العيادة النفسية ضرورة لا داع للخجل منها.. حوار مع الطبيب النفسي سعيد عز الدين

أجرى الحوار: وسيم درويش

«اﻷلم النفسي بؤس وعذاب، هذا ما يعرفه جيداً أولئك الذين يرهقهم الخوف، والقلق، والشعور بالذنب، والانحرافات في الشخصية والاكتئاب، يبحث الإنسان عن مخرج بكل الطرق المتاحة لكنه لا يستطيع، وليس من السهل أبداً أن يصل إلى سبب هذا العذاب أو أن يشفى منه».

بهذه الكلمات يلخص الطبيب سعيد عز الدين الأمراض النفسية والتي برزت أهميتها في هذه الآونة بشكل أكثر، نتيجة التغيرات والمستجدات الحاصلة على الصعيد المحلي والخارجي، ما أوجد كثرة في الحالات النفسية المتعلقة بالقلق والاكتئاب والخوف وغيرها لدى الكبار والصغار.
زيتون التقت الطبيب «عز الدين» للوقوف عند هذا المجال والاطلاع عليه وكان الحوار التالي:

يقولون أن العيادات النفسية للمجانين فقط ، هل هذا الكلام صحيح؟

ــ هذه النظرة الخاطئة للطب النفسي حرمت الكثير من الناس حقهم في طلب العلاج الصحيح، وتركتهم يصلون إلى حالة يصعب بعدها العودة إلى حياتهم الطبيعية، هذه النظرة السلبية للعلم فتحت الباب أمام الدجالين والمشعوذين ليمارسوا تجارتهم على حساب آلام الناس، باختصار أعتقد أن الكثير من الأسر تجهل أهمية العلاج النفسي.

ماهي العقدة النفسية؟

ــ الخلط واسع في الشارع، وما من مصطلح نفسي أكثر تداوﻻً من هذا المصطلح، فكل من هب ودب يصف فلاناً بأنه معقد، أو يقول أنا لدي عقدة الخوف أو عقدة الخجل أو أنا معقد من كذا، إن جميع ما يصفونه هو أبعد ما يكون عن وصفه بالعقدة النفسية، فالعقدة لا تظهر بهذا الشكل، كل ما نراه ونصفه بأنه عقدة نفسية هو بالحقيقة «عَرَضَ» من اﻷعراض لعقدة أو عصاب، فالخجل والخوف وكل ما نسميه عقدة هي أعراض وستموت وتنهار واحدة تلو اﻷخرى إذا وصلنا لجذر المشكلة، ومن هنا فإن جميع اﻷعمال التي توصف بأنها علاجات نفسية و تقوم على مهاجمة اﻷعراض فإنها ﻻتجدي نفعاً، فسرعان ما ستعود وتظهر من جديد.

لو أردنا التعرف على أكثر شرائح المجتمع التي تتعرض أكثر من غيرها للحالات النفسية وتقومون بإرشادها وتوجيهها، هل هي فئة الشباب أم الكبار، رجال أم نساء؟ وما نصيحتكم لهم بالذات؟

ــ الاختصاصي النفسي لا يميز بين الآخرين مهما كان جنسهم أو عمرهم، لكن بما أن الأطفال لم تكتمل لديهم اللغة والمنطق، فقد يحتاجون لرعاية أكبر وفهم أكثر، ولذلك فمن المهم إدخال بعض وسائل التفريغ النفسي كالرسم واللعب وغيرها لحل بعض المشكلات النفسية لديهم، وهو الشيء الذي يحتاج لأماكن خاصة غير العيادة، لكني لا أمانع أبداً من استقبالهم ومساعدتهم بقدر إمكانيتي وفهمي.

