لم تقتله صواريخ الأسد ليقتل بخطأ طبي

زيتون – محمد المحمود
يرفع أبو أحمد الحلبي يديه للسماء بعينين دامعتين، يصرخ بكل ما أوتي من قوة ويقول “لم تقتله صواريخ الأسد ليقتل بخطأ طبي”، يضرب على صدره، يحاول من حوله تهدئته لكن دون جدوى.
فقبل حوالي ثلاثة أعوام وخوفاً على طفليه هرب أبو أحمد من الطيران إلى تركيا، حال حدوث هدوء نسبي، وتراجع وتيرة القصف الروسي والسوري على المناطق المحررة، جمع أبو أحمد أبنائه وزوجته وبعضا من ثيابهم، وعاد إلى مسقط رأسه في مدينة حريتان السورية في ريف حلب الشمالي.
لتتعرض مدينة حريتان في إحدى الليالي لحملة قصف جوي همجي، واستهدف الطيران حي أبو أحمد بغارتين بالصواريخ الفراغية، وجراء هلع ابنه البكرأحمد والبالغ من العمر سبع سنوات، سقط الطفل مريضاً، ومع ازدياد صوت الصواريخ وحدة انفجاراتها بالحي، حمل أبو أحمد ولده وذهب به إلى إحدى المشافي القريبة، وبعد فحصه من قبل أحد الأطباء المناوبين في المشفى، لم يجد سبباً في مرض الطفل، وتم إجراء تحاليل الدم والبول، وعدد من الصور الشعاعية، وأمضى أبو أحمد على مدى أسابيع رحلات متكررة لعدد من الأطباء،لينتهي به المطاف بوصفة طبية من أحد الأطباء تحتوي على أدوية منها ما هو نهاري ومنها ما يجب تناوله مساءً.
يقول أبو أحمد “أنا أُمِّي، لا أعرف القراءة أو الكتابة، كنت اثق بما يقوله الأطباء دون شك في خبرة أحد منهم”، لكن في إحدى مراجعاتي للمشفى التي أخذ طفلي إليها، أَسرَّ لي أحد العاملين بأن الطبيب المناوب ليس لديه خبرة وهو طبيب عام، ونصحني بأخذ الطفل إلى طبيب خاص، لكني لم أكن أملك المال الكافي لتغطية نفقات الطبيب الخاص”.
وبدأت حالة أحمد تزداد سوءاً يوما بعد يوم، وتبين فيما بعد أن “أحمد” كان مصاباً بمرض انحلال الدم، وأصبح بحاجة لعناية مركزة في المشفى، وقام الأطباء بتبديل دم “أحمد”، وبات الصغير في المشفى لعدة أسابيع، وحالته في تدهور مستمر، وسط حيرة الكادر الطبي في مرضه، وهو كادر يعاني أصلا من قلة في الاختصاصات الطبية ونقص في الخبرة.
وفي ذات مساء مشؤوم، كان أبو أحمد يبات برفقة طفله في المشفى، أصيب أحمد بحالة اختلاج شديدة، وارتفعت حرارة جسده الصغير، فهرع والده لاحضار الطبيب المناوب، الذي لم يكن موجودا في المشفى، ولدى حضور إحدى الممرضات، و عجزها عن التصرف، اتصلت بالطبيب، الذي أرشدها بحقن إبرة في كيس السيروم الوريدي المعلق في الطفل.
ويردف أبو أحمد: “لم أعرف ماهي الإبرة التي ستحقنها الممرضة، ولم أكن أعرف ما أفعل لتخفيف الألم عن الصغير، وما أن حقنت الممرضة تلك الإبرة في السيروم، وبعد خمسة دقائق، شخصت عينا أحمد، وارتخت جميع أعضاءه، فرحت أناديه وأصرخ عليه “أحمد أحمد ولدي أجبني” ولكن لم يجب، فارق ولدي الحياة، وفارقت روحه جسده، الذي أنهكته صواريخ الطيران، وجهل الكوادر الطبية في المناطق المحررة.
أحمد تلك الزهرة التي أذبلتها الحرب، وقطفها سوء المشافي والكوادر الغير مدربة،أحمد ليس الطفل الأول ولن يكون الأخير الذي وقع ضحية الجهل والإهمال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*