جدتي.. خبيرة وسائل التواصل الاجتماعي

زيتون – ياسمين محمد 
كل فجر أستيقظ على منبّهي الصباحي الخاص بي أنا وعائلتي، إنه يختلف عن بقية المنبهات فليس له نغمة المنبهات، ولا يوقظنا على صوت فقط، وربما هناك البعض ممن لديهم منبهاً على مبدأ منبّهنا الخاص، لكنه بالتأكيد بالنسبة لنا هو أغلى منبه في الكون، وكذلك هو الحال بالنسبة لأمثالنا.


إنها جدتي التي توقظنا بعد أن تؤدي صلاة الفجر، مرةً على صورة تحمل دعاءاً لنا ولأطفالنا وعائلاتنا، أو صورة للعائلة وهي مجتمعة، وأخرى على مقطع فيديو يحوي عبارات الحب والشوق لنا أو للشام، وثالثة على مقطع قديم للعائلة أو لطفلٍ جديد للعائلة رأيناه على الشاشات فقط، ومراتٍ أخرى توقظنا على الأجمل، ألا وهو صوتها الدافئ يطمئن علينا ويدعو لنا ويستفسر عن أحوالنا.

لا توفر جهداً، ولا تضيّع وقتاً، ولا تنسَ منا أحداً، وعلى الرغم من عددنا الكبير أبناءاً وأحفاداً وأبناء أحفاد، تدعو وتسأل عنا وعن أبنائنا وأحوالنا فرداً فرداً.
وأثناء النهار، تشارك جدتي الأخبار والمقاطع والدروس والأدعية الدينية والمعلومات والحكم وغيرها، وتشارك صور أبنائنا وأخبارنا على صفحتها الشخصية في فيس بوك، تهنئ الناجحين والخاطبين أو المتزوجين حديثاً، وتبارك ولادة طفل جديد لأحدنا، وترسل لنا أخباراً قد نكون لم نسمعها بعد، وتبلغنا بكل جديد، وتناقشنا بالتطورات والمستجدات، وعلى الرغم من أنها تجمع عائلتنا ضمن مجموعة على الواتس أب، تحمل اسمها «ست الحبايب»، إلا أنها لا تنفك عن إرسال الرسائل الخاصة لكل واحد منا بمفرده، فهي تدرك اهتماماتنا حتى في طريقة عرض الأخبار وماهيّتها.
قبل الثورة، كانت جدتي تدعونا هي وجدي كل أسبوع للاجتماع في منزلهم نحن وعائلاتنا، تحضّر لنا كل ما لذّ وطاب، وكل ما قد يخطر أو لا يخطر على بال، تعرف ما هو الصنف المفضل لكل فرد منا، وما هي فاكهته المفضلة، وفي أي مكان يحب أن يجلس، تحفظنا ربما أكثر من أنفسنا، وتعرف أخبارنا، وتناقشنا في شؤوننا، نتشارك في اتخاذ قراراتنا الخاصة، ونجتمع تحت سقفهم وفي ظلهم طوال النهار والليل، دون أن نحسّ بالوقت، وليس لدى أحدنا الرغبة بالمغادرة أو ترك هذه الجلسة ولو للحظات، ولا سيما عندما يكون أخوالي عائدين من السفر، ويكون نصاب العائلة مكتملاً، نتسابق من سيصل أولاً؟، ومن آخر واحد منا سيغادر؟، وأحياناً يقترح علينا جدي بعد الثالثة صباحاً أن نخرج في نزهة قصيرة إلى جبل قاسيون، أو أن نجهز أنفسنا للذهاب في الصباح إلى بحيرة زرزر، أو مزيريب أو أي مكان نفضله ونتفق عليه.

بعد الثورة، أصبحت الحواجز والحدود حتى ضمن الحي الواحد نفسه، وخصوصاً يوم الجمعة، وهو يوم العطلة الذي كنا نجتمع عند جدتي فيه، تحدّ من قدرتنا على الاجتماع، إذ يضيع نصف وقتنا على الطرقات، ونكون مقيدين بتوقيت الوصول والمغادرة حسب مكان إقامة كل منا، ثم أصبحت ملاحقات النظام للبعض منا، تمنعنا من رؤيته، وأصبح ذلك الهاتف الأرضي أو المحمول الذي كان فقط لمجرد السلام والاطمئنان والدعوة للاجتماع، كل ما نملكه لنتعرف على أحوال بعضنا البعض، وبالتأكيد بالألغاز وضمن الحدود، والمؤكد أكثر أن جدتي كانت هي تطمئننا عن بعضنا، وتجمعنا حتى على سماعات الهواتف.

كانت جدتي تستخدم الهاتف النقّال وتطبيق السكايب حتى قبل الثورة، ولكن بشكل محدود، ومع أخوالي المسافرين فقط، ولم يكن هناك سوى الفيس بوك برسائل مكتوبة فقط، والسكايب للاتصال المرئيّ، أما اليوم، وبعد أن أصبح كل فرد من عائلتنا في دولة عربية أو أوروبية، وبعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة، وازديادها يوماً بعد يوم، أصبح هاتف جدتي النقال يحوي جميع تلك التطبيقات، وكل تطبيقٍ جديد يصدر تجري تجربةً عليه، علّه يكون أفضل من سابقيه، وترسل لنا رابطاً به، فقد أصبح الانترنت هو كل ما نملكه للتواصل مع بعضنا.

وكما كانت تجعمنا على أرض الواقع في بيتها هي وجدي قبل أن يتوفى، لا تزال جدتي التي تزيد في العمر عن السبعين عاماً، هي من يجمعنا في آن واحد على شاشات الهواتف، ولكن هذه المرة ليس من منزلها الواقع في وسط دمشق، وإنما من منزلها في السويد، والذي تنتظر منا أن نزورها ونعيد تلك التجمعات فيه، على الرغم من صعوبة الأمر ومعرفتها بذلك، ولكن من يكون معتاداً على أمر يحبه، يبقى على أمل باستمراره أو استعادته.
بالتأكيد ليست جدتي الوحيدة في سوريا، التي تحتضن عائلتها بحبّ ودفء وحنان لا متناهٍ، فهي طبيعة السوريين وروابطهم وعلاقاتهم وعاداتهم الاجتماعية، ولكنها الجدة والأم الأغلى والأعظم في هذه الدنيا بالنسبة لي ولعائلتي، وستبقى هي وجدتي «أم معتز وأبو معتز» هما رمز عائلتنا ومصدر قوتنا، وسنبقى ندعو لها بطول العمر حتى نعود ونلتقي في منزلها، وبالصحة والعافية، ولجدي بالرحمة والمغفرة، ولكل كبار السن في كل أيامهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*