ما مدى العلاقة بين الأمراض العضوية والأمراض النفسية؟

ــ يعتقد الكثير من الناس أن الأمراض النفسية تظهر على شكل أعراض نفسية فقط، هذا الكلام غير صحيح، فالعلاقة بين الأمراض العضوية والنفسية متشابكة إلى حد كبير، بعض الأمراض العضوية تؤدي بالنتيجة إلى مرض نفسي، وأذكر على سبيل المثال مرض التليف العضلي، فهو مرض يبدأ بتليف عضلة ويؤدي للاكتئاب، كذلك هو الحال في قصور أو فرط نشاط الغدة الدرقية، وبالعكس قد تؤدي بعض الأمراض النفسية إلى أمراض عضوية، وأذكر على سبيل المثال متلازمة القولون المتهيج أو الصداع التوتري أو آلام المعدة والمفاصل والظهر، هناك الكثير من الأمراض النفسية التي تعبر وتفصح عن نفسها بأعراض عضوية، بما يسمى علمياً بالأعراض التحويلية الانشقاقية أو الهستيريا، ونذكر منها الإقياء ذي المنشأ النفسي، وقد تصل إلى أبعد من ذلك بكثير، فقد يحدث عمى أو شلل أو خرس.

دعنا نلخص ما قلناه: الأمراض النفسية تظهر بإحدى ثلاث أشكال: فإما أن يأتي المريض ويحمل الكثير من الأعراض النفسية فقط دون وجود أعراض جسدية، أو أن يأتي وهو يعاني الكثير من الأمراض العضوية (ألم ظهر، قولون، إقياء… الخ) دون أن يرافقها أعراض نفسية، مما يجعلهم يعتقدون أن السبب هو مرض عضوي. الحالة الثالثة تجمع الحالتين السابقتين حيث يأتي المريض بأعراض نفسية وجسدية، مثل أن يأتي وهو يعاني من القلق مع خفقان في القلب، لكن دعنا لا نفتح الباب على مصراعيه لنقول إن كل الأمراض سببها نفسي المنشأ، هناك أمراض سببها عضوي ولها الأولوية في الفحص والتشخيص، وعندما نبحث في الأسباب الجسدية ولا نجد السبب، هنا لا بد من البحث في الأسباب النفسية، بالنسبة للاختصاصي الخبير يستطيع التفرقة بين المرض التحويلي الانشقاقي (النفسي) وبين المرض العضوي.

ما الذي يجري خلال الجلسات وما هي طريقة العلاج النفسي؟

– أولاً وقبل كل شيء إن كنت تبحث عن نصيحة معلّبة وجاهزة فهذه العيادة قد تكون فارغة تماماً من هذا الكلام وهذه النصائح، لقد ترسخ مفهوم خاطئ عند الكثير من الناس، يتلخص بأن المتخصص النفسي مهمته أن يستمع لمشكلة معينة، فيشخصها ويدرجها تحت اسم مرض معين، ويعطي مجموعة خطوات سحرية، أفعل هكذا فتنتهي المشكلة! فالسؤال الكبير المطروح هنا:
هل بالفعل أن طالب الاستشارة لا يعرف مسبقاً هذه الخطوات والنصائح العامة؟ فمثلاً عندما يطلب اختصاصي نفسي من شخص لديه مشكلة نفسية أن يصبر ويتوكل على الله ويواظب على صلاته ويقرأ الأذكار ويثق بنفسه ويصبر على البلاء وغيرها من نصائح، هل يا ترى أن الشخص – طالب الاستشارة- لا يعرف هذا الكلام؟ وإذا كان يعرفه فأين الخدمة التي تم تقديمها لهذا الشخص؟

كم جلسة علاجية يحتاجها المريض كي يشعر بالارتياح؟

ــ العلاج النفسي هو عمل عظيم، ونتائجه كبيرة، لكن هذه النتائج لن تظهر بشكل سريع، ومن هنا كان الفرق بينه وبين الأعمال السحرية، فالسحر يعطي مفعوله بنفس الوقت، ويحدث التغيير فوراً، أما التحليل فنتائجه تظهر ببطء، ولكنها مع ذلك تحدث التغيير الذي يعطي المفعول الدائم، كما أن الحصول على نتائج العلاج ﻻ تقتضي الانتظار حتى ينتهي، إذ تتجلى منذ أن تتحرر بعض الطاقات التي تجمدت في عصاب نفسي.

