قطف التين.. صفو وسهر وعودة إلى الماضي

زيتون – محمد أبو الجود
علاقة تاريخية ووجدانية تلك التي تربط أهالي كفرنبل وأبناءها ببساتين التين، علاقة كتلك التي تربط بين السمك والماء، لا يمكنهم الصمود طويلاً بعيداً عنها، مما لهذه الشجرة من معنى عميق وروحانية في نفوسهم، حتى أنهم أحاطوا مدينتهم بها، ومنحتهم هي بالمقابل الظل والطعام والأمن الغائب للسكان الذين تعبوا في زراعتها.


ولا تقاعس هنا عن قطع آلاف الكيلومترات، من أجل عودة مؤقتة، وتناول بعض ثمار التين الطازج، مترافقاً مع وجبات الشواء وجلسات الصفو والسهر على ضوء القمر، وإن بدا أمراً مبالغاً فيه، لكن من لم يحضر هذه الجلسات ربما من الصعب أن يفهم قيمتها، وفقاً لمدمنيها.
“قتيبة العمور” شاب من كفرنبل عاد إلى مدينته تاركاً خلفه اسطنبول بجمالها وطبيعتها، لا لشيء سوى لجلسة تحت ظل شجرة وتناول بعضاً من حباتها الطازجة، برفقة السمار وجلسة صفو مع صديق قديم على ضوء القمر. 


أنا ابن هذي الأرض.. ابن التين والزيتون
آثر “قتيبة” مدينته كفرنبل على كل وسائل الرفاهية التركية، وكل ما فيها من مناطق الاصطياف التي يؤمها السيّاح من كل بقاع الأرض، ليعود إلى بلده الممزق الذي يعاني من حرب شعواء ودمار ونيران مشتعلة هنا وهناك، فقط ليعيش لحظات قطف ثمار التين، ليعيد ذكرى الأيام الخوالي من جلسات جميلة وطقوس وعادات تأصلت في وجدانه الريفي، حيث سهرات “المسطاح” وهو عبارة عن مجموعة من الحجارة السوداء تتربع فوق بعضها البعض كانت تبنى سابقاً في كل أرض بهدف تخزين التين فيها وتجفيفه، نعم لقد انحرف المسطاح اليوم عن وظيفته، لكنه تحول لمنتزه صغير، يجمع الأهل والأصدقاء، ويتبادلون فوقه ولائم الشواء والسهرات الهادئة على ضوء القمر.
عاد “العمور” إلى كفرنبل متحدياً تلك الحرب بأن تمزق عادات وتقاليد مدينته، قائلاً لها: “أنا ابن هذي الأرض.. ابن التين والزيتون.. والفلاح والمحراث.. أنا ابن الطبيعة الجبلية”.

تجسيد الحنين يبدأ منذ الليلة الأولى 
أبى “العمور” إلا أن يقضي ليلته الأولى في كفرنبل بعد عودته إليها مع جده، وفوق ما وصفها بـ “هضبة المسطاح”، تبادلا فيها أحاديثاً مطولة، اقتص الجوع منهما خلالها فقررا تحضير “الجرنة” وهو طبق كفرنبل الشعبي والغريب، كيف لا وهو يؤكل داخل مائدة حجرية مغمسة بالزيت البلدي.


ويستمع “قتيبة” إلى جده وهو يشرح له طريقة تحضير “الجرنة” قائلاً: “يجب أولا شواء الباذنجان على أعواد التين حصراً، لأن رائحتها وهي تحترق تكسبه طعماً لذيذاً، ومن ثم نبدأ بهرس الباذنجان بعد تقشيره مع البندورة والفليفلة الحارة والبصل في الجرنة بواسطة يد حجرية، وبعد الانتهاء تشبع بزيت الزيتون البلدي، مما يكسب أطرافها المبللة لمعاناً وبريقاً مميزاً يدفعك لتناول الطعام حتى وإن كنت متخماً”.
ومن ثم على حجرين صغيرين لا يفارقان مكانهما وقليلاً من الأعواد، يبدأان تحضير الشاي على الحطب بعد أن انتهيا من تناول الطعام مباشرة، فالوجبة الدسمة تحتاج خلفها كوباً من الشاي بحسب تقاليد أهالي كفرنبل أيضاً، ولكأس الشاي هذا عندهم مكانته الخاصة. 


وفي لحظة من الصمت تستحضر ذاكرة قتيبة مشهد الطعام الاسطنبولي فيبدأ بالقهقهة ويشرح لجده مبرراً: “إنها عبارة عن صينية بلاستيكية مقسمة لأربعة أطباق أو خمسة، طبقهم المفضل يطلقون عليه اسم “كفتة” وهي أربع قطع من اللحم مع قليل من البندورة، إلى جانب الحساء الذي لا يغيب عن أي مائدة، وحتى خبزهم يختلف عن خبزنا”.

