أحمد على أبواب الوزارة

زيتون – أحمد فرج 
نهم وشره، مع مسحة من السخرية والتهكم والشر، لم يسلم أحد ممن حوله منها، متكرش وحاد الطباع، مع قدرة عالية على تطويع ما صعب على الآخرين من تبرير المواقف وإعطائها بعداً ضرورياً إن لم يكن إنسانياً ونبيلاً.
يستلقي أحمد على جانبه الأيمن وهو يخوض معركتين معاً، أولهما على جبهة الطعام، يخوضها كانغماسي قاتل تصل وحشيتها لما صنفته شرائع الغاب إلى الإبادة الجماعية، وثانيهما في إقناع الحضور بمدى خطورة معارضته وما يرمي إلى تحقيقه من مهام تضمن له سلطة أكبر.
شظايا الطعام المتطايرة من فهمه في ميدان معركتيه والتي تطال محدثيه، يمارسها كإحدى وسائل الضغط عليهم، إذ كلما زادت مقاومتهم في الامتثال وقبول رأيه، كلما زاد حجم الإصابات، مع بعض التلميحات بوعيد مبطن في استعمال ما يمكن لجهته المتطرفة من فعله في حال الرفض، لكنه ليضع آخر لمساته في الإجهاز على فريسته، يعود بسرعة إلى طريقة الجزرة في الوعود بما سينالونه من جوائز ومكافآت جراء انصياعهم.

لذة الطعام لدى أحمد ليس لها وقت مخصص، فكل ساعات النهار والليل متاحة لممارسة هذه اللذة، لكن أفضلها لديه هي تلك التي يخلو بها إلى نفسه، حيث لا يعكر صفو انفراده بعشقه شيء، لا سيما في الساعات المتأخرة من الليل، أو في ساعات انصراف الناس عنه، حتى أضحى استيقاظه من عمق النوم لتناول ما تيسر عادة محببة لا يسعى إلى تغييرها.

كميات الطعام الكبيرة التي يلتهمها أحمد تنعكس بشكل غريب على نشاطه اليومي، إذ تتحول تلك الكميات إلى قدرة هائلة للحركة والكلام والعدوانية، ويقر معظم معارفه بفرادته في نشاطه وحركته التي لا تتفق مع كتلته اللحمية، ولا ينسى أثناء صخبه النشط أن ينتزع بعض الدعوات من ضحاياه، لوليمة غداء أو عشاء، إن لم يكن اليوم فلا بأس بالغد.
لصوته وقع الصخور وتكسرها، غاشم حتى ولو في ضجيج سوق، فيه بحة عناد ولؤم، ونبرة توبيخ وذل، فيه مكابرة ونفاق، وشيء من الاحتقار والهوان بآن معاً.
في رد قاس حول نهمه وجهه له أحد أصدقائه المقربين لم يجرؤ على إضافة القسوة في انتقاده قال أحمد: “من منا ليس نهماً، ومن منا ليس مخلصاً في نهمه”، وفي حمى دفاعه عن نفسه أثبت أن النهم هي ميل طبيعي في كل إنسان، الفرق الوحيد هو في موضوع النهم، فالبعض بحسب أحمد نهم للمال، وآخرين نهمين للجنس، وهناك أنواع قد لا نصدق وجودها لدى البعض، وأبدى بفضل منطقه المهاجم أن أظرف أنواعها هي للطعام، ملمحاً إلى طيبة الأكولين وسماحة قلبهم.
بقفزات واثقة انتقل أحمد من منصب إلى آخر، حاملاً رسالته معه، معتزاً بخدمة أبناء بلده وبحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، معتبراً أنها ليست تكريما بقدر ما هي تكليف، “تكليف” هذه المفردة التي دأب على استعمالها لارتباطها بتكليف عاهد به نفسه على استمرار وضمان استدامة تمتيعها باللذائذ.
أحمد الذي نادى بكل الأهداف لم يؤمن يوماً بشيء، وتجنيد نفسه لخدمة المجموعات المسيطرة لم يكن يوماً لما نادت به تلك المجموعات، كان يدرك ببساطة أنها الطريقة الوحيدة للسعادة التي يريدها، فبعد تحديد الهدف الذي يسعى إليه، يحدد الوسيلة، كما يضع الأسلوب، ولا ينسى المؤثرات، لينطلق بعدها بهمة شرسة لتنفيذها.
بضمير حي أوقع بخصومه لدى أولياء الأمر، وبسيفهم أقصى منافسيه، انتصر على الصادقين والشجعان بعناده وقدرته التي لا تضاهى على الإصرار، ومن ثقب صغير في السلطة تسلل منه، استطاع أحمد أن يوسعه ويؤسس بمرونته وقسوته ونشاطه حيزاً واسعاً من النفوذ، متجاوزاً ممن كانوا يمنون عليه ببعض الصلاحيات.

علماني قديم، وصديق سابق للشيوعيين، متطرف أًصيل وإسلامي ملتزم، لديه من الذكريات عن مغامراته النسائية وحانات الخمر، كمّاً لا يقل عما يمتلكه من ذكريات التقوى والجهاد، بقعة السواد في جبينه اليوم قد تزول لصالح أغنية لفيروز غداً، وشطراً من قصيدةٍ لمحمود درويش قد تستبدل في ذات اللحظة لحديث أحد الأئمة.

حين كان يتحدث عن الكرامة كان يسخر من نفسه، ويتذكر ذله ومسكنته أمام مدرائه، وحين يذكر الحرية التي مات من أجلها السوريين بحسب خطابه القوي، كان يشعر بالضيق من تلك الترهات التي لا تطعم شيئاً، كان مضطراً لذكر ما يكره، لا لإقناع الآخرين بل لممارسة سلطته واستباق الخصوم في رفض ما يقول.
لا يضاهي صخبه النهاري إلا شخيره في النوم، استجرار الحديد على الحديد، قشط الأظافر على المعدن، صوت الزئير ممزوج بصوت البراكين، عذاب تام وتجبر مميت لسامعيه.
في آخر إنجازاته يقترب أحمد من الوزارة، لتتحقق أحلامه وتكبر موائده ويذل من استعصى عليه سابقاً، مستمتعاً بنظرة الحسرة في عيون أعدائه الذين يعرفونه جيداً، وبصوته العالي المتنمر، وبمعركتيه، ما يزال أحمد ينادي بالحرية والكرامة وخدمة أبناء بلده.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*