لا الشمس تمنعهم ولا السهر يُغريهم.. فقل لمن يجمعون القمامة شكرا

زيتون – غسان شعبان
بخطواته الهادئة وثيابه المتواضعة، يخرج من منزله والثقة تعتلي جبينه، تارةً في ساعات الفجر المبكرة، وتارةً في المساء، لا تمنعه أشعة الشمس الحارقة من ممارسة عمله، كما لا يغريه السهر ليلاً، تنتظره أكياس نفايات سوداء، وبقايا طعام، وأثاث عتيق، وحجارة متناثرةٍ من أنقاض قصف البارحة، ليجمل وجه المدينة بأدواته البسيطة.
يدعونه “أبو ديبو” وله من العمر 44 عاماً، يعمل في قطاع النظافة في ريف إدلب، ويناضل بشرف لكسب لقمة أولاده الأربعة وأمه التي تعيش معه.
لم يتذمر رغم مرور خمسة عشر عاماً على عمله، ولا يخجل منه، ولا يأبه بزيف المتعجرفين، يعمل على تنظيف شوارع المدينة وأزقتها بدوامٍ صباحيّ وآخر مسائيّ، يحب عمله ويقدسه، ويقوم به على أكمل وجه، مدركاً لما يقوم به بشكل عفوي وبريء، متمسكاً بعمله ومتعلّقاً به، وعلى الرغم من الراتب القليل الذي يتقاضاه من المجلس المحلي في المدينة، وهو عبارة عن ثلاثين ألف ليرة سورية، في فترة بلغ فيها سعر ربطة الخبز 200 ليرة سورية، لم يتأخر أبو ديبو يوماً عن عمله.

باحترام بالغ يقابل كل الناس الذين يقدرون عمله، أولئك الذين ينتظرون مروره ليزيل عنهم عبئاً ثقيلاً، مدركين معنى وجوده في الحياة.
وأبو ديبو ليس الوحيد الذي يحارب بصمت دون كلل أو ملل، ويرى في النظافة إيماناً وجمالاً، وأماناً من الأمراض، بل هناك من يسمح لأفراد أسرته بمشاركته بالعمل، فقد قام أحد عمال النظافة بتنظيف مدرسة لإعادة تأهيلها في سراقب، بمساعدة أولاده الصغار، بسبب انشغال زملائه ورغبته في بدء عمل المدرسة.
ولم تسلم عرباتهم البسيطة، ومكانسهم من قصف الطيران، فقد استشهد العديد من عمال النظافة أثناء أدائهم واجباتهم، فضلاً عمن أصيب منهم.

في السادسة من صباح كل يوم، يتم توزيع العمال على الشوارع الرئيسية مع عربات وأدوات التنظيف، أما شوارع الأسواق الرئيسية فيتم تنظيفها بشكل مستمر صباحاً ومساءً، إضافة لتنظيف المؤسسات من أفران ومدارس وغيرها.
تحكي الحاجة “أم محمد” وهي مسنة من ريف إدلب عما يقدمه لها عمال النظافة من خدمات، فكبر سنها لا يسمح لها بالوصول إلى الحاويات، فيقوم العاملون الذين يأتون كل صباح بجرارهم إلى الحي، بطرق بابها لأخذ الأكياس منها بينما يتسابق بقية أهالي الحي إلى الجرار، وتسليم العمال أكياس القمامة، بابتسامة ود.

يصف “حسن عبيد” أحد الأهالي مهنة عمال النظافة بقوله: “عمل صعب وشاق، قلة من يمكنهم القيام به، يفعلون كل ما بوسعهم، ليحافظوا على شوارعنا نظيفة، يلبون دعوة كل من يحتاجهم، عملوا معي على تنظيف الأنقاض القديمة أمام بيتي، هم أناس طيبون يعملون بشرف لكسب لقمة عيشهم، وخدمة الأهالي”.

وبشهادة الكثير من الأهالي، عاش عمال النظافة في المناطق المحررة فترة من الإهمال بداية الثورة، لتقوم اليوم بعض الجهات الإدارية في محافظة إدلب، بالالتفات ولو بشكل محدود إلى هذه الفئة المهمشة، التي أخذت على عاتقها تنظيف المدينة وإعادة رونقها.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*