منتزهات صيفاً.. وقود شتاءً.. أحراش إدلب وأولويات الدفئ والجمال

فريق زيتون 
في الوقت الذي تشن فيه الطائرات الروسية والسورية حربها على السوريين حاصدة الأرواح، يسقط على هامش هذه الحرب خسائر أخرى، لا تلفت الانتباه نتيجة لفداحة الخسائر البشرية، مساحات من شجر الصنوبر والسرو تمتد لعشرات الكيلو مترات، كانت تنتشر ما بين المدن وعلى أطراف البلدات في الريف الإدلبي، ليتلاشى اخضرارها بشكل واضح للعيان.


أبزر أسباب تضرر تلك الأحراش يعود إلى الاعتداء عليها من قبل الأهالي والفصائل المتواجدين في المنطقة، بتفاوت دوافع كل منهم، ما بين الحاجة والسعي إلى الربح، فضلاَ عما يسببه القصف الجوي من حرائق وأضرار بها.
رئة الطبيعة، ومتنفس الأهالي، ومتنزهات الأطفال، وحضارة الإنسان، باتت العنصر الأكثر تهديداً، والفريسة السهلة لتجار الأخشاب وضعاف النفوس ممن يسعون إلى كسب المال عن طريق تحطيبها.
وتنتشر المساحات الحراجية في أغلب مدن وبلدات محافظة إدلب الملقبة بالخضراء، ففي مدينة سراقب تتوزع أشجار حرشية في داخلها وعلى محيطها من الجنوب والشمال والغرب، وتمتد كحزام أخضر على طول الطرق المحيطة بها كأوتستراد “حلب- دمشق” الدولي، و”حلب – اللاذقية”، كما تنتشر في مدينة معرة النعمان ومحيطها حرش المعرة الكبير، وتتربع في محيط مدينة إدلب الجنوبية الأحراش، كما تحميها من الجهة الغربية غابات “الباسل”، وغيرها الكثير من الأحراش التي تزيّن المحافظة، وتحمي أهلها في وقت تنتشر فيه رائحة البارود والأمراض، وتنعدم إمكانية التنزه خارجها كما كان سائداً في السابق، لتكون حاجة ماسة لتنفس الأهالي والترويح عن أنفسهم.
وبسبب الغلاء الفاحش لأسعار المحروقات، وغياب المحاسبة والرقيب، يلجأ الكثير من أهالي محافظة إدلب إلى استخدام الحطب كوسيلة تدفئة لعائلاتهم خلال فصل الشتاء، ليتجه بعض الأسر الفقيرة نحو التحطيب من الأحراش، ليتطور الأمر فيما بعد إلى استنزاف جائر لهذه الثروة، وانتقاله إلى التحطيب التجاري الذي يهدد بتجريد المناطق الحراجية من تلك الأشجار.


موقف الجهات الرسمية 
مع ما تشهده المناطق المحررة من فوضى إدارية وتنظيمية، وانعدام المسؤولية وتقاذفها، والصراع ما بين الفصائل العسكرية، بقيت هذه الثروة الحراجية بلا حماية.
رئيس المكتب الزراعي في المجلس المحلي لمدينة معرة النعمان “عبد الرزاق الذكرى” قال لزيتون: 
“في مدينة معرة النعمان يوجد حرش المعرة الكبير، وتبلغ مساحته 600 هكتار، وعدد الأشجار فيه 270 ألف شجرة، تتنوع ما بين صنوبر حلبي والبروتي واليثمري والسرو والكينا، ويعتبر هذا الحرش ملجأ للأهالي في المنطقة ومنتزه يروّحون عن أنفسهم فيه، وهم بحاجة ماسة لهذه المساحات الخضراء من أحراش ومنتزهات وحدائق بعد كل الضغط النفسي الذي عاشوه ويعيشونه، جراء القصف والكثافة السكانية الكبيرة في منطقة صغيرة كإدلب وريفها”.

وناشد “الذكرى” عبر زيتون المسؤولين في الشرطة الحرة والفصائل لحماية هذه الأحراش من التجار قائلاً: “في ظل الوضع الحالي، لا يوجد لدى الأهالي غير هذه الأحراش كمنتزهات لهم ولأطفالهم، ولكن الأشجار تتعرض للقطع المستمر من قبل المجرمين والتجار بحجة الفقر، لذا نرجو من أصحاب الضمائر والكلمة والمكانة والقدرة، حماية هذه الأشجار الحراجية، والعمل على تجديد المقطوع منها، وعمل لجان مراقبة ودوريات، لحماية هذه الثروة الحراجية في كل المناطق”.