لماذا لا تختصر الجلسات بجلسة واحدة؟

ــ لنفرض أن شجرة انحنت خلال سنين من فعل الرياح، فمن المؤكد أنه ليس بالإمكان تقويم هذه الشجرة دفعة واحدة تحت طائلة كسرها فوراً، أو لنفرض أن كسراً بسيطاً في عضو من الأعضاء في الجسم قد حصل، فهل نستطيع تقويمه في يوم أو يومين؟ أم أنه يحتاج لشهر وأكثر في الجبس؟ هذا الوضع في الجبس يعطي ما يقارب 800 ساعة إذا احتسبنا أنه يبقى لأربعٍ وعشرين ساعة في اليوم، فكيف إن كنا نتحدث عن كسر بليغ في الشخصية نشأ واستمر لعدة سنوات؟

هل يستطيع الإنسان أن يعالج نفسه دون الحاجة لاختصاصي نفسي، وهل يمكن التغلب على المرض النفسي كالاكتئاب والخوف و الوسواس بقوة اﻹرادة؟

ــ مما ﻻ شك فيه أن الإنسان يستطيع أن يدرك بعض اﻷمور البسيطة في حياته، ويعدلها نحو اﻷفضل، وهذا ما يسمى بعلم النفس “مبدأ الاستبطان”، أما فيما يتعلق باﻷمور العميقة، فهذه الأمور مكبوتة في الأعماق وﻻ يستطيع رؤيتها بنفسه مهما حاول، فالجراح ﻻ يستطيع أن يجري عملية جراحية على نفسه حتى وإن كان يعرف أين يوجد هذا العضو وكيف ستتم العملية، المسألة تشبه محاولة العين لرؤية نفسها، وبالتأكيد لن تستطيع هذه العين أن ترى نفسها إﻻ إذا تم استخدام المرآة، هذه المرآة هي المعالج النفسي.

ماذا عن حصول أحد الأقرباء كالأب والأم أو الزوج أو الزوجة على معلومات أو تفاصيل أو أجزاء من كلام المريض أثناء الجلسات؟

– السرية هي أصل العمل، وإما أن يثقوا منذ البداية ويوافقوا على هذا الشرط، وإما فلا مجال للحصول على أي معلومة مهما كانت صغيرة، وأي طلب مثل هذا الطلب سيقابل بالرفض مباشرة، يستطيع الأقارب أن يشاهدوا نتائج العمل النفسي الذي نقوم به في حياة المريض اليومية ويشعرون بالفرق أو التحسن، لكن لن يستطيعوا رؤية العمل النفسي.

وفي النهاية ليس هناك نصيحة أو وصفات جاهزة للعلاج، والسبب عدم وجود شيء سطحي يؤلم الإنسان، إلا أن بعض من تجار الحلول السهلة يسرحون ويمرحون مستفيدين من ضعف الناس وحاجتهم لقشة يتعلقون بها، ومهمة الأخصائي النفسي أن يقود هؤلاء المرضى إلى حالة من النضج العام عبر التقنيات النفسية.

ختاماً فإن الصحة النفسية هي حالة من النضج والعافية يستطيع فيها الإنسان إدراك مكانته الخاصة، والتكيّف مع ضغوط الحياة العادية، والعمل بشكل منتج ومفيد في مجتمعه المحلي بقدر ما يستطيع.

*الطبيب «سعيد فيصل عز الدين» أحد أبناء قرية معرزاف في ريف حماة، حاصل على ماجستير بعلم النفس السريري، دبلوم بعلم الأدوية من جامعة «موناش» الأسترالية، وشهادة بعلم النفس والصحة العقلية من جامعة «ليفربول»، ودبلوم بعلم وظائف الأعضاء والتشريح، باحث وكاتب في المجال النفسي والطبي، معالج نفسي ومؤسس مبادرة خواطر نفسية التي يكتب بها نخبة من الأطباء النفسانيين العرب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*