الموت ليس مخيفا.. إنه مقزز وشاق.. رواية عن رحلة السوريين في اكتشاف ذاتهم

زيتون – وضحة عثمان
باصطفاف كامل مع الثورة السورية يكتب خالد خليفة روايته عن مشقة الموت، مستعرضا فيها تفاصيل حياة السوريين في السنين الماضية، في كلا الجهتين، بلغة تحمل حزن الناس الصامتين والثوار والعشاق والأخوة الأعداء والمغلوبين والموتى.
وأكثر ما يلفت القارئ في الرواية هو ذلك الغوص العميق في فكرة الموت، ومناقشته ومحاورته حتى الوصول معه إلى تفاهم ورضى به، واعتباره الحل في كثير من الأحيان، في محاولة من الكاتب لتحويل “الأحداث الغرائبية بسبب تناسلها الى حدث عادي”.
ومن الأكيد أن كل السوريين الذين قرأوا “الموت عمل شاق” كانوا يبحثون عن أنفسهم وصورهم بين شخصياتها، ويقرأون ما عجزوا عن التعبير به في محنتهم الحالية، كما ناقشوا فيما بينهم صحة تصرفاتهم مستندين على رؤية الكاتب كمعيار للحق والعدالة، ولا بد أنهم تلصصوا على شخصيات إعدائهم في الجهة الأخرى من عين خليفة.
يسافر بك خالد خليفة من دمشق إلى حلب برفقة جثة ثائر عجوز يدعى “عبد اللطيف السالم” وابنيه حسين القوي والمنحل أخلاقيا وسائق الميكروباص الذي سيقلهم طوال الرحلة، وبلبل الأخ الأصغر والهش والخائف والموظف في إحدى الدوائر الحكومية، مع شقيقتهم الوحيدة فاطمة المقموعة من قبل زوجها وأخيها حسين والتي تحاول بفشل كبير أخذ دور الأم مع شقيقها أثناء الرحلة.
يثير الخليفة فضولك منذ البداية في ترميز اسم البلدة الثائرة التي لا تفصلها عن دمشق سوى بعض البساتين بحرف “س” وهو ما يدفع بك الى البحث عنها ليجد القارئ أن ترميزها ليس رغبة بإخفائها بقدر ما هو رغبة في دخول الطقوس الثورية وأسرارها المكشوفة.

الأستاذ عبد اللطيف السالم هو شخصية كثرت في البلدات الثائرة وشاعت حتى أصبحت معروفة الطباع والميول والنشاط في سنوات الثورة، وهي شخصية فرضتها الظروف على أصحابها، وفرضت أصحابها على الواقع، في مرحلة تطلبت قيام البعض بمجموعة من الأدوار قد يعجز عنها بضعة رجال في زمن السلم، لكن السالم وأمثاله الذين ما زالوا موجودين في كل المدن والبلدات السورية الخارجة عن سيطرة النظام، عكسوا شخصياتهم على سلوك الثورة وروحها، ونقلوا عشقهم وشغفهم بالحرية والحب والحياة والشجاعة إلى كل من رافقهم وواكبهم في تلك الفترة، حتى انطبعت الثورة بذلك اللون الحزين والوجداني والعاشق.

