“إياد”.. بطل من داريا غيّبته ظلمات زنازين الأسد

خاص زيتون

في طريق عودتي من سوق الهال في دمشق إلى بلدتي «لوف» بريف إدلب، اعتقلت على أحد الحواجز التي أجهل اسم منطقتها، ليكون لي شرف التعرف على بطلٍ من أبطال داريا.

بعد أن أشبعوني ضرباً على الحاجز، أنا الرجل السبعيني، وعصبوا عيناي، وألقوا بي بالقرب من الحاجز لمدةٍ من الزمن حتى يجمعوا عدداً يستحق منهم قطع الطريق إلى فرع فلسطين، وجدت نفسي هناك وكان هو من رافقني وخفف عني عبء اعتقالي.
كان اسمه «إياد»، وكان طويل القامة، قوي البنية، يبلغ من العمر ثلاثةً وثلاثين عاماً.
46 سجيناً عراةً عراة، كما ولدتهم أمهاتهم.. وأنا مثلهم!.. فتحت عيني فجأةً لأرى ذلك المنظر، وليس ذلك فحسب، بل لأرى أجساداً تنهشها الأمراض الجلدية، ويكسوها الصديد والقيح من شدة التعذيب، بعظامٍ مكسرة، تنتظر موتاً مؤجلاً لا يأتي، في مساحةٍ لا تزيد عن سبعة أمتار مربعة تملؤها القذارة والحشرات، ولكنّ ثمة وجه بريء كان هو فقط ما يُنير عتمتها، ويُبدّد ظلماتها.. إنه وجه «إياد».
كان الجو خانقاً والهواء شحيح، بل ربما من قسوة المشهد وذهولي مما رأيت، بدأت أختنق وهنا جاء إلي من بين 45 آخرين، هرع إلي وحده.
قال لي إياد: «لا تخجل مني يا عم فأنت كأبي وأنا كواحدٍ من أبنائك، هناك في السقف فتحةً صغيرة سأرفعك إليها كي تستعيد التقاط أنفاسك بشكلٍ جيد»، وحتى وأنا عارٍ لم يختلف معه الأمر، ولم يكن أمامي بدّاً من ذلك.
وبقينا شهوراً طويلة على ذلك الحال، يضيق نفسي فيرفعني هو دون كللٍ أو مللٍ أو تذمر، على الرغم من جراحه وتعذيبه.
شرح لي إياد خلالها كيف تمكن كلاب الأسد، كما كان يصفهم، من إلقاء القبض عليه من خلال خدعةٍ قام بها أحدهم وادّعى انشقاقه عنهم، ليوقع إياد بكمينٍ أوصله إلى حيث التقينا في زنزانةٍ من زنازين فرع فلسطين، وكيف قتل إياد العشرات منهم، ضباطاً وجنوداً.
«حاولوا أن يدخلوا بدباباتهم وأسلحتهم إلى مدينتي داريا، ولم يكن بوسعي أن أسمح لهم بذلك، ولست نادماً على قتلهم ولا خجلاً ولا خائفاً، ولو قُدّر لي أن أعاود قتلهم لفعلت من جديد»، تلك كانت كلمات إياد لي.
في الشهر الأول من اعتقالي، لم يكن إياد يتعرض للتعذيب كثيراً، ولكن في الشهر الثاني بدأ اسم «إياد» يصدح كثيراً بين جدران الزنزانة، كما تصدح أصوات تعذيبه فيها، عندما كانوا يأخذونه إلى غرفة التعذيب على الجانب الآخر من زنزانتنا، ليعود والجروح والكدمات تكسو وتلوّن جسده العاري.
في إحدى المرات، بعد أن أعادوه من غرفة التعذيب، وبعد أن كان كل من في الزنزانة قد سمع أصوات تعذيبهم وشتمهم له، قال لي إياد: «لا تخف يا عمي، سيخرجونك من هنا قريباً.. لكن سيقتلونني، سمعتهم يقولون ذلك، وقد قلت لهم كل ما أود قوله، قلت لهم كم قتلت منهم، وكم كنت سأقتل لو أنني خارج هذه الجدران، لست خائفاً منهم ولكن لي عندك طلب».