وقال عضو مكتب خدمة المواطن في المجلس المحلي لمدينة معرة النعمان “أوس الحلبي” لزيتون: “تنتشر ثلاث أحراش في منطقة معرة النعمان، هذه الأحراش تعود على الأهالي بعدة فوائد، سواء من الناحية الجمالية أو الصحية، بالإضافة إلى الناحية الترفيهية، إذ يتوجه إليها الأهالي في أيام العطل ولا سيما يوم الجمعة، مع أطفالهم للتخفيف عن أنفسهم”.
وأضاف “الحلبي”: “ولكن مع الأسف نتيجة للظروف التي يمر بها الأهالي من حالات العوز والفقر والبطالة، وارتفاع أسعار المحروقات، بات بعض الأهالي يقومون بقطع الأشجار في أيام الصيف، وتخزينها حطبا للشتاء، ومن المؤسف أكثر أننا نرى بعض النافذين المحسوبين على الثورة، يقطعون الأشجار ويبيعونها للأهالي، ويتخذون منها تجارةً لهم وبنفس الذريعة”.
وفي محاولة للحد من ظاهرة قطع الأشجار وتحطيب الأحراش، قام المجلس المحلي لمدينة معرة النعمان، بالتعاون مع بعض القوى الثورية في المنطقة، بعدة إجراءات لحماية ما تبقى من الأشجار والأحراش في المنطقة، مثل سد الطرق الفرعية الواصلة إليها، وتسيير دوريات أمنية من عناصر الشرطة الحرة لحراسة هذه الأحراش، والأمر بتوقيف السيارات التي تحمل الحطب والأخشاب عند مرورها على الحواجز البيئية، بحسب “الحلبي”.
وعن ذلك قال النقيب في الشرطة الحرة بمدينة معرة النعمان “يوسف علاء” لزيتون: “نقوم بشكل دوري بتسيير دوريات إلى الأحراش التابعة للمدينة وما حولها، من أجل مراقبة الأشجار، ومراقبة من يقوم بقطعها للاستفادة الشخصية، والحد منها قدر الإمكان، وذلك عبر نشر الحواجز حول الأحراش”. 
وأضاف “علاء”: “نعلم تماماً أن هناك الكثير من الأهالي الذين يعانون من أوضاع اقتصادية سيئة، يلجأون لقطع الأشجار بغية استخدامها للتدفئة في الشتاء، نظراً لارتفاع الأسعار وعدم قدرتهم على شراء الديزل أو غيره من وسائل التدفئة، ولكننا نعمل على حماية الأحراش، لتعم فائدتها على الجميع، في التنزه والترفيه والمناظر الطبيعية، وتنقية الهواء وتنظيف البيئة والتخفيف من انتشار الأمراض، فالأشجار رئات المدن كما هو معروف، ولذلك نتمنى من جميع الأهالي أن يحافظوا على بيئتهم جميلة وسليمة”.

وفي هذا السياق قال رئيس قسم شرطة سراقب “عواد الزكريا” لزيتون: “تحيط الأحراش بمدينة سراقب في كل من الجهتين الغربية والجنوبية، إضافة لانتشارها على أوتوستراد “حلب- دمشق” الدولي في القسم الشمالي من المدينة، وقد بدأت زراعة هذه الأشجار قبل أكثر من 15 عام من الآن، كما يوجد حرش في داخل مدينة سراقب يبلغ من العمر نحو 30 عاماً”.

وأضاف “الزكريا”: “لهذه الأحراش عدة فوائد كتنقية الهواء والجو في مدينة سراقب، وهي مقصد المسافرين للاحتماء في ظلالها في فصل الصيف، بالإضافة إلى أن هذه الأحراش تعتبر متنزهاً للترويح عن النفس لأهالي مدينة سراقب”.
وفي ظل غلاء أسعار المحروقات واقتراب فصل الشتاء، تلجأ بعض العائلات إضافة إلى تجار الحطب إلى قطع أشجار تلك الأحراش، إما للاستفادة منها في فصل الشتاء أو لبيعها، فتعمد شرطة مدينة سراقب إلى مكافحة هذه الظاهرة من خلال دورياتها المعتادة التي يتم تسييرها، وعند مشاهدة أي شخص يقوم بقطع الأشجار، يتم إلقاء القبض عليه ومحاسبته، ومصادرة الآليات الموجودة معه، وفي حال كانت المرة الأولى التي يتم توقيفه فيها لهذا السبب، يُكتفى بتوقيعه على تعهد بأن لا يعود لقطع الأشجار ثانية.