ربيتها كل شبر بنذر
يهتم المزارع في مدينة ادلب بشجرة التين ويعتني بها وكأنها طفل، يزورها ويسقيها الماء ويتابع نموّها بشكل يومي كما يتابع نمو أطفاله، ويحرث الأرض من حولها ليُجمّلها لها، ويجلس في ظلها يحاورها ويشاركها أفراحه وأحزانه كأنها فرد من أفراد أسرته، كما هو الحال لدى الحاج “هاشم الدندوش”، الذي اعتاد أن يزور بساتين التين التي يمتلكها، في كل صباحٍ ويعتني بها، ويشكو لها همومه وأوجاعه، ويحكي لها قصصه، ومن شدة تعلقه بها والزمن الطويل على علاقته بها، يشعر الحاج هاشم بأن أشجار التين تفهم عليه، ويعتبر أن عمراً من الصداقة بينهما.
ينظر الحاج هاشم إلى أشجار بستانه مطالباً إياها بالوقوف إلى جانبه بظلالها وثمرها، وتُعينه على مر الأيام، كما وقف إلى جانبها طيلة السنوات الماضية وكدّ وتعب لتنمو وتُثمر.

تحضير دقيق ومنظم لموسم جيد
يحضر المزارعين لموسم التين بشكل منتظم ودقيق، حيث يبدأ تلقيح التين عن طريق شجرة “التوب”، وهي شجرة موجودة في البستان تحافظ ثمارها على خضرتها، ويقوم المزارع بقطف ثمارها وتجميعها على شكل حلقة دائرية ووضعها على أغصان أشجار التين.
وبعد ذلك يبدأ البعوض بالخروج من الثمرة وينقل البويضات إلى حبات التين، ليتم التلقيح، وبعد فترة من التلقيح يبدأ التين بالنضوج، أواخر شهر تموز من كل عام، وهنا تبدأ المعاناة الممتعة والاعتيادية للمزارعين، حيث يقوم بعضهم بنصب كوخ في البستان ينقل إليه احتياجاته ويخيم به طيلة فترة قطاف التين والتي تمتد لشهر، ويحرس التين خوفاً من سرقة المحصول، وفي الصباح الباكر يقوم بقطف التين الأسود الطازج ويملئ القرطل به ويذهب إلى السوق عارضاً بضاعته، أما التين الأبيض فلا يتم قطافه إلا بعد أن يجف، لأن سعره مرتفع جداً وهو مجفف.

وتعتبر تجارة التين من المهن القديمة التي يعمل بها أبناء محافظة إدلب، وتنتشر المحلات والمستودعات في بعض المدن والقرى لهذا الغرض.
“أبو الخير” أحد تجار التين المجفف في مدينة كفرنبل، يعتمد عليه في تأمين لقمة عيشه ويقول: “تنتج بساتين مدينة كفرنبل ما يقارب 500 طن من ثمرة التين، معظمها أبيض مجفف، أما التين الأسود فهو نادر بسبب انخفاض سعره وفي البستان الواحد توجد شجرة أو اثنتين فقط، تُؤكل ثمارها طازجة، ويبلغ سعر الكيلوغرام منها 300 ليرة سورية، أما الأبيض المجفف فيُصدّر إلى خارج سوريا بأسعار متفاوتة تتراوح ما بين 1200 إلى 1500 ليرة سورية”.
وحسب آخر إحصائية لمديرية الزراعة التابعة للنظام في إدلب قدر عدد أشجار التين في المحافظة بحوالي 850 ألف شجرة، والمثمر منها 837 ألف، وهي تتوزع على مساحةٍ تبلغ 3733 هكتار، ويصل إنتاجها إلى نحو 25 ألف طن.
وبعد صيف حار، باتت بلدات إدلب على موعد مع موسم التين، إذ يعتبر التين في معظم بلدات إدلب موسماً اقتصادياً رئيسياً يعود بمبالغ مالية جيدة على المزارعين والتجار.


أما “قتيبة” المندفع دائماً وبشكل جنوني للذهاب إلى البستان، والذي تخلص أخيراً من السمون التركي، يتمنى لو أنه يمضي إجازته كاملة في ظل أشجار التين، وأمامه أبريق شاي حضّره على موقد الحطب، إلا أنه لا يستطيع بسبب عمله الذي يأسر حريته ويحدّ من حركته، لتأتي ضغوط العمل وساعات الإلتزام، بالتزامن مع رغبته الجامحة بالخروج والسهر وتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه تحت ضوء القمر، والهروب من حالة التمدن المقيتة التي عاشها في اسطنبول، والتنعم بالحياة الريفية البسيطة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*