الزواج والأسرة.. حلم غير قابل للتأجيل لكنه مؤجل

زيتون – وضحة عثمان – غادة باكير
الخوف من المستقبل، وظروف التشرد والنزوح والهجرة والاعتقال والقصف وعوامل أخرى كثيرة، أدت إلى تأخر الزواج عند الجنسين، ولكن تلقي العنوسة ظلالاً قاسيةً على الفتاة وعلى حالتها النفسية، وتكون أشد مما هي عليه في حالة العزوف عند الشاب، ذلك أنها تكون في موقع المتلقي في حين يكون الشاب بموقع المبادر.


ولأن دافع الأنثى الأكبر للزواج هو في غريزة الأمومة والإنجاب لديها، فان تأخر الزواج يعتبر أمراً قاتلاً لأحلامها لا يمكن تعويضه، بعكس الرجل الذي قد يتمكن من تلافي الوقت والزواج والإنجاب بعمر متأخر، ولكن مع بعض التأثيرات.
وترى الباحثة الاجتماعية «هند كشكش» أن تأخر الزواج ظاهرة اجتماعية منتشرة في المجتمع السوري قبل بدء الثورة، لكنها أصبحت أكثر بروزاً بعدها، وتعود أسبابها قبل الثورة إلى أن معظم الشباب يعجزون عن الزواج بسبب نسبة البطالة المرتفعة وغلاء المهور، ورفض الفتاة للزواج في بعض الحالات حتى تنهي تعليمها، كما يمكن أن ترفض أحياناً انتظاراً للشخص المناسب حسب أحلامها الخاصة ومع مرور الزمن يفوتها قطار الزواج.
وتقول كشكش لزيتون أن نسبة الفتيات اللواتي بقين دون زواج قد ارتفعت في سنوات الحرب نتيجة استشهاد نسبة كبيرة من الشباب بعمر الزواج، واعتقال أعداداً كبيرةً منهم، إضافة إلى المعارك الدائرة على الجبهات، ولجوء الشباب الى الهجرة، واختيار الشباب لفتيات صغيرات في السن عند الزواج.

الموت والاعتقال والهجرة
ربما كان السبب الأكبر في ارتفاع نسبة العنوسة في سنوات الحرب هو التأثير الكبير لظروف الحرب على الشباب بشكلٍ خاص من استشهاد أو اعتقال أو هجرة، حيث قدرت إحصائيات غير رسمية عدد الشهداء بأكثر من 250 ألف شهيد، نسبة الرجال من بينهم 87.155%، وعدد المعتقلين التقريبي في نهاية عام 2015 أكثر من 280 ألف، وعدد المفقودين بأكثر من 100 ألف، وعدد العائلات التي أصبحت بدون معيل بنحو 144 ألف عائلة أي حوالي مليون فرد.
كما قدرت الإحصائية عدد اللاجئين خارج سورية بأكثر من 4،55 مليون لاجئ، نسبة الرجال منهم 60%، ونحو 77% من المهاجرين تتراوح أعمارهم ما بين 18 – 40 سنة. 

وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قالت في تقريرٍ سابقٍ لها:

«تواصل قوات الأمن السورية اعتقال الأشخاص تعسفياً وإخضاعهم لسوء المعاملة والتعذيب بانتظام، إضافة إلى إخفائهم ضمن شبكة واسعة من مراكز الاحتجاز المنتشرة في جميع أنحاء سوريا، وأغلب المعتقلين شبان في العشرينات والثلاثينات»

«عليا الكردي» فتاة سورية في الثامنة والعشرين من عمرها تقول لزيتون: «السبب الرئيسي لتأخر سن الزواج من وجهة نظري هو استشهاد عدد كبير من الشباب وهجرة القسم الآخر، وبالتالي أصبح عدد الفتيات أكبر بكثير من عدد الشباب، بالإضافة إلى ظروف النزوح والتشرد، وبعض الظواهر الاجتماعية التي انتشرت مؤخراً كإقبال الشباب على الزواج بفتيات صغيرات في السن».

