أمي التي بلا فيس بوك

زيتون – إبراهيم قعدوني
يزحفُ حلزونٌ عجوز عبر الممرّ في الحديقة الأمامية، بينما أستديرُ نحو شارع تشارلتون كريسينت الذي لم يجفّ بعد من مطر الليلة الفائتة.
السادسة صباحاً من يوم التاسع عشر من شهر أيار ٢٠١٦، مشهدُ العابرين بين ضفّتي محطة «ويستهام» عبْرَ الجسر المعدنيّ المسيّج بالزجاج والشبك، مشهدٌ سينمائيٌ بجدارة، قوافل من خيالاتٍ سوف تبتلعها أرجاءُ هذه المدينة بعد قليل.
خشونةُ الرجل الأسود في العربة تثير جَلَبَةً تستفزّ أغلب المسافرين وليس فقط القوقازيّ الذي داس على رجله دون أن يعتذر، لا يبدو أنّ صديقنا يأبه لما فعل ولا لنظرات المسافرين المستغربة، يأخذ صحيفة المترو من جانبه ويبدأ بقراءتها بينما يقطع قطار الـ «Jubilee» عتمةَ العالم السفليّ لهذه المدينة الشاسعة.
بينما أكتب كلماتي هذه، ينظرُ إليّ كهلٌ ينوسُ بين النوم والصحو، يمكن لي أن أجزم أنّه عربيّ أو سوري وأحسبه يتفرّسُ ملامحي بدافعٍ من «تحرّكِ الدم»، أرفع نظري تحت النظّارة قليلاً لأسترق نظرة اليقين لملامحه، وإذ تتلاقى أبصارُنا أعاجُلُه بابتسامةٍ خاطفة وأعود إليك يا صديقتي النائمة.
تفصلنا عشرُ دقائق عن السابعة وسوف نصل محطة «فينشلي روود» بعد قليل حيث سنخرج لضوء النهار، أشعرُ ببعضِ الخَدَرِ العالق برأسي من حبّةِ ألم الظّهر/الديسك ولا طاقة لي على الثرثرة يا عزيزتي، سأترك لك شيئاً تقرئينه عن أمي التي لا أتوقف عن التفكير فيما تفعله في هذه الأيام، وبينما أنتشل كتابك من حقيبتي في محطة «فينشلي روود»، تقترب حمامةٌ حائرةٌ من المقعد الذي أجلس فيه بانتظار القطار، لعلّها تنقل تحيّةً من أمّي التي في البلاد البعيدة..
أمّي التي بلا فيسبوك
ليسَ لأمّي فيسبوك
ولا واتساب
لديها قلبٌ سُرعانَ ما يهبِطُ
كلّما رنَّ جرسٌ بعد التاسعة!
ويدان مفتوحتان على السماء
تبعثان برسائل محروقة الأطراف
معشّمةً بما فوق هذه الغيمات
تسألُ فتجاب
هي التي لازمت حياتنا بمنبّه صوتها الصباحي
قبلَ ديكِةِ الحيّ تداهم نومنا أنْ «أصبحنا وأصبح الملك للّه»
تعرِفُ أحوالنا من مناماتها
يشمل ذلك نتائج الامتحانات، وأحياناً ما في الأرحام
كأنّما لديها كتابُ نوايانا
كانت تقول «اجعلوا على قبري قبّةً»
ألَم أقُل لكم أنّه «سوف يخطِف في عينِ الظّهيرةِ!»
ليسَ لها هاتفٌ جوّال، ولا قارئ موسيقا
غيرَ أنّها تحبّ أغنية «ستّي» لفيروز، كلّما أدرتها في هاتفي مَلَأت عيونها بالدّمع
سمِعتها تغنّي مرّتين (أنا الذي بباب الأربعين)!
في الأولى: غنّت «يا بيتي يا بويتاتي»
وفي الثانية «طارِت الطيّارة.. والحبايب طاروا»
سوى ذلك، كانت إذْ يداهمها الحزنُ تُطلِقُ ما يشبه مواويلاً تنتهي بحشرجات
ليسَ لها حاسوبٌ شخصي، غيرَ أنها تعرف أعمارنا من باطن كفّها
وقد تستعينُ بعريشة الدّار..
تفتقِدُنا الآن -بعدَ كلّ الشجارات القديمة-
و عندَ كلَ مساءٍ تقول لأبي: افتح هذا الشيء لنرى الأولاد قبل انقطاع الضوء
فمن يدري، غداً قد لا نكون

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*