحيل مواجهة فيضان التكنولوجيا ومن هنا كان خطرها كما تنبأ به الفيلسوف هايدجر.
إيجابيات التكنولوجيا وكيفية استغلالها
لكل شيء إيجابيات وسلبيات، وقد ذكرنا السلبيات أما بالنسبة للإيجابيات، فقد كان السؤال الذي طرح نفسه هو “كيف يمكن تطوير جوانب إيجابية فيما هو حتميّ؟”.. ومن هنا كان مشروع دار كتابوك للنشر الإلكترونيّ، فالتكنولوجيا تساعد في جانبها الإيجابي في العملية التعليمية عبر تقنيات عرض البوربوينت أو الأفلام الوثائقية العلمية والتاريخية التي تُسهل فيها الصورة ما صعُب على التصور الذهني المحض (مع ضرورة التأكيد أن هذا لا يكفي)، ومن أجل هذا كان الكتاب المسموع كداعم ومعزز للكتاب المقروء، هو أحد أهم مشاريع الدار.. نعم إن زمن الكتاب الورقيّ صار زمناً ماضياً الآن، كما قال النبواني.

ورأى النبواني أن فكرة الكتاب الإلكتروني ظهرت كرد فعل على جشع الناشرين واستبدادهم وفراغهم المعرفي، ومع ذلك فالكاتب مضطر للمرور من خلالهم ليوصل أفكاره، وقد عبر عن ذلك بقوله: “لقد تحول الناشرون إلى حفنة أشخاص يتحكمون بمسارات انتشار الثقافة المكتوبة، وصارت دور النشر عائق لا يقل تبلداً عن دور الكنيسة في العصور الوسطى، فقد دور النشر الورقية عندنا إلى نوع من الكنيسة الوسطية فهي الطريق الوحيد بين الكاتب والقارئ، وكما ظهرت صكوك الغفران في الكنيسة القروسطية صار الناشرون عندنا يمنحون صكوك النشر وفق علاقات استغلال وتوسطات شخصية أو بدوافع ربحية خالصة، لذلك كان لا بد أن تظهر في عالم الثقافة ثورة بلون لوثريّ تكسر جشع واحتكار ووسطية دور النشر، فنظام النشر عندنا صار فاسداً وكان يجب الانقلاب عليه عاجلاً لا آجلاً”.

الصعوبات التي واجهت دار كتابوك للنشر الإلكتروني
حول الصعوبات التي واجهت الدار، قال “النبواني”: “البدايات كانت صعبة، فقد وُلد مشروع دار “كتابوك” من النقمة، وُلد فقيراً بدون رأس مال وُوجِه بمشاكل كادت تُجهضه، فقد حاولنا تسجيل المشروع في المغرب العربي لكن بيروقراطية السلطات هناك حالت دون ذلك، ولم يكن أي بلد عربي آخر ليسمح بمساحة الحرية التي أطمح بها أو ليخرجنا من حالة الفساد التي قررتُ الثورة عليها، لذا كان اختيار التسجيل في فرنسا مع المخاطرة بدفع ضرائب طائلة لا قدرة لي عليها”.

وأضاف: “كل ما عدا ذلك حصل تبرعاً من قبل أصدقاء عرب منثورين كالورود في كل أنحاء المعمورة، وأنا أعتمد كثيراً على زملاء وأصدقاء في قراءة ومراجعة النصوص وأبذل جهداً منهكاً في مراجعة معظم ما يصل إلى الدار بنفسي”.

وهكذا رأى الدكتور “خلدون النبواني”، الحاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة الغربية من جامعة السوربون، ويقيم في فرنسا منذ 11 عاماً، أن دار “كتابوك” كانت محاولة لفتح آفاق جديدة للتواصل والنشر عبر أدوات تناسب العصر، بعد أن انتهى الكتاب الورقي أو تأثر إلى حدٍّ كبيرلاسيما في البلدان العربية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*