النزوح وعدم الاستقرار
أفرزت حالة النزوح التي يعيشها أكثر من 7 مليون سوري وفقاً لإحصائيات المفوضية الأممية للاجئين في نهاية عام 2015، ظواهر اجتماعية جديدة وعوامل اقتصادية شكلت في كثير من الأحيان عائقاً أمام زواج الشباب السوري.

وتقول «سحر» لزيتون: «إن السبب الرئيسي في ازدياد ظاهرة العنوسة في هذه المرحلة هو النزوح وما يسببه من عدم استقرار في الوضع الاجتماعي، إضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة لا سيما لدى النازحين».

ويرى الشاب «محمود الخالد» وهو مدرس لغة انكليزية أن العزوف عن الزواج أصبح في زمن الحرب ظاهرة بدأت تلقي بظلالها على المجتمع السوري، وأنه لم يعد من الممكن تجاهلها أو اعتبارها أمراً طبيعياً بعد تزايد أعداد الشبان العازفين عن الزواج، وذلك لأسباب عديدة، في مقدمتها حالات النزوح والتشرد التي أخرجت الكثير من السوريين من قراهم ومدنهم، وبالتالي أخرجتهم من سياقهم الاجتماعي الذي كان يسهل عمليات الزواج، كما خلقت لهم بيئة غير مستقرة يراها الكثير من الشبان غير مناسبة لتكوين أسرة وبداية مرحلة جديدة من حياتهم.

عوامل اجتماعية
فرضت الحرب في سوريا ظواهر اجتماعية جديدة، ابتعدت في كثير من الأحيان عن العادات والتقاليد التي كانت سائدة في مجتمعنا، فضلاً عن وجود ظواهر اجتماعية قديمة.
فقد تركت ظاهرة الزواج التي انتشرت بكثرة بعد الثورة من فتيات صغيرات في سن المراهقة أو ما يعرف بزواج القاصرات، تأثيراً كبيراً في المجتمع السوري، حيث أدت إلى عزوف الشباب عن الزواج من الفتيات اللواتي تجاوزن الخامسة والعشرين من عمرهن.
وحول ذلك عبرت خريجة كلية الهندسة المعمارية الشابة «هديل» عن رأيها لزيتون قائلةً:

«لا أفهم طريقة تفكير بعض الشباب في مجتمعنا، فكيف يقبل الشاب أن يرتبط بفتاة قاصر لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها، غير مهيأة من أي ناحية لتحمل ظروف الزواج وأعباء الأسرة وربما الأطفال وهي لا تزال طفلة، وخصوصاً في حال كان الشاب خريجاً جامعياً وعاش قصة حب مع زميلةٍ له في الجامعة، وعندما يفكر بالزواج يطلب من والدته أن تبحث له عن عروس صغيرة السن».

كما أدى رفض بعض الأهالي لتزويج بناتهم من أشخاص خارج مناطق سكنهم وابتعاد بناتهم عنهم سواء داخل أو خارج سوريا، لا سيما في حالات الهجرة التي يمر بها السوريون، وحرصهم على عدم التورط في زواج مشتت، إلى ازدياد عدد الفتيات اللواتي بقين دون زواج، كحال «ندى» التي تحدثت لزيتون عن أسباب رفض والدتها لأي شاب كان يتقدم لخطبتها بقولها: «بعد تخرجي من الجامعة بقيت أنا وأمي فقط في المنزل، وكانت أمي ترفض أي شاب يتقدم لخطبتي نتيجة خوفها من البقاء وحيدة والعيش بمفردها ليس فقط في البيت وإنما وحيدةً في سوريا، فأخواتي الثلاث تزوجن وهاجرن مع أزواجهن إلى دولٍ مختلفة، وهو ما تخشى والدتي أن يتكرر معي».
أما بالنسبة للتأثير المباشر للثورة والعوامل الاجتماعية معاً في تأخر زواج بعض الفتيات، فقد تجلى بوضوح في مثل حالة «هدى»، والتي قالت لزيتون: «تعرضت لإصابة جراء قذيفة سقطت على منزلنا، تركت آثارها على جسدي، ونتيجةً لذلك تزوجت أخواتي الأصغر والأكبر مني سناً، وبقيت أنا والكثير من الفتيات المصابات مثلي في طريقنا إلى العنوسة، في مصير مجهول وبلا مستقبل ولا عائلة».
وبعيدا عن أجواء الحرب وبحالة مشابهة تقريباً لحالة هدى إلا أنها تعاني من صعوبة في النطق منذ الصغر، تكبر منى يوماً بعد يوم دون زواج، نتيجة النظرة الاجتماعية لها على أنها مريضة فقط لا غير.

