سيدرة محمد.. الإعلامية الوحيدة في الغوطة الشرقية

زيتون – وعد البلخي

قوة الشخصية ورفض الظلم والإيمان بالهدف والسعي لإيصال الحقائق، فضلاً عن حب المغامرة، دفعت ابنة الغوطة الشرقية “سيدرة محمد” لتكون الإعلامية الأولى والوحيدة في بيئة محافظة لا تستسيغ عمل النساء في هذه المنطقة.
من ثاني أكبر معقل للمنشقين، على بعد كيلومترات فقط عن قصر الأسد، ومن وسط مظاهرات كان يجتمع فيها أهل الغوطة في نقطة واحدة، ومن تحت أزيز الرصاص وقذائف المدافع وراجمات الصواريخ التي لا تتوقف ليلاً ولا نهاراً، إلى صباح تعلو فيه أصوات الطائرات، وسط جوعٍ وحصار، ثم صحو على رائحة الغازات، ومن بعدها على نهارات من الاقتتال، وعبر السكايب كانت ولا زالت سيدرة تطل على القنوات والإذاعات لتوصل للعالم وجع الغوطة.

أنا ابنة الغوطة الشرقية المحاصرة
تدير سيدرة محمد الأن مكتب شؤون المرأة التابع للهيئة العامة لأحرار سوريا في الغوطة الشرقية، كما تعمل مراسلة لراديو فريش، غذت بتقاريرها مجموعة من الوسائل منها راديو صوت دمشق ووكالة أنا برس وعدة قنوات ظهرت فيها متحدثة عن دمشق وريفها من بينها قناتي أورينت وسوريا الغد.
وبالسؤال عن بدايات ممارستها العمل الإعلامي والدافع وراءه، تقول “سيدرة”: “عندما بدأت الثورة، وبدأ استخدام السلاح ضد المتظاهرين السلميين، وطالت الاعتقالات التعسفية الكثيرين، شعرت بالمسؤولية تجاه ذلك الحراك الشعبي السلمي، وكيف من الممكن إيصال حقيقة ما يجري للعالم بصدق وأمانة، فبدأت بالعمل على تصوير مقاطع وكتابة الأخبار العاجلة، ثم انتقلت بعدها إلى التواصل مع بعض القنوات والإذاعات عبر السكايب”.
وتضيف سيدرة: “كانت أول مداخلة تلفزيونية لي على قناة سوريا الغد في بدايات عام 2012، شعرت حينها بارتباك وتوتر شديدين، لكن قناعتي بما أعمل من أجله، وإيماني بقضيتي وقضية بلدي وضرورة إيصال الحقيقة، منحتني القوة والإصرار على المتابعة، لا سيما أن الأمور كانت تتعقد والأوضاع تسوء يوماً بعد يوم وحتى يومنا هذا”.
نقلت سيدرة للعالم أخبار المظاهرات والقصف المتواصل على مدن وبلدات الغوطة الشرقية والحصار الذي يعاني منه أهلها، وتركز عملها على الجوانب الإنسانية، هدفها في ذلك إيصال الواقع بأمانة بعيداً عن أي تفكير بمردود ماديّ أو مكاسب أخرى، وأكثر ما آلمها بحسب تعبيرها تعرض الأطفال والنساء للقصف والغازات السامة، وجوع الأطفال جراء الحصار، وتغول النظام وصمت العالم.
جهدت سيدرة في تطوير عملها وتقديم موادها بشكل مهني، وتمكنت بالاعتماد على خبرتها وتجربتها من صقل موهبتها مبتعدة عن الارتجالية والعفوية، ولم تقبل أن يظل جهدها أسير الهوايات، فبعد اقتصارها على تصوير المشاهد المصورة والأخبار العاجلة لإثبات الحدث، بدأت بالحديث مع الوسائل الإعلامية عبر برنامج سكايب، حتى بات ظهورها أكثر قوة ووضوح على شاشات التلفزة وباقي الوسائل الإعلامية، بعدما ساعدتها التجربة على تجاوز الكثير من العراقيل وفهم أعمق لحساسية المصابين ومراعاة مشاعرهم وحقوق التصوير والملكية، وتقنيات العمل الصحفي ومبادئه.

