نزوة الأربعين.. زيجات مهددة بعد عشرات السنين

زيتون – وضحة عثمان
إن من أهم العوامل التي تدفع الرجال والنساء إلى الوقوع في تلك الأزمة، هو الفراغ الذي يعيشه الجنسين في تلك المرحلة، نتيجة التقاعد من العمل أحياناً أو انشغال كل طرف عن الآخر بأمور الحياة، مما يولد عند الرجل أو المرأة أو كليهما تصرفات غريبة، إلى درجة أن يحاول رجل في الخمسين من عمره معاكسة فتاة صغيرة ليثبت لزوجته التي تسير إلى جانبه أنه مازال شاباً، وفي الجانب الآخر تجد كثيراً من الزوجات يحاولن تقليد الفتيات الصغيرات بالملابس والتصرفات وحتى بطريقة الكلام للفت الانتباه، كما تكون أحياناً كثرة الهموم والأعباء أو الاهتمامات سبباً في محاولة أحد الطرفين أو كليهما للهروب من الواقع، ومحاولة الانشغال بأمور تدخل السعادة إلى قلبه من وجهة نظره.
لا تكتفي أم علي وهي تقوم بأعمالها المنزلية اليومية بمراقبة ابنها الصغير فحسب، بل تبقي عينها مفتوحة على أبوعلي الذي ازدادت وقفاته أمام المرآة في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد ما طرأ عليه من تغيير واضح في عاداته وزاد من غيابه عن البيت وضجره السريع منها، مع تغيرات تعرفها الزوجة بحدسها وخبرتها.

يزيل أبو علي بشكل يومي وبقلق بالغ بعض الشيبات اللواتي يظهرن على أطراف شعره، وقد دأب بعدها على صبغه مسبلا الصباغ على شاربيه أيضاً، متحملا سخرية أم علي وعدوانيتها وتوترها الذي انعكس على البيت كله.
وتسر أم علي لصديقتها أم محمد ما يقلقها من طباع زوجها المستجدة، متمنية لو توقف الأمر على الشعر والصباغ والضجر من البيت، أو عند المبالغة في ألوان اللباس، بل تؤكد جازمة أن زوجها يمر «بجهلة الأربعين» وأن الرجل قد دخل بحالة نفسية مرضية.

لم يكن ما تمر به أم علي هي مشكلة أم عمر مع زوجها، بل كانت باختلاقه المشاكل لأسباب تافهة أو دون أسباب، وتوجيهه الانتقادات اللاذعة لها باستمرار حول كل شيء (ملابسها وطريقة طهيها وترتيبها حتى لأثاث منزلها)، ومن ثم بقائه لأوقات طويلة خارج المنزل، علمت بعدها أنه تزوج من فتاة تصغره بعشرين عاماً، فما كان من أم عمر إلا أن تركت منزلها مصطحبة أطفالها وغادرت حياته.
يرجع الكثير من الاخصائيين أن يكون الخوف من الموت والشعور بتخطي العمر الجميل والاقتراب من النهاية هو ما يدفع أبو علي وأبو عمر وغيرهما الى تمردهم، وهو ما يشير إليه الاختصاصي النفسي «ياسر العمر» بقوله:

فشل الزواج بعد سنين طويلة غريب وغير مفهوم لمن لم يمر بهذه التجربة، والتي يقول لسان الشخص المصاب بها «لم يبق من العمر ما يُخشى عليه» وهو ما يبرر به لنفسه أن يفعل ما يشاء، ويتجاوز كل المحظورات التي كانت تقيده، ويغامر بما كان يحرص عليه، ومن هنا لا يعود أبو عمر مهتماً بمشاعر زوجته بل يتمادى الى درجة التجريح في انتقاده لها 

ولا شك أن ما مر به السوري في السنوات القليلة الماضية ترك آثاره في بنية الأسرة السورية وأفرادها، وهو ما انعكس بشكل كارثي على تماسكها واستمرارها، ولا أجد غرابة مما أشارت إليه إحصائية رسمية صدرت عن الهيئة السورية لشؤون الأسرة، من تزايد نسب الطلاق في المجتمع السوري إذ بلغ أكثر من ثمانية آلاف حالة في دمشق وريفها عام 2015 تتضمن المناطق التي تحت سيطرة النظام فقط، وهو ما أكده القاضي الشرعي الأول في دمشق محمود المعراوي، بأن الأرقام تشير إلى ارتفاع حالات الطلاق بنسبة 120% خلال عام 2015، في حين لم تكن حالات الطلاق لتتجاوز الثلاثة ألاف حالة في الأعوام التي سبقت الثورة، لكنها قفزت بشكل كبير الى مئة حالة يوميا بين عامي 2013/2011 لتصل ذروتها في عام 2015 بمجموع بلغ 7300 حالة بحسب المعراوي.