عوامل اقتصادية
معظم العوامل السابقة من هجرة ونزوح وخوف من الاعتقال وغيرها تركت بصمتها الواضحة في الوضع المادي للشاب، حيث قدرت المفوضية الأممية للاجئين أن 7.6 مليون سوري نزحوا داخليا و12.2 مليون بحاجة إلى مساعدة إنسانية في عام 2015، كما شهدت وكالات الإغاثة الإنسانية تحديات كبيرة في إيصال المساعدة للنازحين والمهجرين من النزاع بسبب الحصار.
الشاب «أحمد» يروي لزيتون أسباب تأخره عن الزواج قائلاً: «أهم الأسباب التي منعتني من التفكير في الزواج في ظل الحرب الدائرة هي حالة عدم الاستقرار التي نعانيها، ودخلي البسيط الذي لا يؤهلني لتكوين أسرة وتحمل نفقات الزواج، وقلة فرص العمل البديلة التي من شأنها أن تحسن من دخلي، ومنذ بداية الثورة كنت قد استبعدت فكرة الزواج أملاً في أن تهدأ الأوضاع وتتحسن حتى وصلت الآن إلى الثالثة والثلاثين من عمري، دون زوجة وبعيداً عن أفراد عائلتي الذين هاجروا وتفرقوا في عدة دول».

وكذلك الحال بالنسبة للاجئين إلى الدول العربية الذين لم تساعدهم هجرتهم في تجاوز العقبة المادية، بل زادت من تسلطها عليهم، ووفقا لوزارة الخارجية الأميركية هناك 86% من اللاجئين السوريين في الأردن يعيشون تحت خط الفقر، و 20% منهم يعيشون في المخيمات، وكذلك يعيش في مخيمات العراق 38% من اللاجئين السوريين، وكذلك الحال بالنسبة للاجئين السوريين في لبنان فهو الأسوأ في كافة النواحي.

ويؤكد محمود الشاب السوري اللاجئ في تركيا على دور العامل المادي في تأخر الزواج بقوله لزيتون: «يلعب العامل المادي دوراً كبيراً في تأخر الزواج أو العزوف عنه، ولا سيما في بلدان اللجوء ففرص العمل محدودة والدخل المادي قد لا يكفي لأبسط مقومات العيش، ومن المستغرب أن العائلات السورية ما تزال تعطي الجانب المادي قيمة كبرى في عمليات الخطبة والزواج، ولا تزال تطمح لعريس غني ومثالي في ظروف غير مثالية، ما يؤدي لتأخر زواج الشبان والفتيات».

التعليم والعمل
وللموضوع جانب آخر يتمثل بعدم رغبة بعض الفتيات بالزواج لأسباب عديدة أهمها رغبتها في متابعة تعليمها والذي تعتبره الفتاة سلاحاً لها في المستقبل، فترفض الزواج قبل إنهاء دراستها، وحتى بعد إكمال دراستها أحياناً تكون رغبتها بالعمل على اعتبار أنه أكبر تمثيل لوجود الفتاة واستقلاليتها، سبباً في إحجامها عن الزواج مؤقتاً كون العادات والتقاليد في بعض المناطق لا تقبل بعمل الفتاة، كما أن الكثير من الرجال يرفضون عمل زوجاتهم بحجة متطلبات الأسرة والحمل والإنجاب وما إلى ذلك.