حملات تشجير لترميم الأضرار
وكانت مدينة سراقب قد شهدت حملة لتشجير الأحراش المتضررة في 4 شباط الماضي، حملت عنوان “ربيع سراقب للتشجير”، قام على هذه الحملة عدة فعاليات في المدينة من بينها “المجلس المحلي في مدينة سراقب وريفها” و “مؤسسة إكثار البذار” و “الدفاع المدني في سراقب”، إضافة إلى بعض المتطوعين من أهالي المدينة، حيث تم غرس حوالي 2000 غرسة في المدينة، شملت الأراضي الحراجية المتضررة والحدائق والشوارع الرئيسية في مدينة سراقب، وذلك بهدف تشجير واستغلال المساحات الخالية المتضررة من القصف، وإحداث مظهر حضاري في المدينة، فضلاً عن خلق روح التعاون والتشجيع على العمل يداً بيد بين كافة الفعاليات والأهالي.
كما تم زراعة 5 آلاف شتلة حراجية في 6 شباط الماضي، ضمن فعاليات حملة “غرسة أمل 2” بالتعاون مع المجالس المحلية في مدن “إدلب، أريحا، معرة النعمان، جسر الشغور”، وشهدت مدينة إدلب حملة “ربيع إدلب”، التي بدأها مجموعة من النشطاء والفعاليات المدنية كمجلس مدينة إدلب ومنظمة بنفسج، بزرع 1000 في الكورنيش الجنوبي والغربي، وفي مدينة خان شيخون انطلقت في 16 شباط الماضي، حملة “نغرس شجرة ونبني وطناً”، بالتعاون مع “مؤسسة إكثار البذار” وعدة منظمات مدنية وأهلية، وفي مدينة كفرنبل وبرعاية وزارة الزراعة في الحكومة السورية المؤقتة، وبمشاركة المجلس المحلي ومنظمة اتحاد المكاتب الثورية والمكتب الخدمي في جيش إدلب الحر، تم زراعة 1000 شجرة سرو ضمن حملة “نغرس شجرة ونبني وطناً”، وذلك في 7 آذار الماضي. 
وجاءت حملات التشجير تلك في محاولة من الفعاليات المدنية المسؤولة في هذه المدن بالتعاون مع المنظمات المدنية والأهلية فيها للتعويض عما خسرته المحافظة جراء القصف الجوي والحرائق وتحطيب الأهالي، ولعودة المحافظة إلى سابق عهدها في الاخضرار. 