“ودعته العواصف كما يليق بمحارب واهم بقي حتى اللحظة الأخيرة يفخر بكل هزائمه لم يعرف طعم النصر لحظة لكنه كان منتشيا به ينتظره كقدر لا بد أنه قادم كما هو الان مرميا على كرسي طويل في ميكروباص بارد دون حركة”.
لم يدرك “بلبل” أن وصية أبيه بدفنه في مسقط رأسه ببلدة العنابية في ريف حلب بقبر شقيقته ليلى، ستكلفه تلك الرحلة مشقة اكتشاف تاريخهم كعائلة وأفراد بل وستكلفهم عذاب اكتشاف الحاضر الخطير وماهية شخصياتهم وخياراتهم ومسؤولية مواقفهم، كل ذلك بدافع من الجثة التي ينهشها الوقت وتتفسخ مع كل دقيقة في واقع سوريا، لكن الأمر يختلف مع الأموات، “مراجعة الماضي وتصفية الحسابات تحتاج إلى هدوء وتأمل طويلين لا يمارسهما المقبلون بعد لحظات على الموت يرمون على عجل بأحمالهم ويمضون لعبور البرزخ إلى الضفة الأخرى التي لا قيمة للوقت فيها”.
موتى بالعشرات في كل مكان، المشافي، الحواجز العسكرية على الطرقات، سيارات الإسعاف، سيارات الجيش، بلدات مقصوفة، على منصفات الطرق بين المدن، موتى لم يعد لهم من قدسية أو كرامة، “للمرة الأولى تساوى الجميع في الموت لم تعد المراسم تعني شيئا الفقراء والأغنياء الضباط الكبار والجنود الفقراء في الجيش النظامي قادة الكتائب المسلحة والمقاتلون والموتى والعابرون ومجهولي الهوية يدفنون بمواكب هزيلة تثير الشفقة لم يعد الموت فعلا يستدعي الانفعال بل أصبح خلاصا يثير حسد الأحياء”، “”تذكر آلاف الجثث المتروكة في العراء للطيور الجارحة والكلاب الجائعة، وجد أنهم محظوظون، حاول نسيان الجثث الأربع المرمية في منتصف الأوتوستراد ولا أحد يجرؤ على الاقتراب منها”.
الموت.. “عدم استطاعته الهروب من الموت إنه طوفان رهيب يحيط بالجميع”، ” أسوأ ما في الحرب تناسل الأفعال الغرائبية وتحول القصص المأساوية إلى حدث عادي”، ” شقاء الأحياء يختلف عن شقاء الأموات لا أحد يحب مصير التفسخ لمن يحبه يريد صورته في الموت أكثر جمالا إنها الصورة الأخيرة التي لا يمكن محوها من الذاكرة وهي تعبير عن خلاصة البشر الكائن الحزين تبقى صورته حين ترتخي عضلاته حزينا والكائن الكئيب لا تفارق ملامح الكآبة وجهه غالبا تشبه الصورة الأخيرة صورة الولادة الأولى”.
ومن خلال عدة مشاهد يسعى الكاتب لتشكيل صورة السلطة التي تعكس حالة التخبط والإجرام والوحشية، “السير في هذه الليلة الشتائية خطر إلى درجة كبيرة، الدوريات لا تتوقف، الشوارع تعج بمسلحين مجهولي الهوية، الكهرباء مقطوعة في أغلب الأحياء، لا يستطيع أحد إن لم يكن من سكان المنطقة معرفة الممرات المسموح بالسير فيها والممرات الممنوعة”.
“كان المشهد في المشرحة مرعباً، ضباط يسيرون في الممرات يتحدثون بغضب ويشتمون مسلحي المعارضة بكلمات قاسية، عساكر بعتادهم الحربي الكامل يجولون دون هدف، تفوح من جلودهم رائحة المعارك، أتوا برفاقهم جرحى أو قتلى وكان التلكؤ فرصة لهربهم أو تمهلهم في العودة إلى حيث ينتظرهم الموت، كل شيء يبدو قريبا من الموت في هذه الفوضى”.
في حاجز “القطيفة” الشهير بإجرامه، يفاجأ الأشقاء الثلاثة بأن أبيهم أحد المطلوبين، ويقوم الحاجز باعتقال جثته معهم، “اقترب حسين من بلبل وهمس له سيعتقلون الجثة، لم يفهم، ظن في الأمر التباساً، لكن حين فتح العنصر باب غرفة قرميدية دون نوافذ ورماهم داخلها، فهموا أن الأمر جدي، لقد اعتقلوا الجثة، الأب كان مطلوباً لأكثر من فرع مخابرات من أكثر من سنتين”
وفي سفر الموت ذاك تعرج الرواية على المعتقلات والسجون ليقدم لمحة صغيرة عما يجري فيها من سحق لإنسانية البشر والسوريين، وليقدم حجج الثورة في وجودها وضرورتها للخلاص من هذا النظام.
“حدثتهما عن ابنة حميها التي خرجت من السجن الأسبوع الماضي، تعتقد أنهم اغتصبوها داخل الفرع، أضافت أن وجهها أصفر وأنها فقدت نصف وزنها وشعرها محلوق على “الزيرو” تهذي في الليل بكلمات غريبة، لم يرد حسين، لكن فاطمة تابعة قائلة إنها مصابة بالجرب، واضطر أهلها إلى عزلها في غرفة الدجاج على السطح، وخطيبها تركها وطالب أهلها بالهدايا”.

“لم يستغرب بلبل جرأة المرأة العجوز، تشبه جرأة أبيه ورفاقه الذين مات الخوف في قلوبهم إلى الأبد، لكنه استغرب حماسة فاطمة لتروي سيرة ابنة حميها وتسأل المرأة العجوز إن كانوا حقا يغتصبون النساء في الفروع، فضحكت المرأة وأضافت بصوت منخفض، والرجال أيضاً، مضيفةً أن أحدا لن ينسى كل هذا الظلم ولو بعد ألف سنة”.

