قصة حب تشبه حكاية السوريين

زيتون – رائد رزوق
مع كل غروب شمس كان هنالك قارب يأتي من بعيد، يُجذف به شخص غير واضح المعالم، يطير أمامه سرب من الإوز باتجاه منزل أبيض كبير، تحيط به الشرفات من كل الجوانب، وتطل من إحدى نوافذه امرأة في العقد السابع من عمرها، تدل هيئتها على وقار وشرود، تراقب القارب والإوزات عند المغيب.
قد يكون الحب من أشرس ما يقوم به الإنسان، وأكثر سادية من أي تعذيب آخر، وأشد مازوخية من الانتحار، وقد يتحول من دافع إيجابي للحياة إلى فعل قتل متعمد، فأصدق الحب ما قتل، هكذا علمتنا قصص الحب الكلاسيكية.
ولربما أسانا إلى من نحب أكثر مما لو كنا أعداؤه، هو العذاب لنا أنى كنا في أطرافه، نحن الضحايا فيه حتى ولو كنا القتلة، فلا إيثار في الحب، ولا غيرية، خلاصته هو أن نقتل ونموت.
وبالعودة إلى المرأة المسنة التي تقف على إحدى النوافذ المطلة على النهر الذي يعبره قارب فيه شخص يجذف غير واضح المعالم، والذي يُجفّل سرباً من الإوزات التي تحلق باتجاه النافذة، يمضي فيلم “نوت بوك” ليقدم لنا قصة فاتنة عن روعة الموت في الحب، وعما يمكن أن يفعله في حياة الناس، في إسطورة للوفاء والجنون المهلك.
تدور أحداث الفيلم حول فتاه تسمى “آيلى” تقابل شاباً يدعى “نوح” في أحد المهرجانات ويقعان في الحب، لكن عائلة الفتاة الغنية، تحاول أن تفرق بينهما، وذلك لفقر عائلة نوح، وتقرر الأسرة أن تبعد آيلى عن طريق إعلان خطبتها إلى جندي يسمى “لون” ابن عائلة غنية من الجنوب الأمريكي، وفي أثناء استعداد آيلي للزواج يشاء القدر بعد سبع سنوات، أن ترى صورة نوح في إحدى الصحف، وقد تمكن من ترميم البيت الكبير المهجور وتحويله إلى قصر أبيض كما وعدها بنوافذ زرقاء وشرفة كبيرة.
بعد صراع طويل وحيرة تمر بها أيلي، تقرر أن تعيش مع نوح وجنونه وحريته وفقره، وتعود إليه بعد أن تخلت عن رفاهية “لون” وعن كل نصائح أمها، ليبقى إلى جانبها بعد أن يشيخا سوية ويكوَّنا أسرة وتصاب بالزهايمر، يقرأ لها نوح كل يوم على أمل أن تعود إليه، معولاً على كلماتها “إقرأ لي كي أعود إليك”.
حيرة آيلي تشبه السوري الذي وقف يصارع خياره بين الحرية والحب والموت، وبين السلامة والرفاهية والعبودية، كما يتطابق جنون نوح مع جنون الثائرين السوريين، الذين لم يؤمنوا بقدرهم وبأبدية الخوف والسلطة، والذين خاضوا تجربة الحب والثورة رغم مآلاتها الخطرة، ودفعوا ثمنها كما دفعه نوح وأكثر.
هو قرار مصيري لا بد أن يمر به المرء ولا بد من أن يتخذه، بين ما يحب وبين ما يفرضه العقل، ثمة أناس لا تحب، تعيش على إملاءات المنطق، وقد تستعمل الحب شماعة للعقل في كثير من القرارات، وهي في غالب الأحيان تحوز على ما تريد، لكن في الطرف المقابل، تعيش شريحة من المجانين تحت قوانين القلب، تسقط كل القوانين من حسابها، لتعيش شغفها، وتكون كما تريد، رغم أنها تعرف أن الهلاك وحده ما ينتظرها، إلا أنها عاجزة على أن تكون إلا هيَ.
ما يقوله البطل في فيلمه يتطابق إلى حد بعيد مع حال السوريين: “لست شخصاً مميزاً، مجرد رجل بسيط، أفكاره بسيطة وعشت حياة بسيطة، وليس لي نصب تذكاري، وبمرور الأيام سأنسى، لكن شيئاً واحداً نجحت فيه كسائر الناس، لقد أحببت من أعماقي ومن روحي، وكان هذا دوما يكفيني”.
كذلك هو حال السوريين، أشخاص بسطاء، خرجوا بعفوية ليعبروا عما يريدون، نجحوا في مرات وفشلوا في أخرى، ولكنهم أبوا إلا أن يقولوا حلمهم ويقفوا بوجه جلادهم، مؤمنين بما يقومون به، ومصممين على المتابعة، ولكنهم على عكس نوح من المستحيل أن يُنسوا وتنسى تجربتهم، والتاريخ يُسجّل.
يكبر “نوح” و “آيلي” في العمر معا في منزلهما الأبيض على ضفة النهر، وحين تصاب بفقد الذاكرة، يبقي نوح إلى جانبها، يقرأ لها قصتهما كل يوم، رغم تأكيد الأطباء له بعدم جدوى أي محاولات لاستعادة ذاكرتها، التي كانت تعود إليها كلحظات صحو قليلة، بالكاد تتعرف فيها إلى زوجها، لكن العاشق الهرم كان مؤمناً بأن قراءته لها ستعيدها إليه، كما عادت إليه بعد ترميم المنزل، فقد ورد في مقدمة القصة “إلى حبيبي نوح.. إقرأ لي كي أعود إليك”.
ولأن القراءة نوع من الذكرى، وتاريخ ثورتهم ليس بالطويل، ما زال السوريون يعبرون لحظات الصحو، ويذكرون عشقهم، وشهداءهم وصرخاتهم الأولى، كما يذكرون جلادهم وكل من يشبهه ممن ادّعوا نصرته وصداقته.
وفي ذكرى مجازرهم يخط السوريون في كل عام رسائل الحب إلى أحبتهم كما خط بطل الفلم لمعشوقته على مدار عام في كل يوم رسالة، لم تصلها أياً منها، لكن الفكرة التي يحاول الفيلم أن يؤكدها هي أننا سنحصل على ما نحب حين نؤمن به، فقد تعود الثورة لمحبيها كما عادت آيلي لنوح، وقد يكبر الأطفال في سوريا ويعيشون الحرية كما عاشها العاشقان، شرط أن نعود عشاقاً لها كما كنا.
“يسافر العشاق عبر طريق طويل دون اعتبار للعواقب”
في أول مسير لهما يعرض البطل جنونه في الاستلقاء بوسط تقاطع طرق خطر، ويطلب من آيلي المنطقية والعقلانية بأن تستلقي بجانبه، “ماذا سيحدث لو أن سيارة جاءت؟.. سنلقى حتفنا”، وبغمرة الحب تتخلى آيلي عن حياة الرق لتتماهى مع الحرية وتستمتع بحياتها، ويختم نوح مشهد جنونه في مراقصة حبيبته وسط الطريق، فرغم سوداوية المشهد، يظل فرح تحقيق الذات وعيش الحياة كما نحب هو أكبر إنجازاتنا..
– هل يستطيع حبنا أن يصنع المعجزات؟
– نعم اعتقد ذلك.
– وهل تعتقد أن حبنا يمكن أن يسمح لنا بالرحيل معاً؟
– أعتقد أن حبنا يستطيع أن يفعل أي شيء نريده.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*