رواية السوريون الأعداء.. نصٌ يختصر نصف قرن من حياة السوريين

زيتون – رائد رزوق 

الحفر في ذاكرة الضحية وإعادتها للحياة لتمثل مشهد قتلها يتطلب القسوة لدى الكاتب كما يتطلب القدرة على تحدي الكآبة لدى القارئ.
كل كلمة تخشاها ستجدها هي التالية في هذه الرواية، وكل معلومة مرت بثوب الإشاعة ستجدها جالسة في الشارع أمامك بكامل منطقيتها كحقيقة بسيطة.

بجرأة وشجاعة يضع فواز حداد الممثلين ضمن أدوارهم ويرتب السوريين بما هم عليه ليعيد للتاريخ أمانته، ابتداءً من صاحب الانقلاب الخالد وحاشيته، مروراً بالجلادين والتجار المنتفعين وانتهاء بالضحايا.

ما إن تنتهي من قراءة «السوريين الأعداء» وتتملكك الغصة مما تحمّله السوريون في ظل حكم الأسدين، حتى تشعر بالفخر من كون الكاتب سورياً وأن الرواية السورية وصلت إلى هذا المستوى من العمق والإبداع.
أي مجنون يمكنه أن يفكر في اختزال خمسين عاماً من آلام شعب عبر خمسمائة صفحة، غير كاتب يرفض أن يعفو الزمن آثار الجريمة، مؤكداً في نهايتها على أن ثورة السوريين اليوم هي امتدادٌ طبيعي لظلم قديم مستمر، «ثمة شيء يحوم في الجو نار تنتظر من يشعلها».
يأخذك حداد لتشاهد ما عتم عليه لسنوات ويضعك أمام القاتل والضحية في آن معاً، يعذبك في تدمر حتى تشعر بالسياط على جلدك، يدخلك فروع الأمن ويوضح ماهية العلاقة بين السوريين الأعداء بذكاء وبراعة.
تبدأ الرواية باستيلاء الأسد الأب على السلطة وحتى يومنا هذا، مستعرضةً أساليب وآليات النظام في التمسك في الحكم، ومدى الإجرام المتبع في حمايته، وتبين جوهر الدائرة المسيطرة على مقاليد السلطة.
الشخصيات الثلاث رئيسية التي اعتمد عليها حداد في سرد روايته، يمكن أن يرى القارئ من خلالهما جل الشرائح السورية وأول تلك الشخصيات هو:
المهندس، وهو شاب فاشل يشي بخاله المعارض في سبيل تسلقه سلم السلطة، حتى بات من الضباط النافذين في القصر الجمهوري، ومن خلاله تتكشف دهاليز السلطة والإجرام في ما يحاك في القصر الجمهوري.
يرتكب هذا الضابط جريمة قتل غير مبررة، عائلة حموية مؤلفة من جدٍ وكنته وحفيدتيه، بعد ان يرسل الأب إلى معسكرات الإعدام، وذلك أثناء مجزرة حماه لكي يثبت ولاءه للنظام وجدارته للتسلق.
«كان ضابطاً محظوظاً حالفه الخلاء والدم وشهوة القتل، يحمل رشاشاً في مدينةٍ مستباحةٍ أتيحت له فرصة لم يتباطأ في استغلالها».

« رفع الرشاش وسدد نحوهم، تحفزت الأم، نظراتها أوقعت في يقينه أنها حزرت ما سوف يفعله، كاد أن يقول لها ساخراً: قلبك دليلك، لن تنفعها رباطة جأشها، إذ لا وسيلة لإحباط مسعاه، سوى تعمدها ألا يرى الخوف على وجوه صغارها، ضمتهم إليها تمنعهم من النظر إلى الخلف أفلحت خلال اقل من لحظة في إبعاد أنظارهم عنه، وباليد الأخرى ضمت الرضيع إلى صدرها واستدارت تحميه بساعدها
ويتابع حداد سبر أغوار النفس البشرية المجرمة، من خلال المهندس، الذي لا يتوانى عن الوشاية برفاقه، في جو موبوء بالوشاية والانتهازية والوقاحة، إذا يعود المهندس إلى قريته التي لفظته بعدما وشى بخاله ليستعرض قوته وتفوقه.
من قريته يعود حاملا فكرة تأليه «القائد الخالد» وينفذ حملة نشر صوره وتماثيله وإطلاق اسمه على كل شيء، حتى على كتب ودفاتر الأطفال، لتصبح سوريا الأسد.
أنشأ جهازاً للمخابرات على المخابرات، لا علاقة له بأي جهاز في الدولة، نسخة عن أجهزة المخابرات، أقوى منها، وصلاحياته تفوقها، سري لا يعرف به أحد، مركزه القصر الجمهوري، الغاية منه ضمان ولاء المسؤولين بحفظ ملفات فسادهم واستعمالها حين الحاجة.
يقع المهندس في نهاية المطاف ضحية النظام الذي خدمه وضحى بأقربائه ورفاقه من أجله، إذ يتم تخييره ما بين الانتحار وبين الذبح بالسكاكين.
الطبيب، وهو الضحية التي تم قتل عائلته وسوقه إلى معسكرات الإعدام ليس له من ذنب سوى شهوة الطامحين إلى هرم السلطة بالقتل، لتنقذه الصدفة من الموت، ومن ثم يتم نقله إلى سجن تدمر، يتعرض لانفصام في شخصيته، وهو ما يساعده على تحمل المعاناة، يطلق سراحه بعد ثلاثين عاماً إبان الثورة السورية، لتسنح له فرصة الانتقام من قاتل عائلته، لكنه يفضل الانضمام إلى الثورة السورية التي يجد فيها العدالة الحقيقية في نسف الدولة المجرمة.

