الريحان.. عيدية المحبين لأمواتهم

زيتون – غسان شعبان

نظراً ما للأموات من حيز في حياة السوريين منذ القدم، ازداد في السنوات الماضية نتيجة لغياب الكثيرين عن عائلاتهم وسكناهم تحت الأرض، يحرص الأهالي كل صباح عيد على زيارتهم وتأدية واجبات المعايدة تعبيراً عن الوفاء والشوق لهم.
بباقات الريحان أو ما يدعى الآس في مناطق أخرى، يتوجه المحبون إلى قبور ذويهم لتزيينها، مختارين هذا النوع من أغصان الأشجار نظراً لديمومة خضرته ونضارته ورائحته الزكية.


وربما جاءت تسميته بالآس من “آسى” أي عوضه عما فقد، وأعانه على النسيان، وهو بهذا المعنى يعطي السلوى للمفجوعين بفقد أحبتهم، كما تذكر الكثير من الأمثال الآس كنوع من المحبة والتودد كـ “تشكلي آسي” التي درجت المسلسلات الشامية على تكرارها على لسان النساء الشاميات بكثرة، كما يقال “المقبرة بلا آس ما بتنداس” تدليلاً على ما له من قيمة جمالية في المقابر.
تفترش أعواد الريحان أرصفة الأسواق قبل يوم من العيد، في إيمان أكيد من الباعة على طلب بضاعتهم نتيجة العادة المتأصلة عند الأهالي.
“محمد العمر” من بلدة “نحليا” وأحد بائعي الريحان قال لزيتون:
أعمل طيلة شهر رمضان على بيع قوالب الثلج، وقبل العيد بثلاثة أيام أقوم ببيع الريحان لكثرة الطلب عليه من قبل الأهالي، وهو نبات دائم الخضرة، نجلبه من الغابات والأحراش في المناطق الرطبة، وهي غصينات شجرة “الحبيبلاس” كما تسمى في محافظة إدلب، نقوم بقصها وترتيبها ضمن باقات لتباع في الأسواق، لا يتجاوز سعر الباقة منها 100 ليرة سورية بما يعادل 150 ليرة للكيلو الواحد”.

وعن تواجد هذه الشجرة ومناطق توفرها يقول “اسماعيل العلي” أحد تجار الريحان وموزعه على الباعة: “لا تنمو هذه الشجرة بكثرة في المناطق الجافة، بل تحتاج إلى بيئة رطبة، مثل المناطق الواقعة ما بين جسر الشغور والساحل السوري، إذ تنمو في الأحراش والغابات، وتنتج ثمار شهية الطعم إضافة لرائحتها العطرة، وتبلغ هذه الشجرة في بعض الأحيان حوالي الأربعة أمتار”.
ويضيف “العلي”: “الكثير من العطارين يطلبون أوراق هذه الشجرة، نظراً لتركيبتها العطرية، من أجل استخراج زيتها المستعمل في صناعة العطور وذلك بعد تقطيره، كما له خاصية طبية تستعمل في الطب الشعبي”.

ما أن ينتهي المصلون في صباح العيد من صلاتهم حتى يتوجهوا إلى باعة الريحان، في حين تكون النساء بانتظارهم للتوجه إلى قبور أبنائهم وأقاربهم وقراءة القرآن لهم، تنظف القبور ويوضع الريحان عليها ويسقى بالماء ليدوم اخضراره أطول وقت ممكن.

“حسن صيصان” من أهالي مدينة سراقب يؤكد اتباعه هذه العادة منذ صغره وحتى الآن معرباً عن إيمانه بها نظراً لكونها سنة نبوية وتقليداً قديماً، فيما يرى “سامر كفرنطوني” ما لهذه التقاليد من قيمة روحية ورمزاً للرحمة والمحبة، مؤكداً على شراء الريحان في كل عيد كما الألبسة الجديدة للصغار والحلويات.
وتستخدم أغصان الريحان من قبل الصيادين في بعض المناطق لصيد الطيور، وذلك بوضع مادة لزجة ولاصقة عليها، يعلق فيها الطير الذي تجذبه رائحتها ولذة ثمارها، كما تعتبر شجرة الريحان شجرة مباركة تم ذكرها في كثير من المواقع في القرآن الكريم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*