وسط فرضيات إطلاق واشنطن يد موسكو في إدلب: «جبهة النصرة» تدير التوحش وتهدد وجود «أحرار الشام»

القدس العربي – منهل باريش

«القدس العربي»: يتعقد المشهد في الشمال السوري بشكل كبير، ويطرأ تغير واضح على التحالفات وخرائط السيطرة فيها، وتتسع دائرة سيطرة «هيئة تحرير الشام» على حساب «حركة أحرار الشام» الإسلامية.
واستطاعت الهيئة السيطرة على أحد أكبر معاقل الحركة، وهو معسكر بابسقا المشرف على معبر باب الهوى على الحدود السورية التركية، والتقدم باتجاه المقر 106 الواقع على بوابة المعبر الخارجية. وكثف مقاتلو الهيئة رمايات رشاشاتهم على المعبر بشكل كثيف، ما دفع المتواجدين من قيادة الأحرار إلى الالتجاء نحو نقطة التفتيش التركية.
وتسبب الاقتتال الحاصل بين أحرار الشام وتحرير الشام في انشقاق حركة نور الدين الزنكي (أكبر فصائل الجيش الحر في الشمال) من الهيئة، بسبب ما اعتبرته الزنكي، في بيان نشرته على معرفاتها الرسمية، «تجاوز مجلس شورى الهيئة، وأخذ قرار قتال أحرار الشام، علما أن تشكيل الهيئة بُني على أساس عدم البغي على الفصائل».
وخرج «فيلق الشام» عن صمته، وأصدر بيانا مع الزنكي يعرب عن «تدخله كقوة فصل تسعى بالإصلاح بين الطرفين». إلا أن البيان لم يكد حبره يجف حتى اتهمت الزنكي فيلق الشام بأنه بعد البدء بتسيير الأرتال للفصل بين الطرفين المتنازعين، قام فيلق الشام بسحب ارتاله وتراجعه عن القرار، وأعلن عن «توقيف الأرتال وإرجاعها إلى مقارها».
وكان القتال بدأ في عدة نقاط في جبل الزاوية، كانت «تحرير الشام» قد انتزعتها من «أحرار الشام» الأمر الذي دفع الأحرار إلى الرد بطرد «الهيئة» من بلدة سرمدا (المجاورة لمعبر باب الهوى) والتقدم شرقا إلى الدانا. وانتقلت الاشتباكات إلى عدة مناطق، سيطر خلالها قطاع البادية على قرية تل الطوقان، الواقعة على طريق سراقب ـ أبو الظهور، وقام بإخراج ألوية أحرار الشام في منطقة القطاع عن الصراع عبر تحييد بعضه، ومحاصرة مناطق جغرافية كاملة، مثل جرجناز ومنطقة جبل الحص وسنجار، ومنع حركة آليات ومقاتلي الحركة من التنقل ومؤازرة مناطق أخرى.
وانتقلت الاشتباكات إلى مدينة سراقب، حيث قام قطاع البادية، مدعوما من كتائب من «قوات النخبة» التي يشرف عليها أبو محمد الجولاني، بحصار سراقب من كل الاتجاهات، واقتحامها والسيطرة عليها في أقل من عشر ساعات. وتمكن مقاتلو الجولاني خلالها من أسر أبو عزام سراقب، قائد لواء المثنى، أبرز ألوية «أحرار الشام» بعد الهجوم على مقر قيادة «جبهة ثوار سراقب» حيث التجأ. كذلك قامت «تحرير الشام» بسلب بعض آليات وسلاح «جبهة ثوار سراقب» والسيطرة على رحبة الدبابات لديها، إضافة إلى ورشة تصنيع الهاون، حسب ما صرح قيادي عسكري فيها.
وقامت «تحرير الشام» بإطلاق النار على المتظاهرين المدنيين الذين تدخلوا لمنع الهجوم، وأسفر ذلك عن مقتل الناشط الإعلامي مصعب العزو، الذي وقف عاري الصدر مع رفاق له، حسب فيديوهات وصور بثها ناشطون من المدينة.
وأدى مقتل العزو إلى حالة غليان كبير في سراقب، تظاهر على أثرها قرابة 2000 مدني من أبناء المدينة، أجبروا خلالها مقاتلي الهيئة على الخروج من مبنى محكمة سراقب، وانسحابهم خارج المدينة. وما تزال مستمرة المظاهرات المنددة بتحرير الشام، والمطالبة برحيلها خارج المدينة.
في السياق، تتضارب الأنباء حول نقل مقاتلين من منطقة «درع الفرات» إلى إدلب، لكن دخول أول دفعة من «أحرار الشام» نُقلوا من اعزاز إلى باب الهوى لصد هجوم الهيئة، لم يكن كافياً. ولم يستطع المقاتلون تغيير كفة ميزان الحرب على المعبر.
ومن الواضح أن السيناريو الذي رسمه النظام السوري لتحويل إدلب إلى منطقة سوداء، تسيطر عليها «القاعدة» وتقيم فيها إمارة إسلامية، بدأ يتضح أكثر مع عدوان اليوم. فاقتلاع «أحرار الشام» من طريق الجولاني سيسهل سيطرته على باقي المناطق التي عصيت عليه في الأيام الماضية، وسيستمر في ذلك بعد تقطيع المناطق والطرق، ومحاصرة بعض القطاعات والقرى التي تتواجد فيها «أحرار الشام».
ويُستغرب صمت غرفة عمليات الشمال، التي تشرف عليها وتدعمها غرفة عمليات دعم المعارضة «الموم» والتي يقودها القيادي العسكري لفيلق الشام، العقيد فضل الله الحجي، وتنضوي فيها كل فصائل الجيش الحر في المحافظات الشمالية، حلب وإدلب وحماة واللاذقية.
وأكدت مصادر عسكرية مقربة من «الموم» أن واشنطن لم تدخل في القتال الحاصل بشكل نهائي، ولم توجه الفصائل بأي قرار بشأن ما يحصل في الشمال السوري، وهو ما يؤكد فرضيات إطلاق يد موسكو في إدلب، وتركها تواجه تنظيم «القاعدة» هناك. في المقابل، يتركز القرار الأمريكي على الوصول إلى منابع النفط والغاز في شرق سوريا.
من جهتها، فان تركيا لن تتورط باتخاذ قرار التدخل في ادلب، فمبررات التدخل التركي بشأن محاربة تنظيم «الدولة» ومحاربة «حزب العمال الكردستاني» وذراعه السورية لاقت قبولا سياسيا لدى المعارضة التركية، ومكنت الرئيس التركي من اتخاذ القرار. أما فيما يخص التدخل في ادلب فالإجماع عليه غير موجود تركياً، إضافة إلى اعتراض روسي على أي عملية تقوم بها أنقرة داخل الأراضي السورية، اذ تُعتبر منطقة ادلب وجوارها تحت النفوذ الروسي.
السيطرة على معبر باب الهوى تحد ّمن قوة الأحرار، بشكل طبيعي، لكنها لا تعني القضاء عليها. فالحركة تسيطر على مناطق واسعة في حماة وسهل الغاب، إضافة إلى كامل منطقة رام حمدان ومعرة مصرين، وصولا إلى كللي وحزانو.لكن إن لم يستطع «أحرار الشام» تدارك المسألة، فإن إنهاء الحركة سوف يكون المصير، خصوصا مع تربص الأصدقاء والأعداء، فكلّ منهم يريد أن يضم الألوية والكتائب المعتزلة إلى صفوفه.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*