في حيش.. قصة منزل تختصر حكاية وطن

خاص زيتون

“لن تهزمنا هذه الحرب، ولن نكف عن ذكر آلام الماضي، ولن نتوقف عن كل إنجاز يُضيء لنا على درب المستقبل أملاً في غدِِ واعد وليس غدٍ أفضل فحسب”.


من هذا المبدأ انطلقت عائلة “أبو محمد” النازحة من بلدة كرناز بريف حماة الشمالي، بترميم وإعادة إعمار منزل الحاج “أبو حمود الشوا” في بلدة حيش بريف إدلب الجنوبي، وذلك بعد أن قدم الحاج أبو حمود منزله لعائلة أبو محمد كردٍّ للجميل على استضافتها لعائلته عندما نزحت في وقت سابق إلى بلدة كرناز، بعد أن تعرضت بلدة حيش (البلدة الصغيرة التي تقع الى الجنوب من مدينة معرة النعمان) لحملةٍ همجية مكثفة بكافة أنواع الأسلحة من قبل قوات الأسد والميليشيات المساندة لها، فهدمت منازلها بشكل كامل، وشردت أهلها بعد أن تقطعت بهم سبل الحياة، ولم يبقَ فيها بشر أو حجر إلا وتذوق طعم الصواريخ والقذائف.
وتعرض منزل أبو حمود المهجور كغيره من منازل البلدة لعدة صواريخ، تحمل كل حقد النظام وميليشياته المساندة، فأسقطت من جدرانه ما أسقطت وأوقعت من أسقف غرفه ما أوقعت، إلا أنه أبى إلا أن يبقى ولكن ينزف وحيدا يحن إلى ساكنيه، الذين نزحوا عنه إلى بلدة كرناز ومن ثم إلى مخيم أورفا في الأراضي التركية.
ومع مرور الأيام وعودة الحياة تدريجياً إلى بلدة حيش، لم يعد أبو حمود، بل آثر البقاء في منزحه في تركيا منهمكاً في أعماله التي وجد فيها ما ينسيه أحزانه ويشغل تفكيره عما يعتصر قلبه من ألم لما حل في وطنه وبلدته حيش على وجه الخصوص، باحثاً عن لقمة عيشه وعيش عائلته بعد أن حرمته طائرات النظام وحقده من عمله ومنزله في بلدته، وبقي المنزل وحيداً مهدماً لا يجد من يلملم جراحه ويؤنس وحدته.
واليوم تدخل إلى أروقة المنزل في الصباح، ترى الأطفال يلعبون ويلهون ويتعلمون، والساحة مظللة والنظافة تعم المكان، لتجد المنزل بحلّة جديدة، وقد عادت إليه الحياة من جديد ولكن مع عائلة جديدة وهي عائلة “أبو محمد”.

عائلة أبو محمد وإعادة إعمار المنزل
عائلة أبو محمد هي إحدى عائلات ريف حماة الشمالي وبلدة كرناز على وجه الخصوص، الذين عانوا من ملاحقة وبطش وتهجير ميليشيات النظام جراء التحاقهم بصفوف الثورة منذ مراحلها الأولى، ورفضهم الخضوع والخنوع تحت راية النظام، وإيوائهم للعائلات النازحة من مدن وبلدات إدلب وحماة، والتي كانت عائلة الحاج أبو حمود واحدةً من بين تلك العائلات التي استضافتهم عائلة أبو محمد لبرهة من الزمن قبل مغادرتها سوريا، ليأتي الدور بعد ذلك على عائلة أبو محمد.
نزحت عائلة أبو محمد وشاءت الأقدار أن تتذوق طعم التنقل هنا وهناك، واستقر بها الترحال في مدينة كفرنبل ما يقارب العامين،
قضتها هذه العائلة تتنقل من منزل لآخر بعد انتهاء عقد الإيجار لكل منزل، ثم تعرضت عائلة أبو محمد لسرقة سيارتها في هذه المدينة، مما اضطرها للخروج مجدداً باحثةً عن مكان آخر تلجأ إليه، وكان منزل الحاج أبو حمود في بلدة حيش وجهتها هذه المرة.
تقول “أم فيصل” ابنة أبو محمد لزيتون: “حتى الحيوانات كانت قد هجرت بلدة حيش، ولم يكن فيها أي مقوم من مقومات الحياة عندما وصلنا إليها”.

كان المنزل لا يزال مهدماً ينظر متحسراً إلى ما حوله من المنازل التي رممت ودبت فيها الحياة من جديد، فبدأت عائلة أبو محمد بإعادة إعمار ما تهدم من هذا المنزل، فأغلقت فتحات جدرانه التي اخترقتها الصواريخ، وشيدت ما تهدم منه، ورفعت الأنقاض، وأعادت ترميم أسقفه، وزرعت جميع أنواع الزهور في حديقته.

استمرت عائلة أبو محمد سنتين ونيف في ترميم ما دمرته الطائرات وخربته القذائف، ورمموا مؤخراً ما بقي منه دون ترميم.
وتقوم أم محمد يومياً بحملة نظافة يومية لداخل المنزل ومحيطه، تسقي وروده وتداعب ترابه، وقد شيدت تنوراً في حديقته، وكبرت الزهور وتفتحت الورود.
ليعود هذا المنزل اليوم في أبهى صوره، تعج فيه الحياة والنشاط، ويصبح رمزاً يقتدي به السوريون يبعث في أنفسهم حب الحياة التي ستستمر رغم أنوف الكارهين.
للظلم جولة وللحق جولات هذا ما ختم به أبو محمد كلامه وقلبه يتشوق للعودة إلى منزله في بلدته كرناز بريف حماة الشمالي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*