في وطني كنت خبازاً محترماً

زيتون – محمد بتش مسعود
الجزائر
المطر يغسل الأزقـّة الضيّقة، لفَّ برد شديد المدينة هذا الصباح، كنتُ أهرول محاولاً اجتناب لسعات الجوّ الباردة التـّي زلزلت جسدي.
عندما دخلتُ المقهى، تسارع دخان السّجائر إلى أنفي، أوف، الرّائحة تزكم الأنوف، ما أبشعها !!.كنتُ أمسكُ كوب الحليب السّاخن علـّني أشعر ببعض الدّفء، يقول المذيع: “دقّ ناقوس الجوع في سوريا”، حزّ في نفسي ما سمعت، تألـّمت بشدّة لأنـّي لم أسأل عن حال أيّ سوريٍّ، لقد تذكـّرتهُ، كان يجلس أمام مدخل مسجد المدينة الكبير حاملاً مصحفاً ومسبحة، أسرعتُ بالخروج، لحسن حظّي، كان ما يزال مُرابطاً في مكانه، سلـّمتُ عليه، رفع رأسه، ردّ السّلام بنبرة حزينة باردة، دعوتهُ لشُرب بعض الحليب، لم يتردّد في قبول دعوتي، كنتُ أراقبه وهوّ يرتشف الحليب، كان يفترس قطعة الخبز وكأنـّه لم يأكل منذ أمد بعيد، حَمدَ الله وشكرَ وأمطرني بدعاء طويل، طويل وأردف يقول: “في وطني كنتُ خبّازاً محترماً، كان متجري يُشار إليه بالبنان”.
“الله أكبر، الله أكبر”، كان صوت المؤذن يصدح متعالياً، إستسمحتهُ، لقد وعدني أن يكمل لي قصّته مرّة أخرى.
تحت أضواء المدينة، طفلة صغيرة تحمل كيس خبز، هرولتْ نحو صندوق القمامة، لقد رمته ! زادت حسرتي، تذكـّرتُ البطون الخاويّة، تذكـّّرتُ قصّة خبّاز سوريّ لم تكتمل، لقد ألفتهُ، تمنـّيتُ أن أعرف كلّ شيء عنه، لقد أحضرتُ له هدية، هذا اليوم لم أجدهُ في مكانه كما عهدته، شعرتُ ببعض القلق، إستغفرتُ، ليتني وجدتـّهُ، لقد بحثتُ عنه في كلّ مكان خطر على بالي، سألتُ عنه، لكن لا أحد كان يعرف وجهته.
عندما حلّ الليل، عدتُ خائباً وما تزال تلك الهديّة معي، ألقيتُ جسدي المتعب على السرير وفي أذني صوت ذاك السوريّ الحزين يدوّي.. “واخبزاه”، وأرخيتُ جفني لأرقٍ طويل.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*