علاقة الأخوة الثلاثة مع أبيهم علاقة جفاء، وصلت لحد العداء ما بين حسين وأبيه، وعلاقة قمع ما بين حسين وفاطمة، وعلاقة تحقير ما بين حسين وبلبل، علاقات تشبه علاقات السوريين فيما بينهم أشخاصا ومدنا، حاولوا في رحلتهم أن يعطوا الفرصة لعودة روح العائلة إليهم، لكن صعوبات الرحلة زادت من جفائهم، حتى وصلت للاقتتال في الوحل.
“لم يخفوا إحساسهم بالضيق من وجودهم الاضطراري معا بعد لحظات شعر الجميع بالتواطؤ لديهم فرصة حقيقية للحديث مرة أخرى عن إمكانية عودتهم كعائلة، لكن حسين غير مكترث، بلبل ليس لديه أي رغبة، وفاطمة تحاول القيام بدور أخت تجمع شمل العائلة بعد وفاة الأبوين”.
“القطيعة هي الفعل الجيد الوحيد الذي قاموا به خلال السنوات العشر الماضية، هكذا كان يفكر أحيانا، في الحقيقة الجميع كانوا يشاركونه هذه الحقيقة المؤلمة، التي من غير المريح لأي منهم الاعتراف بها، فكل واحد منهم كان يعتقد أنه قام بأكثر من واجبه تجاه العائلة، والآن عليه الالتفات نحو حياته الخاصة”.
“تآلفوا مع العفن رؤوسهم الثقيلة نتيجة طبيعية للرائحة التي لفحتهم، تنفسوا موت أبيهم كما لم يتنفس أحداً موت حبيب، تغلغلت في جلودهم وسرت في دمهم، ما بقي منه حقيقته الوحيدة بعض عفن وقروح، اكتفى من الأحلام في رحلته الأخيرة”.
“فجأة قال حسين لبلبل أنه ورطهم ويجب عليه تحمل المسؤولية، وإذا لم يصلوا إلى العنابية حتى الظهر فسيتركهما مع الجثة على قارعة الطريق، أضاف أن أباه لا يستحق كل هذا العناء، طرده من المنزل ولم يحاول السؤال عنه، كانت لهجته هادئة وهو ينظر إلى بلبل بغضب في المرآة، فأجاب بلبل حسين قائلاً: تستطيع تركنا الآن، فالتفت إليه حسين، وخلال ثوان كان يفتح الباب الجانبي للميكروباص ويشحط الجثة، نهر فاطمة التي لم تستطع فعل شيء سوى البكاء”.
“غضب حسين هجم على بلبل كوحش، كان قوي البنية وما زالت عضلاته مفتولة، تعاركا لدقائق قبل أن يثبته على الأرض، لطمه بيده القوية عدة لطمات كانت كافية ليستسلم بلبل لضربات أخيه، ترك لنفسه حرية التمدد على الأرض الطينية، المطر والطين أفقداه الإحساس بجسده، لعق دمه الذي سال على وجهه، سمع صوت بكاء حسين عالياً، كانوا هم الثلاثة يبكون في هذا العراء، حاول بلبل النهوض لكنه لم يستطع، استجمع كل قواه ساعدته فاطمة على النهوض وقادته إلى السيارة من جديد، عاد حسين إلى السيارة صامتا، شغل المحرك وسار نحو القرية القريبة الغارقة في ظلام تام”.

قبيل موته يكشف عبد اللطيف أثناء مرضه سر زواجه الثاني من نيفين، التي عشقها خلال فترة عملها في ذات المدرسة التي يعمل بها، قادمة من إحدى المدن السورية البعيدة، وبعد وفاة زوجها تأججت نار الحب في قلب عبد اللطيف.

“نيفين أتمت الستين من عمرها وما زالت يانعة وجميلة، في عينها نظرة كبرياء، ازدادت حدتها عبر سنوات زواجها التي قضتها في اشتباكات ومعارك لا تتوقف مع عائلة زوجها، ابنها البكر هيثم تخرج من كلية الطب قبل أشهر قليلة من الثورة، وابنها الصغير رامي في الثانية والعشرين من عمره، تخرج من المعهد المصرفي قبل سنة وذهب مباشرة لخدمة العلم، لم تستطع نيفين تحمل خسارة ابنها هيثم بعد اعتقاله على حاجز المخابرات الجوية، الذي كان يترصد خروجه من البلدة، انتهت لحظات شؤم فظيعة”.
بعد الرحلة الطويلة التي استمرت عدة أيام، تفسخت جثة الأب، وتفسخت معها شخصيات أبنائه، ليكتشفوا ذاتهم وحقيقتهم، في بكائية مفجعة، يظهر فيها شقاء الأحياء بالموت أكثر من شقاء الأموات، وليكون الموت عملا شاقا لمن يدعون الحياة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*