الرهاب النفسي.. هل هو مرض أم مجرد عارض

زيتون – وعد البلخي 
بتوتر واضح وبجسد متشنج ووجه محتقن يجلس في مقعده المحدد بالطائرة، متأملاً في وجوه الركاب من حوله وحركة المضيفين، وما أن تقلع الطائرة حتى يتمسك بكرسيه ويتصبب عرقاً، يتطلع بشكل متكرر من النافذة وقد ازدادت ضربات قلبه وصعب عليه التنفس، وحين تنتهي مرحلة الإقلاع ويبدو على المسافرين الراحة، يستمر المصاب برهاب الطيران بالهلع، ليبدأ بطرح الأسئلة بشكل متكرر مع جاره حول موعد الوصول ومناقشة زمن الرحلة متأكداً من ساعته بشكل دائم، كما تتآكله الهواجس والمخاوف من سقوط الطائرة ومآلات موته المحتم، ليفكر بشكل جدي حول إمكانية اتخاذ بعض الإجراءات التي تخفف من حدة موته المفاجئ بما يتعلق بأسرته وأهله.


هذا بعض ما يصيب إحدى حالات مرضى الرهاب من الطيران والذي يعتبر من الرهاب البسيط بحسب تصنيفات الطب النفسي، وهو الخوف غير الطبيعي والغير مبرر، الذي يؤثر على مجمل حياة المصاب ووجوده.
ورغم أن مشاعر الخوف والقلق والتوتر تعتبر مشاعر إنسانية طبيعية، تكون بمثابة جهاز إنذار لخطر محدق أو قريب أو محتمل، وتدفع بالإنسان إلى اتخاذ إجراءات وتصرفات يمكن أن تزيد من أمنه وسلامته الجسدية والنفسية، إلا أنها تتحول في كثير من الأحيان إلى خوف مبالغ به، كما يمكن أن لم يكون مبهماً وغير مفهوم، نتيجة لعدم وجود أسباب واقعية لهذا الخوف، وهو ما يطبع شخصية المصاب بصفات المرض النفسي، هذا التحول في الخوف المنطقي إلى الخوف الغير مبرر، والذي ليس له أسبابا منطقية، هو ما يسمى بالرهاب.
ويُعرف الدكتور بعلم النفس “سعيد عز الدين” في حديث لزيتون الرهاب بأنه هو حالة خوف من شيء أو موقف أو مكان ليس له في الحالة العادية صفة الخطر، ويتصف بأنه خوف غير متناسب مع الموقف، ولا يمكن تبريره منطقياً، ولا يستطيع الشخص التحكم بهذا الخوف، ولذلك يلجأ إلى الهرب وتجنب الموقف المسبب للخوف عنده.
ويقول الطبيب النفسي والمدرب على الدعم النفسي الاجتماعي “جلال نوفل” لزيتون: “يمكن للمرء أحياناً تجنب المواضيع التي يخاف منها، لكن بعض الأنواع من الرهاب يمكن أن تعطل الحياة، كالرهاب الاجتماعي الذي يمنع الكثيرين من المحاضرة والتحدث أمام الناس، وهو بهذه الحال مرض جدي وليس عارضاً بسيطاً أبداً، والرهاب مثل أي قلق هو خوف مبالغ فيه لا يستدعي كل هذا الخوف، ولا يملك مريض الرهاب أي تفسير منطقي، وهو يعلم أنه لا يخيف، لكن مشاعر الخوف تنتابه مع كل أعراضه كضربات القلب أو نشفان الحلق”.

وليس للرهاب موضوعاً محدداً، إذ يمكن أن يتحول أي موضوع أو مكان أو حيوان أو حالة ما، إلى رهاب للمريض، وأبرز ما صنفه الطب النفسي لأنواع الرهاب هو الرهاب البسيط والرهاب الاجتماعي، ورهاب الأماكن الضيقة والفسيحة والمرتفعة، ويتفرع عن هذه الأنواع الرئيسية أنواعا كثيرة للرهاب قد تصل في بعضها على سبيل المثال إلى رهاب الزهور والقطط.
ورغم أن السفر بالطيران يعتبر أكثر أمنا من السفر براً إلا أن استطلاعاً للرأي أجرته شركة بوينغ سنة 2010، أثبت أن أكثر من 17% من الأمريكيين يهابون السفر جواً، بالإضافة إلى بعض المشاهير كالموسيقار محمد عبد الوهاب، والأديب نجيــب محــفوظ، والرئيس الكوري الشمالي كيم يونغ.
ويروي أحد المصابين برهاب الأماكن المرتفعة لزيتون كيف اضطر تحت ضغط رفاقه لمرافقتهم إلى إحدى الأديرة الأثرية في سوريا، وبعد رحلة طويلة دامت لساعات كانوا متحمسين لرؤية الدير، عجز عن الاستمرار بالصعود جراء خوفه، واضطر إلى الإعتراف برهابه من الأماكن المرتفعة، ما سبب له إحراجا نتيجة لتراجع رفاقه عن متابعة الرحلة تعاطفاً معه.