لا تصوري.. صوروا كتير وما شفنا شي
في مجتمع محافظ يرفض عمل المرأة لا سيما في مجال الإعلام، تمكنت سيدرة بمساندة زوجها وتشجيعه لها وإيمانه بقضية بلده وبدور المرأة، من تجاوز كافة الصعوبات، والتي كان أبرزها حسب قولها، خطر القصف والقنص والاعتقال أثناء تغطية الأحداث، بالإضافة إلى رفض الأهالي الظهور على الشاشات، وتشكيك البعض بغاية العمل الصحفي وجدواه، وخصوصاً عند وقوع المجازر وانتشار الغضب والخوف بين الناس.
وتروي سيدرة لزيتون عن تعرضها لإحدى محاولات القنص خلال تغطيتها للاشتباكات على أطراف الغوطة، كما روت كيف رفض أحد المتضررين من القصف تصويره بقوله: “صوروا كتير قبلك وما شفنا شي.. لا تصوري انتو عم تصورا لتقبضوا”، فضلاً عن مواقف كثيرة رفض الأهالي فيها التعبير عن آرائهم لوسائل الإعلام بالأحداث الجارية.
لم تقتصر المصاعب عند القصف أو القنص أو رفض الأهالي، بل اجتمعت عدة ظروف لتشكل تحدياً حقيقياً وجدياً أمام عمل سيدرة، من انقطاع الكهرباء وضعف الانترنت وغلائه، وانعدام الاتصالات الأخرى.
وتوضح سيدرة ما لهذه العراقيل من دور سلبي في عملها: “نعاني كثيراً من ضعف الانترنت وقطعه بشكل متعمد من قبل النظام، ما يسبب بضياع وقت طويل في محاولة تأمنيه واستجراره عن طريق المقويات وبالطرق البدائية، كي نتمكن من القيام بعملنا، أنا شخصياً لا أستطيع أن أحصي عدد المرات التي أصعد فيها إلى سطح منزلي كي أتمكن من إصلاحه”.

أسباب النجاح
ولأن هدف الإعلام والصحافة هو نقل الواقع وشرحه، تؤكد الإعلامية الوحيدة في الغوطة الشرقية أنها لم تبتعد عن الناس وهمومهم بل بقيت قريبة منهم ملامسة لأوجاعهم، معطية أهمية خاصة للأطفال والمعاناة التي كانت تستنزف براءتهم ما دفعها للمساهمة مع غيرها لإقامة حفلات وأنشطة لهم للتخفيف ما أمكن من الضغط الواقع عليهم.
كما ترى سيدرة أن المرأة هي المتضررة الأكبر من الحرب بعد الأطفال بسبب ما تعرضت له من انتهاكات وتجاوزات في حقها، لكنها كما تقول سيدرة: “رغم كل شيء تبقى المرأة قادرة على أن تكون ما تريد، فهي بما تملكه من إحساس يجعلها أكثر قدرة على أن تكون إعلامية ناجحة تنقل الواقع بشفافية وأمانة رغم ما لهذا العمل من مشاق، ففي الوقت الذي يختبئ فيه الجميع في الملاجئ تجنباً للقصف، يتوجب عليها ترك عائلتها والتوجه إلى مكان الحدث”.
وبالسؤال عن أسباب نجاح سيدرة، قالت: “العمل من أرض الحدث ومتابعته لحظة بلحظة والاستمرار بالتمسك بالمصداقية واحترام الناس وعقولهم وعدم الانجرار وراء الانحياز والإيمان بالعمل الصحفي، هو ما دفعني للاستمرار ولا أقول النجاح”.
اضطرت بعد اعتقال ابنها للسفر أكثر من مرة إلى بلد عربي مجاور، لتعود إلى غوطتها أِشد إصراراً وقوة، لأن شيئاً ما بداخلها كان يصرخ “حرية”، بحسب تعبيرها.
على الرغم من حب المغامرة التي تتمتع بها سيدرة، إلا أنها لم تُفرّط أو تغامر بسلامة أقاربها المتواجدين في مناطق النظام، فكانت حريصة كل الحرص حتى في هذا الحوار على أن لا تبوح بأي معلومة شخصية قد تتسبب لهم بالأذى.

رسالة للعالم في يوم الصحافة
“سيدرة محمد” وهو الاسم الحركي للإعلامية الوحيدة في الغوطة الشرقية، تقول للعالم عبر زيتون في يوم الصحافة: “الإعلام أمانة والصحافة رسالة وعلى عاتقهما واجب كبير في نشر الحقيقة لمعاناة شعب بأكمله، سواء أكان معتقلاً أو مشرداً أو عالقاً على الحدود أو في مخيمات اللجوء أو محاصراً كحالنا.. أتمنى من الجميع نشر ما يجري من أحداث وبشكل خاص في الغوطة الشرقية، ففي حال سقطت الغوطة -لا قدر الله- فعلى الثورة السلام”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*