في ذكرى مجزرة حاس.. آراء وشهادات أهالي الضحايا ومن عاشوا التجربة

خاص زيتون

«معي ولدين وبنت.. ديروا بالكن عليهن»، جملة ملطّخة بالدم والخوف، قالتها امرأة تتمدّد في سيارة الإسعاف، معصوبة العينين، مرتجفة الشفاه، ارتمتْ عليها أوجاع الكون دفعةً واحدة، في صباحٍ تقاسم فيه ملايين السوريين قبل أيام، وجعَ المأساة التي حلّت بأهالي بلدة حاس بريف إدلب الجنوبي، من خلال الصور ومقاطع الفيديو التي انتشرت بسرعة فائقة، للمجزرة التي ارتكبتها طائرات روسية وأخرى تابعة للنظام، وهي ليست الأولى من نوعها، وربما لن تكون الأخيرة، إلا أنها كانت مروّعة بكل المقاييس، بكلّ ما احتوته من خسائر.

يدٌ طفل مبتورة تمسك بحقيبة مدرسية، وبقعٌ دم لمدنيين كانوا أحياء، ووسط الركام نساءٌ ينعينَ الأحبّة، مقاعد مكسّرة، غطّى الغبار أحلام طلابها، وجدران ترتمي فوق أجساد غضّة، جاءت لتتعلم فخطفها الموت في بلد اعتادت على هكذا مشاهد.
مجزرة حاس أو مجزرة المدارس كما أسمتها وسائل الإعلام والنشطاء، والتي راح ضحيتها أكثر من 35 مدنيّاً بينهم أطفال ونساء، وعشرات الجرحى، أغلبُ حالاتهم بترٌ في الساقين واليدين، ودمار هائل في المدراس والبيوت السكنية، إذ ألقت الطائرات قنابل مظلية شديدة الانفجار على تجمّع للمدارس في البلدة.
تقول أم محمد، إحدى النساء، التي شاهدت قصف الطيران: كان الصوت الذي أحدثته تلك الطائرات مرعباً جداً، ثمّ بدأت الطائرات برمي قنابل على ارتفاع عالٍ، لتعلو النيران والأدخنة بشكل كثيف، هرعنا إلى منطقة قريبة من القصف، سمعنا صراخ الناس ونداءات استغاثة، بدأ الناس يهربون باتجاه الشوارع الفرعية، دون وعي، بكاء أطفال وعويل النساء وجثث مرمية هنا وهناك، لتبدأ غارة جديدة، وكأنها تلاحق من بقي حيّاً.
يؤكد إبراهيم الخضر، أحد الكوادر الإسعافية في منظومة إسعاف ريف إدلب أن حالات كثيرة وصلت إلى المشافي خلال دقائق، معظمها بتر في الأطراف، وبنسب خطورة عالية جداً، موضحاً: بعد ساعة من المجزرة لم يكن هناك سوى عشر شهداء، إلا أن عشرات المدنيين كانوا تحت الأنقاض، ليرتفع العدد بعد ساعات من المجزرة إلى 35 شهيداً بينهم 7 أطفال ومعلّمة مدرسة، وكلّهم موثّقين بالاسم وهم: 
(بكور سليمان البكور، اسماء محمد الضعيف، أمجد براهيم القدور، عارف النعسان، جورية أحمد القدور، جورية النعسان زوجة عارف، محمد جمال الشيخ، عزام اكرم قلعه جي، أحمد عبد الله الشيخ نجيب، اسماء محمد الضعيف، قاسم حسن اليونس، بيسان خالد الغريب، آية احمد الغريب، إيمان عبد الحليم العيدو، عبد الله عمر النجار ، بنت الطبيب مصطفى حاج سليمان، بنت المحامي عبد الحليم العيدو، بنت ظافر الأعرج، بنت سامح الشيخ، عمران الحموي، هشام شواغري، نازح من اللطامنة، نازح من ريف حماة، أسامة الشعبان، أحمد بكر الرحمون كفرنبودة، عبدالرحمن أحمد الشعبان، ابن أحمد مصطفى اليحيى، بنت جميل قلعه جي أبو خالد، بنت عوض الدودي، ابن عوض الدودي، زوجة أبو سمير النضارات، زوجة أبو ناظم القلعه جي، ريناد خالد الضعيف، عبدالله أسامة الأعمى، إيمان ابراهيم القدور) واستشهد الطبيب يوسف الطراف متأثراً بجراحه بعد يومين ليصبح الرقم النهائي 36 شهيداً.

تعليق عمل المدارس وإدانات دولية:
دمار كبير ألحقته القنابل بمكان القصف ومحيطه حيث دمرت مدرستين عن العمل نهائياً بعد تهدّم الأبنية بالكامل، عدا عن عشرات البيوت التي سوّيت بالأرض، بحسب ما أوضح مراسل «زيتون» لتصبح عشرات العوائل نازحة إلى القرى المجاورة، وعلى الفور سارعت مجمّعات إدلب التربوية لإعلان الحداد، وتعليق عمل الدوام المدرسي، لأسبوع، تحسباً لهجمات جديدة.

دوليّاً أدانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسيف، المجزرة وقال المدير العام للمنظمة أنتوني لايك، إن ما حصل مأساة وانتهاك صارخ، ويرقى لجريمة حرب، معتبراً أن هذا القصف قد يكون الأعنف من حيث استهداف المدارس منذ انطلاق الثورة، متسائلاً متى سيتحول استنكار العالم لمثل هذه المجازر إلى إصرار على إيقافها!؟.
فيما بدأت لجنة التحقيق الدولية المستقلة في سوريا تحقيقاً حول القصف الجوي الذي استهدف تجمّع المدارس.
وقالت اللجنة في بيان لها أنها أُصيبت بالدهشة نتيجة القصف الذي استهدفت فيه قوات الأسد مدرسة في قرية حاس بريف إدلب.
وأضاف البيان: الهجوم قتل فيه أكثر من 30 مدنياً، أغلبهم أطفال، ولقد بدأنا بتحقيق للتأكد من المسؤولين عن الهجوم، ونتقدم بالتعازي لذوي الضحايا.
وفي حلب، علّقت مديرية التربية والتعليم في القسم المحاصر من المدينة، الدوام المدرسي في جميع مدارس ومعاهد المدينة، حداداً على مجزرة حاس.
وقالت المديرية في بيان رسمي: إن الدوام سيعلق ثلاثة أيام في المدارس الرسمية والخاصة والمعاهد والمؤسسات التعليمية في مدينة حلب وريفها الغربي والجنوبي، بالإضافة لمدارس مجمع عندان التربوي.

ووسط كل هذه الضجّة التي أحدثتها المجزرة، والصور والفيديوهات التي سجلتها عدسات وسائل الإعلام، راوغت وزارة الدفاع الروسية أمام الموقف الدولي بأن القصف استهدف عدداً من الطائرات الأمريكية، التي رصدتها الأقمار الصناعية في سماء ريف إدلب، في الوقت الذي اعتبرت أن كل الصور والوقائع التي تؤكد حدوث مجزرة مروّعة بحقّ المدنيين، كانت مفبركة كالعادة، وتبقى بيوت العزاء في حاس مشرّعة للمعزين وسط الركام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*