يوميات ممرضة

زيتون – ياسمين جاني

هي مهنة إنسانية أخلاقية بحتة، تتطلب أعلى مشاعر الإنسانية، تحتاج إلى خبرة وهدوء، ورحابة صدر كبيرة، وقلباً أبيضاً وضميراً نظيفاً، لا يعرف التواني عن القيام بواجباته، يعرف العاملون فيها “بملائكة الرحمة” وهذا أدنى ما يمكن أن يوصف به الممرضون، لقداسة المهمات التي يقومون بها، وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم.

 
“ياسمين” ممرضة في إحدى المشافي في مدينة جسر الشغور، تستيقظ في الصباح الباكر، تلبية لنداء الواجب الإنساني لتلتحق بعملها الذي اعتادت على ممارسته، منذ ما يقارب السنتين، أي منذ تحرير مدينة جسر الشغور.

ما أن يبدأ الدوام الرسمي للمشفى صباحاً، تلتقي ياسمين وجوه المراجعين والمرضى وهم منتظرين في القاعات حتى قدوم الأطباء والممرضين، لكل منهم قصته التي يرويها للطبيب المختص، فمنهم من يعاني من مشاكل عظمية أو داخلية أو قلبية أو جلدية وغيرها، ومنهم من أتى بحالة إسعافية كأزمة قلبية أو حادث سير أو إصابات جراء قصف المدينة.

وتسمع أثناء مرافقتها لطبيب الداخلية قصصاً كثيرة عن مشاكل المرضى، منها العضوية كالإصابة بالتهاب الأمعاء أو الحمى التيفية والمالطية نتيجة التلوث في المياه، أو الفساد في الأطعمة، أو طبيعة الجو في المنطقة وانتشار العدوى بين الناس، ومنها النفسية حيث أن الغالب في حالات المرضى هو الجانب النفسي، فالواقع الذي يعيشه الناس اليوم قد سبب ضغوطاً سيكولوجيةً كبيرة عليهم، أدت بهم إلى اضطرابات عضوية أو قلبية أو حالات انهيار عصبي.

“المريضة مريم” التي جاءت إلى الطبيب تشكي معاناتها من مرض في القلب، وتقول أن مرضها بدأ عندما تلقت خبراً عن استشهاد ولدها الوحيد الذي كان مرابطاً في خطوط الاشتباك مع النظام، فبدأت تشعر بضيق في التنفس وتسرع في ضربات القلب مما اضطرها لزيارة الطبيب والقيام بالفحوصات اللازمة، لكن الطبيب يؤكد لها بعد إجراء الفحوصات سلامة قلبها وخلوّه من أية مشاكل عضوية.

وفي تنقلها إلى قسم الإسعاف تقابل ياسمين امرأة في الأربعين من العمر وعلى وجهها المليء بالتجاعيد والذي يجعلها تبدو في الستين لا في الأربعين من عمرها، وعلى ثيابها دماءً تحكي حجم المعاناة التي تعيشها في حياتها اليومية، تحكي المرأة لياسمين قصة ظلم كبير تتعرض له حيث تقول بأن شقيقها وزوجته وبناته الستة قد أبرحوها ضرباً بالحجارة، ما أدى إلى حدوث جرح كبير في الرأس وكدمات على لوح الكتف، وهي تتوسل للطبيب بأن يعطيها تقريراً طبياً عن حالتها لتقوم برفع دعوى على شقيقها الذي يقوم بضربها دوماً دون اكتراثٍ لكونها شقيقته أو لعمرها الكبير ومكانتها في العائلة.

وعقب كل قصف تتوافد الإصابات إلى المشفى أغلبهم بحالة إسعافية وهم من المدنيين وقلة من المسلحين، لتجد ياسمين نفسها بين الأشلاء المتناثرة والرؤوس المدماة والجثث الهامدة، وبين أجساد تلفظ أنفاسها الأخيرة، وصرخات الاستغاثة والعويل، أمهات ينتحبن على فلذات أكبادهن، آباء عاجزون أمام توسل صغارهم، وزوجات مفجوعات، لتهرع ياسمين لتقديم كل ما يمكن تقديمه لهم محاولة إنقاذ هؤلاء الناس والحفاظ على أرواحهم وتضميد جروحهم وتحويل من يحتاج منهم إلى مشافٍ مختصة أو عناية مشددة.

في قسم الولادة نرى الأمل
بعكس الأقسام الأخرى المتخمة بالألم والموت والقصص والحكايا، ينبعث الأمل من قسم الولادة والذي يُعيد الفرح لياسمين ويُرجع الحياة التي سُلبت في باقي أقسام المشفى، فرغم الألم الذي تعانيه المرأة في مرحلة المخاض وملامح التعب والإجهاد التي تبدو على وجهها قبل الولادة إلا أنها تنسى كل ذلك ويتلاشى كل شعور الألم لديها بمجرد سماع صوت بكاء ابنها الذي خرج تواً من رحمها، فتشعر ياسمين بتجدد الحياة وبأنه رغم الموت والقصف والتشرد الذي تعيشه هي وجميع الأهالي إلا أن هناك متسعاً للحياة، ويدفعها شيء ما بداخلها لا شعورياً للإيمان بأن الحياة ستستمر رغم كل شيء، وأن هناك ما هو جميل فيها برغم كل الظروف.
وبعد نهار طويل من العمل المتعب تخلد ياسمين للاستراحة مع زميلاتها وهن في أعلى درجات السعادة نظراً لما قمن به، فكل مريضة هي أخت وأم وكل مصاب أخ وأب بالنسبة لهن، ومن الواجب عليهن القيام بخدمتهم على أكمل وجه وتقديم الخدمات الطبية والإنسانية اللازمة لهم. 
ومع انتهاء يوم العمل تنام ياسمين لتصحو على فصل جديد، ويوم جديد من العمل يحمل معه قصصاً وهموماً للناس، تختلف عن اليوم السابق أو تشابهه.

 
 
 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*