ومن خلال القاضي، الشخصية الرئيسية الثالثة في الرواية، والتي قد تمثل الشريحة الصامتة المؤمنة بإصلاح هذا النظام بالعمل من داخله، يتمكن الكاتب من التسلل إلى دوائر القضاء السرية، ومستودعات الملفات الخاصة والتي تحوي على وثائق تمس المسؤولين والقيادات.

«كانت الملفات التي عمل عليها لسنين طويلة في عهد الأب إمتداداً إلى عهد الابن، قد خبئت لهذا الموقف، لتكون عامل إنقاذ للرئيس، بالتضحية بالضباط والمسؤولين الذين قدموا خدماتهم له ولأبيه، مع أن الملفات لم تكن للاستعمال، كانت للتهديد فقط، لئلا يتجرأ أحد على العصيان».
القاضي الذي اكتشف في أخر المطاف، إن هذا النظام غير قابل للإصلاح، لأنه مبني على شبكة من الفساد «إذا كان النظام حسم أمره بهذه الطريقة فلأنه لا يستطيع التصرف إلا كما تصرف في حماه، بالمقابل الناس حسموا أمرهم، لن يسلموه رقابهم ثانية، لا عودة إلى ما كانوا عليه».
ويمر الكاتب على علاقة النظام بالطائفة، محاولاً أن يفكك الترابط والتداخل فيما بينهما، منذ استيلائه على السلطة وحتى اليوم، «الطائفة ليست مخيرة في الدفاع عن النظام فحسب، بل عن خطر يتهدد وجودها، حتى لو لم يلح بعد، مجرد أنه متوقع، وحتى إذ لم يكن متوقعاً، عليها الاعتقاد أنه قادم، لو تخلفت الطائفة عن النظام فسوف يسقط خلال ساعات، لن أبالغ وأقول إنها مبرر وجوده، هو أيضاً أصبح مبرر وجودها، إنقاذ النظام إنقاذ لها، يجب عليها الاعتراف بجميله، النظام لن يسمح بأن تفقد الطائفة هويتها وكينونتها».
«لا أريد لهذا النظام أن يتغير، لن أتقبل إلا نكون نحن الحكام، هذه الدولة دولتنا، انظر إلى الأمر في حقيقته الصرفة، لقد استولينا على السلطة، ما المبرر لنسلمها لغيرنا، إذا كنا لصوصا فهم أيضاً لصوص»

لا مناص وأنت تقرأها من غرقك في وحول اليأس، بما ترويه من دمار ودماء، لكن تبقى الفكرة الوحيدة المسيطرة على القارئ بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة فيها، هي أن هذا النظام يجب أن يزول، مهما كان الثمن، من أجل أن تشفى سوريا، ويعيش السوريون كأخوة.

** “كاتب سوري من مواليد دمشق, عام 1947 درس القانون في جامعة دمشق. تقلّد عدة وظائف إلى أن تفرغ للكتابة، نشر روايته الأولى (موزاييك, دمشق 39) في عام 1991. ثم تتابعت أعماله الأدبية منذ ذلك التاريخ. تم ترجمة بعض أعماله إلى الإنجليزية, وتُرجمت روايته «جنود الله» إلى الألمانية من أشهر أعماله: «جنود الله – المترجم الخائن – عزف منفرد على البيانو – خطوط النار – السوريون الأعداء».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*