«عندما تخرج أخبر أمي ألا تبكي عليّ، وأن لا تنتظرني، أخبرها أنني متُّ كما أُريد، وأنني قمت بواجبي وأنا راض عما فعلت وهو شرف لي ولها في الدنيا والآخرة وإنني فرح بلقاء ربي»، وردّد على مسامعي اسم والدته ورقم هاتفهم الأرضيّ حتى حفظته.
ومن ثقتي به وشدة تعلقي به حفظته، في جوٍّ لا يسمح لنا بتذكّر مثل هذه التفاصيل، فهول ما نرى ونسمع ونعيش يُنسينا أموراً أهم منها بكثير.
وظلّ إياد يخرج للتعذيب ويعود وفي كلّ مرةٍ تكون شدة التعذيب أكبر من سابقتها، ولكنه يعود وكأنهم يؤجلون قتله ليتسلّوا به أكثر، وليتلذّذوا بتعذيبه لمدةٍ أطول، إلى أن قرروا الاستمتاع بتعذيبه لآخر مرة، وينهون ذكر اسمه في الزنزانة.
فُتح باب الزنزانة وسحب إياد إلى غرفة التعذيب، لم أستطع منع نفسي من النظر إليهم وهم يُعذبونه في غرفة التعذيب المقابلة للزنزانة، ولم أستطع سماع أصوات المساجين من حولي وهي تنهاني عن النظر إليهم من فتحة صغيرة في الباب، ورأيت إياد مقيداً مشبوحاً أمام جلادين يسومونه العذاب ويطلبون منه أن يقول “بشار ربي” ليخفّفوا عنه عذابه، ورأيت إياد وسمعته كما سمعه كل من كانوا ينهونني، رأيناه وسمعناه كيف كان ينتفض ويرفض تنفيذ ما يطلبون.
كان إياد يقول: «اقتلوني.. منيّتكم على حذائي، وسيسقط بشار حتى ولو بقيت امرأة واحدة في سوريا تقاتله»، وكانت آخر كلماتٍ ردّدها إياد قبل أن يبدأوا باقتلاع أظافره واحداً تلو الآخر، وقبل أن يفقؤوا عينيه.
وعندما شعروا بالعجز أما صبره وصموده، سحبوه إلى غرفةٍ أخرى، واختفى صوت إياد وصمتت أصوات التعذيب قليلاً، بعدها فتحوا لنا باب الزنزانة، وأصدروا لنا أوامرهم بالخروج كما كانوا يفعلون كل يوم لنرى جثث الموتى الممددة في ممرات الفرع، وليُردّدوا على مسامعنا كما في كل يوم: «هذا مصيركم.. هذه نهايتكم.. هكذا ستموتون!».
ولكن هذه المرة لم أستطع سماع أيّ شيء، فقد كان إياد قد أصبح واحداً منهم، وعادت الأصوات لتنهاني عن الاقتراب، وأنا شبه مغيَّب، ركضت إلى جسده الممدد في ظلام الممر، الهادئ البريء كالطفل، أقبله من جبينه، ولم أشعر بالسجناء وهم يسحبونني كي لا ألحق به ويكون مصيري مثل مصيره إن رآني أحد كلاب الأسد، كما كان إياد يصفهم.. لقد قتلوه.. نعم قتلوه.
وبعد شهر خرجت من المعتقل، واتصلت بوالدة إياد، جاءتني مسرعة، كنت محتاراً كيف سأخبرها؟، ظننتها تنتظر مني أن أطمئنها، لكنها صدمتني عندما قالت فور وصولها: «أعرف أنهم قتلوه، لقد أحسست به في تلك الليلة، وما جئت إلا كي أشم رائحته فيك، وإني لأحتسبه عند الله من الشهداء»، ومضت أم إياد كأنها صخرة أو جبل دون أن تذرف دمعة واحدة، رأيت ابنها فيها، وعرفت من أين استمدّ تلك القوة.
بكى «علي» وهو يردّد فلتفخري يا داريا بابنك.. هنيئاً لك يا داريا بشهيدك «إياد رأفت مصطفى حاج إبراهيم».. وهنيئاً لكِ يا أم إياد، وهنيئاً لك يا إياد بأمٍّ ستكون لك رفيقةً في الجنة.
ومسح دمعةً سقطت من عينيه

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*