كما عبر أحد المصابين برهاب الطيران بقوله: “هل أنا مجنون حتى أغامر بحياتي بالصعود إلى معدن سيرتفع بي آلاف الأمتار عن الأرض، لا أعتقد أن هذا أمر منطقي”.
وتقول الدراسات النفسية أن النساء أكثر عرضة للإصابة بمرض الرهاب، مع الأخذ بعين الاعتبار تكتم الرجال على خوفهم، واعتبار البوح بمخاوفهم أمراً قد يمس برجولتهم.
أسباب الرهاب ودور الأسرة 
يرى “عز الدين” أن الخوف المنطقي هو خوف غريزي، فالطفل الرضيع يخاف بشكل غريزي من أمرين اثنين، هما الصوت المفاجئ والسقوط من الأعلى، أما بقية المخاوف فهي مكتسبة، أو أنها تأتي بالتدريج مع التقدم في العمر وتراكم الخبرات والتجارب، ولكن حتى الآن ما يزال السبب الحقيقي وراء الرهاب محل جدل، فهناك نظريات تقول إنها ناتجة من تفاعل معقد لتجارب سابقة غير سارة في الطفولة، وأخرى تقول إنها خلل في كيمياء الدماغ “النواقل العصبية”، وثالثة تقول إن الموضوع وراثي، وأعتقد أن كل هذه العوامل تتضافر وتنتج الرهاب”.
كما يمكن للرهاب أن يظهر مصاحباً لمرض آخر، على سبيل المثال قد يظهر نتيجة القلق، ويسمى حينئذ “القلق الرهابي”، كذلك إذا ظهر الخوف بشكل مفاجئ بعد سن الأربعين، فيجب الشك باضطرابات المزاج، ولا يمكن إغفال بعض الأمراض العضوية التي تسبب الخوف والرهاب، مثل تصلب شرايين المخ أو التهاب السحايا أو حوادث الفص الصدغي، ومن هنا يجب عدم التسرع بوضع تشخيص للرهاب قبل البحث في الأسباب العضوية الأخرى، بحسب “عز الدين”.
بينما يعتبر الطبيب “نوفل” أن زيادة الضغوط والمخاوف الحقيقية، وانعدام الأمن لدى الأطفال، قد يكون هو السبب وراء اضطرابات الهلع، وقد يؤدي إلى نشوء وزيادة الرهابات عند الجميع.
وبما أن غياب الأمان هو الجذر الأساسي لاضطرابات القلق، هنا يأتي دور الأسرة في تعزيز الأمان لدى أفرادها، لإبعادهم عن أمراض الرهاب والقلق، ومنها تمكين العلاقات بين أفرادها وترسيخ العادات المحببة لديهم والتضامن العاطفي فيما بينهم، والمحافظة على روتين الحياة العادية، والعمل على إرساء نظام للحياة، هذا النظام هو إحدى صور الأمان لدى الطفل، وحتى البالغ، وهو ما يبعد احتمال إصابته بالأمراض النفسية واضطرابات القلق والرهابات، بحسب “نوفل”. 
الرهاب الاجتماعي
يعاني بعض الأشخاص من اضطراب وخوف غير مبرر يظهر عند قيام الشخص بالحديث، أو بعمل ما أمام مجموعة من الناس، فيخاف أن يظهر عليه الخجل أو الخوف أو أن يخطيء أو يتلعثم، مما يؤدي به للارتجاف وخفقان القلب وضيق التنفس وجفاف الحلق والتعرق، وهو ما يعرف بالرهاب الاجتماعي.
ويؤجل أحد المصابين بالرهاب الاجتماعي زواجه منذ سنوات، خشية وقوفه في المناسبات الاجتماعية، كما يحجم الكثيرون عن المشاركة في الحديث وطرح الأسئلة الضرورية، نتيجة لخوفهم من التلعثم والتعرض لسخرية الآخرين.
وبحسب الدكتور “عز الدين” فإن “الرهاب الاجتماعي” من أكثر أنواع الرهاب انتشاراً في محافظة إدلب، حيث يتجنب الشخص التواجد في مكان يجعله موضع انتقاد، أو أن يكون تحت أنظار الآخرين مثل الخوف من التحدث أمام الجمهور والخطابة، ويخشى أن يتصرف تصرفاً مخجلاً أمام الجميع، وهذا الرهاب الشائع له جذور عميقة في دماغ الإنسان، تم توارثها جيلاً بعد جيل، ويأتي “رهاب الأماكن المفتوحة أو الأماكن المغلقة” بالمرتبة الثانية من حيث انتشار المرض بشكل عام، وفيه يتجنب الإنسان الحشود والأماكن العامة، أو السفر وحيداً، أو السفر خارج منطقته، أو أن يغلق باب الغرفة أو نافذة السيارة وما إلى ذلك، وهناك أيضاً رهابات نوعية أخرى، مثل الخوف من الحشرات والكلاب والماء والدم والحقن وغيرها، مؤكداً أن حالات الرهاب في إدلب تشبه الأنواع المنتشرة في غيرها من المدن والبلدان.


