أم محمد التي أثرت أن يُقتل ابنها على أن يَقتل

زيتون – ياسمين محمد 

بوجهه السمح الطلق والنضر وضحكة عينيه وبجسمه الفتي وروحه الحرة رفض محمد ابن مدينة درعا أن يوضع في مواجهة أبناء بلده المتظاهرين وهو المجند في جيش النظام يؤدي خدمته الإلزامية.
وبفطرته السليمة التي قربته من جميع أطفال أقربائه رفض محمد ابن العشرين عاما أن يقتل، أبى هو وأهله أن يوضع في موضع يُقتل فيه أو يقتل أحداً من أهل بلده، وعلى الرغم من فقر حال أسرته الريفية، إلا أنها توصلت إلى اتفاق فيما بينها، وهو أن تدفع للضابط المسؤول عنه كي لا يلتحق بقطعته العسكرية إلا كي يُجدّد إجازته الشهرية.
وبالفعل قام أهل محمد باستدانة أول دفعة وتم تسليمها للضابط، وأصبح محمد يعمل في معملٍ للحديد كي يساهم في جمع المبلغ، ووالدته تبيع الألبان والأجبان كي تساهم بجزءٍ آخر، وساهم والده الضرير بجزء من راتبه، وكانوا يستدينون ما ينقص من المبلغ، وأحيانا يعمل محمد أعمالاً إضافية، كما تقوم والدته بإنتاج بعض المؤن المنزلية وبيعها.
وكان جشع واستغلال الضابط يزداد مرةً بعد مرة، ويرفع المبلغ باستمرار، حتى وصل استغلاله إلى أن يطلب المبلغ لقاء عدم خروجه إلى حواجز الجيش التابعة للقطعة وبقاء محمد داخل القطعة العسكرية، وليس لقاء الإجازة كما في السابق.
ومع ذلك ظل الضابط يرفع المبلغ، ولم يتوقف عن الاستغلال، وسط رؤيته قبول محمد ووالدته التي كانت تتكفل بكل ذلك، نظراً لوضع زوجها الصحي.
ولكن الضابط حاول إجبار محمد أكثر من مرة على الخروج من القطعة، وذلك عندما كان يقوم الثوار بالهجوم على القطعة واستهدافها خلال ساعات الليل بالقنابل اليدوية وغيرها من الأسلحة البسيطة والمحاولات المتواضعة من الثوار في تلك الفترة.
وكان محمد يحاول التنصل في كل مرةٍ بشكلٍ أو بآخر، ولاحظ الضابط ذلك، ثم بدأ الأمر يتطور عنده إلى الالتقاء بثوار المنطقة عندما يتم إجباره على الخروج من قطعته، وقام الضابط بتوجيه عدة إنذارات لمحمد.
وهنا اتصل محمد بوالدته وأبلغها بقراره بالانشقاق، وعدم قدرته على المواصلة بهذا الشكل على الإطلاق، وأن قراره قطعياً لا رجعة فيه، وأنه لن يوجه سلاحه إلى صدر أي إنسان أو يرفعه في وجه أحد حتى لو كان سلاح الآخر في صدره، فطلبت منه التريث لترى ما هي الوسيلة الأنجع لذلك.
كانت تعلم أنها قد تخسره إلى الأبد في تلك العملية، إلا أنها كانت توافقه على المبدأ، وفضلت أن يُقتل أثناء محاولته الانشقاق على أن يُقتل أثناء إجباره على الوقوف على أحد الحواجز، ولكنها كانت تجهل كيف من الممكن أن تساعده، وفي الوقت ذاته رفضت الوقوف مكتوفة الأيدي.
أدت أم محمد صلاة الاستخارة عدة مرات، وفي كل مرة كانت تُردَّد على مسامعها طيلة الليل الآية الكريمة «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون».
استنتجت الأم نهاية ابنها، وأبلغت والد محمد بها، وظلت تفكر وتطلب إلى ابنها التريث لفترةٍ قصيرة إلى أن وصلت إلى الحل.
وفي بداية الشهر التالي ذهبت لتُسلم الضابط المبلغ كما في كل شهر، إلا أنها هذه المرة قامت بمساعدة أخيها الأصغر الذي يكبر محمد بعامين أو ثلاثة أعوامٍ فقط، بتزوير تاريخ إجازةٍ قديمة من إجازات محمد، كما أخذت معها بطاقة أخيها الشخصية وأعطتها لابنها كي يتمكن من المرور بها على الحواجز بعد أن يخرج من القطعة بناءً على الإجازة.
وانتظرته أمام القطعة العسكرية حتى خرج منها فعلاً، وتمت عملية الانشقاق بنجاح، واصطحبته إلى قريتهما التي لم تكن قوات الأسد تتجرأ على دخولها.
والتحق محمد بالثوار، لكنه رفض أن يبقى ثائراً اسماً بلا عمل، فآثر أن يلتحق مع بعض أقربائه بثوار دمشق وريفها، وذهبوا كمجموعات مؤازرة إلى مخيم اليرموك وحي التضامن الدمشقي وغيرها من المناطق المجاورة.
إلى أن حانت الساعة، ففي إحدى ليالي القتال في مدينة داريا في غوطة دمشق الغربية، طلب محمد إلى مجموعته التي كان يقودها الانسحاب من النقطة المتواجدين فيها، تحت ضغط قوات الأسد وتقدمها عسكرياً وقصفها للمنطقة بشكلٍ عنيف، إلا أن القصف كان قريباً جداً، وفي أحد الأبنية السكنية كان هناك طفل صغير، هرع محمد لإنقاذه بعد أن استُهدف المبنى، فباغتته قذائف الأسد التي ركزت على المبنى ذاته مجدداً، واستشهد محمد على إثرها، وذلك قبل مجزرة داريا بيومٍ واحد في 23/8/2012.
وعندما ذهب بعض أقاربه إلى منزله صباح اليوم التالي لإبلاغهم بنبأ استشهاد محمد، أدركت والدته عندما رأتهم، وقابلتهم على بوابة منزلها قبل أن ينطقوا بأي حرف، بالحمد والشكر لله على أنه منح ابنها شرف الشهادة ومكنه ومكن عائلته من انشقاقه وأنه لم يمت برصاص أخ من أبناء بلده، وطلبت إليهم عدم البكاء أو التلفظ بأي لفظةٍ من ألفاظ العزاء، وإنما بألفاظ التهنئة.
وبعد عامين عادت أم محمد لتخسر أو لتربح على حدّ تعبيرها شهيداً آخر، وهو زوج ابنتها ووالد حفيداتها الصغيرات اللواتي يعشن في كنفها وتحت رعايتها حتى اليوم.
أم محمد ترفض أن يذكر اسم ابنها وقصته، لأنها ترى أن ما قدمه ابنها ليس للشهرة والاستعراض، وإنما هو هدف سامٍ وغاية أسمى في نفسه آمن بهما وعمل لأجلهما، أم محمد التي لم تتجاوز الخامسة والأربعين ترغب في أن يبقى ذكر ابنها وحياته في مكان ما في صدرها، وهي تعرف أنه لن يكون راضٍ إن تم ذكره على سبيل الحصر فهو ابن من أبناء وطن، وهي أم من أمهات ذلك الوطن اللواتي يعتبرن أي شهيد يسقط ابناً لهن ويرفضن أن يٌقتل ابناً لهن برصاصة من بندقية أخيه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*