مكتبة الشبكة العربية.. ملتقى العرب في إسطنبول

زيتون – حياة الخضر
بلا يافطة تدل عليها، سوى ما تناقله الرواد بين بعضهم من عناوين إلكترونية ليستدلوا عليها، في شارع وُزعت في منتصفه مقاعد للمارة، تقبع مكتبة الشبكة العربية في حي الفاتح بإسطنبول، إحدى المكتبات العربيات الثلاث الوحيدات في المدينة، جامعة أكثر من ثمانية آلاف كتاب فيها، يتردد إليها كل العرب من جميع الجنسيات.


ليس لـ «عمر السعود» العامل في مكتبة الشبكة العربية وهو طالب في كلية الشريعة، سوى ثلاثة أشهر في المدينة، بعد هربه من ملاحقة قوات النظام له، تاركاً أهله وزوجته في الغوطة الشرقية، بهدوء وود وبانسجام بالغ مع مشهد الكتب ورائحتها، يقدم عمر القهوة لرواد المكتبة كمن يقدم هدية لصديق، قنوع ومؤمن وراسخ، ساعدته خبرته في وظيفته السابقة بالسجل المدني بالغوطة على عمله في توضيب المكتبات.

منذ افتتاح المكتبة قبل شهر ونصف، بدأ عمر عمله فيها، يقتضي واجبه افتتاح المكتبة صباحاً، يستقبل الرواد الصباحيون الذين يحبون قراءة الصباح كمتنفس لهم على فنجان من القهوة، وأغلبهم من كبار السن، كما يرتب الكتب المبعثرة على الرفوف، فيما يأتي البعض الآخر مساء بحسب ما يسمح به وقتهم، ويزداد الحضور بشكل كبير في أيام العطل، إذ يأتي الكثير من محافظات أخرى.

يشير عمر إلى أن أغلب رواد المكتبة الصباحيين من السوريين المقيمين في حي الفاتح، لكن لا يخلو الأمر من بعض الجنسيات العربية الأخرى كالعراقيين والمصريين والمغاربة، منوهاً إلا أن وقت الزيارة تحدد هوية الزبون، وبإمكانه التعرف على الرواد من أوقات زيارتهم، فالطلاب يأتون الساعة الرابعة عصراً، بينما يأتي العاملون فيما بعد الساعة السادسة.
يحكي عمر عن لقاءات العرب ببعضهم في المكتبة، سواء من الجنسية ذاتها أو حتى من جنسيات مختلفة، إذ يعتبر الكتاب والمكتبات سفراء تقارب بين المتصفحين، لافتاً إلى أمسية شعرية أقيمت مؤخراً تعرف الكثير من العرب فيها على بعضهم مصادفة، فيما التقى آخرون بأصدقاء لم يكونوا يعرفون بوجود بعضهم في تركيا.

وعن خطبة شاب سوري من مدينة حمص لفتاة سورية مقيمة في فرنسا، يحكي عمر تفاصيل لقاءهما صدفة أثناء بحثهما عن كتاب معين

ويتابع عمر بأن الشبان يبحثون عن شريكة حياتهم في الأمكنة المناسبة، فمن يبحث عن فتاة مثقفة لا بد أن يستهدف المكتبات، وهو ما كان عمر شاهداً عليه.
فيما يستهدف الشبان الروايات، ويستهدف المختصون ما يناسب اختصاصاتهم، وتذهب النساء إلى قضايا المرأة والطبخ، كما يرغب الجميع في الكتب التي تم منعها في الدول العربية، والمتوفرة في مكتبة الشبكة العربية بحي الفاتح.

ويرى عمر أن أهمية المكتبة تأتي من إثبات وجود عربي في إسطنبول، فضلاً عن نشر الوعي والثقافة لدى الجاليات العربية، ويعبر الكثير من الرواد عن راحتهم وسعادتهم بحضور اللغة العربية في عناوين الكتب وفي نكهة القهوة والشاي السوريتين، وحديث الكادر والزبائن.
وتنتشر عدة فروع لمكتبة الشبكة العربية في كل من مصر ولبنان والمغرب، فيما يدير كادر من المصريين والسوريين فرعها باسطنبول، ويشير عمر إلى تميز مكتبة الشبكة العربية عن باقي المكتبات بالسعة والتعاون الجيد من قبل القائمين على المكتبة مع روادها.

وللمكتبة صفحة إلكترونية على موقع الفيس بوك، تقدم من خلالها عناوين الكتب الجديدة الواردة، ومواعيد نشاطاتها الثقافية، وتصنف المكتبة الكتب بحسب دور النشر، بخلاف المكتبات التي تعتمد في معظم تصنيفاتها على نوع الموضوع.

أحد الزبائن وهو مالك لمكتبة سورية صغيرة قال عن المكتبة لزيتون: «أتسوق أحياناً بعض الكتب المطلوبة بشكل سريع اختصاراً للوقت الذي يتطلبه جلبها من خارج سوريا، ورغم ارتفاع سعر الكتاب في مكتبة الشبكة العربية، إلا أن حسن التعامل والاستقبال من إدارة المكتبة والكادر يعوض الفرق».

مدير المكتبة «يحيى زكريا» لا يرى أن مكتبة الشبكة العربية على حداثتها يمكن أن يكون لها دور يؤهلها حالياً للعب دور الملتقى بين العرب، لكنه أشار إلى النشاطات الثقافية المساهمة في هذا الدور، مؤكداً على أن الأمسية الأخيرة كانت لشاعر عراقي، لكن الحضور كان من السوريين والمصريين وباقي الجنسيات العربية، وبشكل أو بآخر، بدأت الجاليات العربية التعرف على ثقافة بعضها البعض، من خلال حضورهم نشاطات ثقافية مشتركة، وما يتخللها من نقاشات وتجاذب لأطراف الحديث. 
كما يجد البعض أن الكتاب بحد ذاته هو ملتقى عربي، يأتي ذلك من حياديته وخلوه من الفوارق الشكلية واللغوية، وهو ما تتيحه المكتبات بوجود هذا الرابط الورقي من أسباب التقارب بين مختلفَين. 


أقامت مكتبة الشبكة العربية أمسيتان شعريتان خلال شهر ونصف من افتتاحها، وتستعد لإقامة معرض لكتاب الطفل في 20 من شهر تشرين الثاني الحالي لمدة 6 أيام، كما يَعِد مدير المكتبة ببرنامج ثقافي واسع، سيتخلله معارض لكتب ولقاءات مع كتاب ومفكرين وأمسيات وندوات فنية بشكل دوري، لتمكين أكبر شريحة عربية في إسطنبول من الفائدة.

ويعتبر «زكريا» أن افتتاح مكتبة للشبكة العربية في إسطنبول أمر طبيعي نتيجة لوجود جالية عربية واسعة مع قلة المكتبات المتواجدة فيها، لذا من المهم خدمة هذه الجالية ومدها بوسائل المعرفة ومنها الكتب، التي يتشاركها الكثير من الأتراك المتعلمين للغة العربية والمتخصصين بها إلى جانب الجالية العربية، واصفاً الإقبال على المكتبة بالجيد.
وفي الشارع المقابل للمكتبة يمر الكثير من العرب والسوريين، وفيما تستمر المكتبة بفتح أبوابها، تزداد احتمالات اللقاء بينهم، على أمل أن يكون الكتاب بضفتيه جسراً للتواصل فيما بينهم.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*