فقد رفضت «خديجة» خريجة كلية التربية الزواج من أي شاب كان قد تقدم لخطبتها، قبل أن تتخرج من الجامعة وتنهي دراسة الماجستير، وذلك في عام 2012، لتبدأ العوامل التي أوجدتها الثورة بالوقوف أمام زواجها، على حد تعبيرها.

الخوف
الوضع الراهن وعدم الاستقرار الذي تعاني منه سوريا منذ أكثر من 6 سنوات، وظروف الحياة الجديدة والمستجدة يوماً بعد يوم، دفعت بعض الفتيات إلى عدم الإقدام على الزواج خوفاً مما قد يطرأ، رافقه تردد الكثير من الأهالي بتزويج بناتهم، وخوف مماثل لديهم من أن تعود ابنتهم مع أطفال وزوج شهيد أو معتقل أو مفقود أو غير ذلك، ويكون الخوف في حال الشبان المنضمين للفصائل المسلحة أكبر بكثير منه لدى بقية فئات الشباب، ولكن نسبة هؤلاء الشباب المقاتلين في الفصائل ليست قليلة على الإطلاق، وبالمقابل يراود بعض الشبان المقاتلين في صفوف الفصائل خوف من ترك زوجة أرملة وأطفال أيتام، مما يدفعهم للعزوف عن الزواج ولو لفترة مؤقتة.


ما ينصح به الأخصائيون
حول أثر تأخر الزواج على الفتاة والشاب قال خريج قسم علم النفس «حسين باريش» لزيتون: «في كثير من الأحيان يترك تأخر الزواج لاسيما عند الفتاة بعض الآثار السلبية مثل الانطواء والعدوانية والشعور بالحرمان، وذلك لأن الموضوع بالنسبة لها ذو أبعاد هرمونية تتحكم فيها الغدد، مما يؤدي إلى خلل في عمل بعض الغدد في جسمها، ويكون الدافع الأول عندها للزواج هو دافع الأمومة، وفي الوقت ذاته قد تتأثر بعض الغدد والهرمونات لدى الرجل بتأخر العمر، وقد يصاب ببعض الأمراض، ولكن هذه التأثيرات تحدث بشكل تدريجي وليس بشكل مفاجئ كما هو الحال عند المرأة، وخاصة ما يتعلق منها بالقدرات الجنسية والإنجابية، وتكون التغيرات حقيقية وواضحة ولاسيما بعد سن الخمسين».
ولحل مشكلة تأخر الزواج ترى الباحثة كشكش أنه يجب أن يتم بتضافر جهود عدة، وأن تكون التوعية أول وأبرز خطوة سواء من قبل المختصين وتكثيف الندوات والمحاضرات للرجال والنساء على الآثار والمشاكل التي يتركها تأخر الزواج على الفتاة والشاب والمجتمع وحتى المواليد الذين سيولدون لاحقاً، وتوجيه الأهالي لتخفيض المهور، أو من قبل رجال الدين عبر توجيه الخطب الدينية والندوات نحو أمور المجتمع وبشكل خاص ما يتعلق بأمور الزواج.
كما يمكن للجمعيات الخاصة بالمرأة أن تقوم بعملية التوعية حول تأخر سن الزواج والمشاكل التي تعاني منها الفتيات، إضافة إلى زيادة التكافل الاجتماعي بالمساهمة في تكاليف الزواج التي تقف عقبة في طريق الكثير من الشباب السوريين والذي ينعكس على الشابات أيضاً.

وعلى الرغم من كون تأخر الزواج على الفتاة ذو تأثير أكبر منه بكثير على الشاب، وعلى الرغم من أن الفتاة تكون دائماً في موقع المتلقي والشاب في موقع المبادرة، إلا أن تأخر الزواج يترك تأثيراته السلبية على الشباب والشابات السوريين وعلى المجتمع ككل في آنٍ واحد، وتبقى حياة السوريين في تغير وعدم ثبات مادام الصراع دائراً على الأرض السورية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*