“بدبرا الله” المفهوم الاقتصادي لأبو محمد في وقفة العيد

زيتون – وسيم درويش

أمضى “أبو محمد” طيلة أيام رمضان في هذا الموسم ساهراً حتى أذان الفجر، فهو لايمكنه أن يمضي يوماً كاملاً من الصيام دون وجبة السحور، وكان قد أقسم على أن لا يصوم اليوم الذي لا يقتنص في ليلته وجبة السحور.

هاتفه الجوال لا يفارق يديه طيلة ساعات النهار وحتى أذان الفجر موعد نومه، وسيلته لتناسي المصاريف الباهظة لأيام الشهر الفضيل.
ما أن اقترب العيد وحلت وقفته حتى راحت أم محمد تطالبه في كل لحظة بشراء مستلزمات العيد من الضيافة، وراح الأطفال يطالبون بالأنواع المختلفة من الشوكولا والبسكويت، بينما يبتلع أبو محمد لعابه مع كل نوع يذكره أبناؤه، مستحضراً الكم الكبير من المال الذي أنفقه في الشهر الكريم.

كيف لا يختنق أبو محمد وكل نوع يطالب به أبناؤه لا يقل ثمنه عن الأربعة آلاف ليرة سورية للكيلو غرام الواحد، ما دفعه للتظاهر بالإغماء، مرتمياً على الأرض، وقد تخشبت أطرافه وجف الدم في عروقه رعباً وهلعاً، ما جعل أم محمد والأولاد يتوقفون عن مطالبته لدقائق معدودة، ويبدؤون برشقه بالماء كي يصحو.

عندها أيقن أبو محمد أنه لا مفر، فاستيقظ من غيبوبته المصطنعة، واتجه إلى سوق المدينة حاملاً معه قائمة مطولة تعج بأنواع الحلويات ذات الاسعار الكاوية.
لحظات ويعود إلى منزله وعلامات الفرح ترتسم على وجهه، بثغر باسم وعينان ضاحكتان، لقد وجد الحل، فرب ضارة نافعة ومصائب قوم عند قوم فوائد، فحوادث تفجير السيارات المفخخة في بلدات ريف إدلب الشمالي، أفقدت الأسواق زخمها، وبات الاقتراب منها بمثابة المخاطرة، هي حجته القوية للتملص من خمسة عشر ألف ليرة سورية ثمن حلويات العيد.

حلويات العيد تدفع أبو محمد للتفكير مطولاً في جدواها
يفكر أبو محمد بجدوى هذه العادة والموروث، وما الضرورة القصوى في شرائها، محاولاً التهرب بطريقة فلسفية بالاستغناء عنها.
هل هناك أي فائدة منها سوى أنها مظهر من مظاهر العيد؟
أليس لها تأثيرات أو مضار على الأطفال في حال تناولها بكثرة؟ أو على الكبار بتناولها بعد صيام شهر؟
أليست وسيلة للتفاخر وإظهار الفوارق الطبقية بتفاوت أنواع الحلويات المقدمة بين العائلات، ودليلاً عكسياً على روحانية شهر والغاية منه في إلغائها؟
ويرى أبو محمد بالنتيجة أن الفائدة الوحيدة من شراء هذه الحلويات هي أنها ممارسة لعادة اجتماعية سيئة من منظوره، رغم أنها موروث تراثي لا يقبل الجدل.
يعتبر الحاج “محمود القرجي” (70 عاماً) من أهالي مدينة كفرنبل أن حلويات العيد من الأشياء الضرورية التي يجب أن تكون حاضرة في مراسم احتفالات عيدي الأضحى والفطر، مشيراً إلى أنه لم يعهد يوماً في حياته أن تنازل هو أو أحد أفراد أسرته أو من يعرفهم عن شراء حلويات العيد أبداً.
ويستدرك الحاج “القرجي” أن الفرق في حلويات العيد ما بين الماضي والحاضر هو أن النساء قديماً كنّ يعتمدن على الحلويات المصنعة في البيت، أما الآن فقد “تغنجت” النساء، وأصبحن يعتمدن على حلويات السوق ذات الأسعار العالية.

وتحت الضغط الأسري لا تدوم أفراح أبو محمد طويلاً، إذ يتوجه مجدداً إلى السوق، وذلك بعد أن يستسمح الأهل والأولاد والزوجة، ويعانقهم ويلبس درعه الواقي.

ولدى بحثه في المحلات كان يتجاهل متعمداً الأنواع الفاخرة لتتجه يداه بحركة لا إرادية إلى تلك الأقل ثمناً، ينفض جيوبه من الغبار، مدعياً أنه قد نسي محفظته في المنزل، متعهداً للبائع بدفع المبلغ بعد انتهاء العيد، وهو يعلم جيداً أنه لن يستطيع تسديد الإحدى عشر ألف ليرة قبل بداية الشهر الجديد، وأن المبلغ سيبقى تحت اسمه في دفتر ديون البائع حتى ذلك الوقت على الأقل.
تتراوح أسعار الحلويات مابين 1500 ليرة سورية وحتى 15 ألف ليرة للكيلو غرام الواحد لبعض الأصناف، وتبقى الأصناف الأولى كالبرازق والبقلاوة والمعمول والأصابع، مخصصة “للدراويش”، أما باقي الأصناف فلها أهلها وزبائنها، كما يقول أحد الباعة.
لمجرد رؤية الأكياس السوداء بحوزة أبو محمد ارتسمت البهجة على وجوه أطفاله، تلك الأكياس التي تحمل بداخلها العيد بالنسبة للأطفال، فيشعر بالفرح لفرحهم متناسياً ما مر به من مصاعب، ومردداً “بدبرا الله”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*