الفروق بين الخوف الطبيعي والعقد والرهاب
ويوضح “عز الدين” لزيتون الفرق ما بين الخوف الطبيعي والرهاب: “الخوف من الغارات الجوية أو القذائف أو ما إلى هنالك، ليس عقدةً نفسية ولا رهاب، فالرهاب هو حالة خوف من موضوع لا يملك بالحالة العادية صفة الخطر، وعندما يتعرض الإنسان لموقف يهدد حياته يكون الخوف رد فعل طبيعيّ وسويّ، ونحن الآن ومنذ نحو سبعة سنوات، نعاين بشكل شبه يومي حالات تصل إلى الموت وإصابات خطيرة وفقدان أطراف، وأحداث تتجاوز شدتها ما هو مألوف في التجارب البشرية، فهل يمكننا القول بأن الخوف من الطيران والقذائف خوف غير مبرر أو أنه خوف وهمي؟ بالتأكيد لا، وأنا شخصياً أرتعب رعباً وجودياً عند سماع صوت الغارة”.
ولفت “عز الدين” إلى أن مصطلح “العقدة” هو أكثر مصطلح نفسي تداولاً بين الناس، وأكثرها خطأً، إذ أن كل من هب ودب يصف فلاناً بأنه معقد، أو يقول أنا لدي عقدة الخوف أو عقدة الخجل أو أنا معقد من كذا، وفي الواقع كل ما يصفونه هو أبعد ما يكون عن أن يوصف بالعقدة النفسية، فالعقدة ﻻتظهر بهذا الشكل، مضيفاً: “كل ما نراه من مشاكل نفسية هي في الحقيقة أعراض للمرض وليست المرض ذاته، وكي تتضح الصورة سأضرب مثالاً: لنفرض أن هناك شجرة ليمون، هذه الشجرة لها ساق وأوراق وأغصان، ولها أيضاً جذور تضرب في عمق اﻷرض، كل ما تراه من ثمار الليمون هي أعراض للشجرة (دليل على وجودها) وليست الشجرة نفسها، فللشجرة أغصان وأوراق وجذور، وإذا قطعنا الجذور فإن جميع الثمار ستذبل وتموت من تلقاء نفسها، هذه الجذور هي العقدة النفسية، وثمار الليمون هي اﻷعراض، فالخجل والخوف وكل ما نسميه عقدة هي أعراض وستموت وتنهار واحدة تلو اﻷخرى إذا وصلنا للجذور”.
طرق العلاج
ونظرا لكون الخوف هو أمر مكتسب يتم معالجة المصاب بالرهاب بإعادة التعليم والتأهيل مرة أخرى، وهو ما يدعى “العلاج الفكري السلوكي”، وذلك عن طريق شرح المعلومات الحقيقية عن موضوع رهابه، وتقريبه بشكل تدريجي منه حتى يتم التأكد من عدم خطورته.
ويؤكد الدكتور “عز الدين” أنه حينما يُعلم تماماً ما هو سبب الرهاب الأساسي، يمكن معالجته معالجة حقيقة، مبيناً أن هناك حالات من الرهاب تحتاج لأدوية، وحالات أخرى تحتاج لفهم وشرح الأسباب، وحالات غيرها تحتاج للاستماع، مفضلاً الدمج بين كل هذه الأمور للحصول على أفضل نتيجة، وذلك لأنه في حال كان سبب الرهاب أحداث وتجارب سابقة، يمكن الاستماع للقصة من المريض، وتفريغ هذا الخوف الذي يعاني منه عبر الجلسات.
ويضيف: “هناك حالات يمكن معالجتها سلوكياً عبر تقنية التعزيز والإطفاء، والحقيقة ليس نوع الرهاب هو الذي يفرض علينا إيجاد طريقة علاجه، وإنما الشخص بحد ذاته هو الذي يحتم علينا إيجاد الطريقة التي تناسبه، فنحن هنا نتعامل مع إنسان وليس مع آلة.
وينصح “عز الدين” المصابين بالرهاب بمواجهة مخاوفهم وتحديها كي يتمكنوا من تجاوزها، وكما أن الإنسان ينهض على قدميه ويعمل بدافع من أفكاره، فإنه يمرض ويشفى من أفكاره أيضاً، مستشهداً بقول الصحابي ع”لي بن أبي طالب”: (إذا هبت أمراً فقع فيه، فإن شدة توقّيه أصعب مما تخاف منه)، فإن خفت من شيء قم بمواجهته، وافهم مسبباته، لأن تجنبك لهذا الموقف أصعب من النتيجة التي تخاف منها”.
وكذلك يرى الكثير من أصحاب التجارب الذين شفوا من الرهاب، أن أكثر الطرق نجاعة هي في مواجهة موضوع الرهاب من قبل المصاب، والتدرب عليه، وهو بيد المصاب نفسه، ويحدده مدى جديته في تجاوز رهابه.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*