بالطبع لا تعود أسباب ارتفاع حالات الطلاق في سنوات الحرب الى أزمة سن الأربعين كلها، لكن العجز عن فهم الشريك واستيعابه تتضاعف في الأزمات، فخديجة التي زوجت أبناءها الأربعة وبناتها الثلاث، لم تسمح لظروف الحرب أن تأخذ زوجها منها، رغم الموقف المحرج الذي اعتبرته فضيحة بالنسبة لها، حين تزوج بشكل صوري من زميلة له في العمل، وهو الجد المتزن والمعروف بمحبته لبيته وأسرته، لم تتهاون خديجة في إصلاح الموقف، وبشكل مكثف وجدي تمكنت من إقناع زوجها بالعدول عن الزواج والعودة الى منزله، وإصلاح ما تخرب.

ما قامت به خديجة هو ما تنصح به نورة جبران الأخصائية الاجتماعية في حديثها لموقع اسأل طبيبك:
«يخفق الكثير من الرجال والنساء في التعامل مع أزمة منتصف العمر لدى الشريك، فيبدأ كل منهما بانتقاد الآخر ولومه والتشكيك فيه، ما يُفاقم الخلافات بين الزوجين ويزيد الفجوة بينهما».
وعن الإرشادات التي تنصح بها جبران لتجنب وتخفيف حدة الأزمة تقول:

«إذا كانت الوقاية أسلم وأفضل من العلاج، فلا بد من الحرص على بناء أفراد أسوياء نفسياً، ومشبعين عاطفيا منذ طفولتهم مروراً بالمراهقة والشباب وصولاً إلى الحياة الزوجية، والتي تعتبر الفترة الأطول والأكثر صعوبة في حياة الإنسان، نظراً لظروف التواصل والاحتكاك اليومي للإنسان بالشريك والأبناء، فالأشخاص الذين يحصلون على الحب والاهتمام والعلاقات الزوجية المُرضية، تتدنى بشدة احتمالية مواجهتهم لأي صعوبات في منتصف العمر، والتي تتطلب ذكاءً شديداً وتسامحاً مع الشريك، فما يمر فيه حدث طبيعي «لا إرادي»

إلى ذلك لم تعثر أم علي ما يفيدها في محنتها أثناء بحثها سوى أقوال مبعثرة هنا وهناك فلا دراسات ولا بحوث مختصة تقدم شرحاً واضحاً لما يمر به زوجها، حتى أن مؤلف كتاب «التعامل مع أزمة منتصف العمر» الدكتور «ديريك ميلن»، أخصائي علم النفس السريري يقول:
«إن البحث العلمي عن أزمة منتصف العمر قليل جداً، وإن ما لدينا من البيانات العلمية محدود من حيث النوعية والدراسات الموجودة، وإن أغلب ما صدر من المواد المكتوبة عن أزمة منتصف العمر بشكل كتب، أنتجه صحفيون بدلاً من الباحثين المُدرّبين، وتكون هذه الإصدارات سطحية ووصفية».

ومن الملاحظ أن ما يمر به الرجال والنساء في ما يسمى بأزمة منتصف العمر لا يطول كثيراً، إذ تحمل الأزمة في ذاتها أسباب انتهائها، فما كان دافعاً يصبح مثبطاً، ويعود الرجل إلى الملل من جديد، وسرعان ما يتراجع الى كهوف سلامته وأمنه، مؤثراً ما عرفه واعتاده ووثق به، على ما استجد عليه وعلى حياته، وهو ما انتهت به مسرحية «العيال كبرت» حين يتراجع الزوج عن السفر للزواج من امرأة أخرى، ويرمي حقيبته في آخر لحظة قبيل سفره ويضم أبنائه إليه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*