آراء الأهالي
ما بين الحاجة الملحة لوسائل التدفئة، والأسعار الباهظة للمحروقات، والخوف من تبعات تحطيب الأحراش المستقبلية على مدنهم وعائلاتهم، يقع أهالي محافظة إدلب في متاهة الضحايا والجناة في آن واحد، ويضيع بعضهم في عملية ترتيب أولوياتهم، وتختلف نظرتهم ومواقفهم من عمليات التحطيب التي تتعرض لها الأحراش في المحافظة.
“حسن إسماعيل” من أهالي مدينة سراقب قال لزيتون: “منطقة الإذاعة في مدينة سراقب كانت مليئة بالأشجار، وكانت تعطي منظراً جمالياً رائعاً للمدينة، ولكن تم اقتصاصها بشكل وحشي من قبل الفصائل الموجودة في المدينة، وباتت المنطقة الآن شبه جرداء”.
وقال “محمود الأبرش” من أهالي سراقب لزيتون: “الأحراش في سراقب لا يوجد لها أي مراقب باستثناء دوريات الشرطة التي لا تفي بالغرض، وتتعرض هذه الأحراش للاحتطاب المتكرر، وإن لم يتم التعامل مع هذه الظاهرة، سوف تنتهي الأحراش تماماً خلال السنوات القليلة القادمة، ومنعاً لذلك يجب أن يتم تنظيم أمن للأحراش في المدينة”.
كذلك رأى “أحمد الحمود” من أهالي مدينة إدلب أن غابات “الباسل” التي كانت لسنوات عديدة مضت، منتزها لأهالي المدينة، تعرضت بعد الثورة للكثير من الاعتداءات، وأهمها الاحتطاب الجائر، وفي حال استمر الوضع على ما هو عليه الآن، ستصبح هذه الغابات قاحلة بعد فترة قليلة، مؤكداً غضبه واستياءه مما تعرضت له هذه الغابات وغيرها من الأحراش والمساحات الخضراء في المحافظة بشكل عام.
واعتبر “عدنان الأحمد” أحد أهالي محافظة إدلب أن قطع الأشجار جريمة، ويجب أن يحاسب عليها القانون، وذلك لأن القطع الجائر لهذه الأحراش يشكل خطراً كبيراً على البيئة، وسينعكس بشكل سلبي على الأهالي، مضيفاً: “انا ضد هذه التصرفات والتعديات، ومهما كانت الأسباب فهذه الأحراش ملك للجميع، وليست ملكاً لشخص أو لفصيل”.
ومن جهة يبدي الكثيرون من الأهالي استياءهم من هذه الاعتداءات والتجاوزات على الأحراش، ومن جهة أخرى يقول البعض بأن هناك حالات اضطرارية، وأن “الضرورات تبيح المحظورات” أحياناً، فبين الحاجة الملحة للدفئ في هذه الظروف الحياتية القاسية من غلاء كبير لوسائل المعيشة بشكل عام ووسائل التدفئة بشكل خاص، وبين الضرر بالممتلكات العامة التي تعد ثروة وطنية تختلف آراء المدنيين.

“رامي نجيب” أحد المقيمين بالقرب من غابات الباسل بمدينة إدلب قال لزيتون: “أنا ضد قطع الأشجار في هذه الأحراش، فالشجرة عنوان الحضارة ورئة المدينة، ولكن من جهة أخرى هناك الكثير من الفقراء الذين لا يملكون ثمن المحروقات الباهظ، فيضطرون للتحطيب منها لتدفئة أبنائهم وعائلاتهم، ولا أستطيع لوم هؤلاء الأشخاص، لأن ظروفهم تجبرهم على ذلك”.

وقال “عبد الحميد الخالد” من أهالي مدينة إدلب لزيتون: “لو كان احتطاب وقطع الأشجار من الأحراش يقتصر على الناس الفقراء فقط، فلا مانع من أن تقطع، ولكن هناك أشخاص أصبحوا تجاراً للأخشاب والحطب على حساب هذه الفئة، وأصبحوا يحتكرون هذه المهنة، ويقطعون الأشجار ويبيعونها بأسعار باهظة، وهي ليست ملكاً لهم، ويجب وضع حد لهذه الاعتداءات، ويجب على القوى الأمنية وضع عقوبات شديدة بحق هؤلاء الأشخاص (التجار)”.
وبلغ سعر الطن الواحد من حطب الزيتون اليابس حولي 90 ألف ليرة سورية في مدينة إدلب وما حولها، وتراوح سعر الطن الواحد من حطب الزيتون الأخضر ما بين 40 إلى 50 ألف ليرة سورية، أما البيرين فقد تراوح سعر الطن الواحد منه بين 60 و 70 ألف ليرة سورية.
من جانبه قال “نايف الوليد” أحد بائعي الحطب في مدينة إدلب لزيتون: “نحن نشتري حطب الزيتون من الفلاحين أصحاب الأراضي ونبيعه للأهالي، ووصل سعر الطن اليابس منه إلى 90 ألف ليرة سورية، فيما يبلغ سعر البرميل الواحد من مادة الديزل المقبول الجودة 100 دولار أمريكي تقريباً، وهذا ما يدفع الكثير من الأهالي الفقراء للاحتطاب من الأحراش”.
أن الوقت الطويل الذي تحتاجه الشجرة ليكتمل نموها وتحقق الهدف من وجودها ينهار في لحظة تحطيب واحدة، قد لا تتوفر الظروف مرة أخرى لإعادة زراعتها، ولكي لا يدفع أهالي المنطقة وأطفالهم مستقبلاً ثمن استهتار البعض، يبقى الدور الأساسي والمسؤولية الكبرى على عاتق المؤسسات والهيئات للمحافظة على تلك الأحراش قبل فوات الأوان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*