من أليسار إلى رغداء.. ثورة السوريات مستمرة

زيتون – ياسمين محمد

منذ ثورة “أليسار” في صور حين قادت الفينيقيين إلى قرطاجة وحتى اليوم، ما تزال المرأة السورية تنحت حقوقها بجدارة انسانيتها ورفضها للمساومة على كرامتها، وكان لها في الثورة السورية فرصة لتشارك أبناءها وإخوتها طريق الدم والعمل من أجل حريتها وحرية مجتمعها.
حضور واثق وقوي ينم عن ثقافة وعزيمة صقلتها التجارب، ملأ فضاء شبكات التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزة، ولفت أنظار العالم إلى تاء التأنيث السورية، التي شكلت علامة الربيع السوري الفارقة، حيث شاركت الأنثى بشكلٍ فاعل في الحراك السلمي، على مختلف المستويات والأصعدة، حتى جعلن من الثورة أنثى وجعلت الثورة من كل واحدةٍ منهن شعلةً ووقوداً لها.


“رغداء غنوم” ناشطة طموحة من مدينة سراقب، شاركت منذ الأيام الأولى للثورة بتوثيق الحالات الإنسانية والمعتقلين والانتهاكات التي تعرضت لها المرأة في ظل الفوضى الأمنية في المراحل الأولى للثورة وما زالت، بعد أن رأت أن الحراك الثوري منذ البدايات هو مستقبلها الأفضل.
في البدء كانت المظاهرة
شاركت «رغداء» في بداية الثورة في المظاهرات التي كانت تخرج ضمن الحرم الجامعي، حيث كانت طالبة في السنة الثانية بقسم اللغة العربية بجامعة البعث بحمص، فالتحقت بموكب الثورة، وعملت بتوثيق الإضراب وتصوير المظاهرات وبثها على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تتعرض للملاحقة الأمنية، وتترك دراستها الجامعية.
بعد الاقتحامات المتكررة للسكن الجامعي من قبل قوات النظام، وذلك بعد نحو ثلاثة أشهر من بدء الثورة، لجأت رغداء إلى ممارسة التمريض وإسعاف الجرحى سراً في مشفى الشفاء في مدينتها سراقب.
وكان الدافع الأكبر لمشاركة رغداء هو إيمانها بصدق الأصوات التي نادت بالثورة، والروح الحقيقية للثورة وأهدافها، ورؤيتها الظلم والقمع بأم عينها، مما دفعها للخروج ضد الكبت والظلم ونصرة للشعب الذي نال من الظلم كثيراً، على حد تعبيرها لزيتون.
كما شاركت رغداء خلال السنوات الماضية من الثورة في العديد من النشاطات الإنسانية والطبية والتنموية، بدءً من: حملات الإغاثة والتوعية في المناطق المنكوبة والمخيمات، إلى الحملات الطبية في المناطق النائية، وصولاً إلى تأسيس وإدارة فريق الخنساء التطوعي، وإدارة مكتب الشمال المحرر في رابطة الياسمين (وهي عبارة عن تجمع لجمعيات تعاونية).

تأسيس فريق الخنساء التطوعي

وعن فريق الخنساء التطوعي وعمله، قالت «رغداء» لزيتون: «كنا قرابة ال 15 متطوعاً معظمهم من الشبان، نعمل معاً بشكل غير منظم في معالجة الجرحى والمصابين في البيوت ونقدم لهم ما نستطيع تقديمه ضمن إمكانياتنا المتواضعة، وقررنا إنشاء الفريق كتجمع شبابي ينظم عملنا، وبدأنا بجمع التبرعات من الأصدقاء، ثم تطور عملنا بتنفيذ بعض المشاريع بالتعاون مع بعض الجمعيات، وأبرزها رابطة الياسمين».
وأضافت: «ونقوم في فريق الخنساء بتدريب الفتيات على التمريض والاسعافات الاولية، ضمن دورات يقيمها الفريق، وقد تم تخريج ما يقارب مئة شابة قادرة على العمل والإسعاف في جميع الظروف، ونعمل بشكل يومي في مقر الفريق في مدينة سراقب، ضمن برنامج تدريب اسعافي وتمريضي، وعملنا مشترك (إغاثي- طبي)، كما بدأنا العمل مؤخراً على الملف التعليمي، وقد دفعنا إلى ذلك حرص أعضاء الفريق على المساهمة الحقيقية بالإعمار والنهوض بمجتمعنا والمساهمة في أكبر قدر ممكن من المجالات، بالإضافة إلى رسم الابتسامة على وجوه الأطفال، حيث كان مشروع كسوة العيد من أكثر المشاريع التي أدخلت السعادة إلى قلوبنا بعد رؤية سعادة وفرح الأطفال حينها».
تحديات وصعوبات 
وحول الصعوبات والمخاطر التي واجهتها «رغداء» خلال عملها، قالت: «كانت أبرز الصعوبات والتحديات التي واجهتها هي عملي كفتاة وحيدة ضمن الكادر الطبي في المناطق المنكوبة أو المشتعلة، ومواجهتي للموت عدة مرات، سواء عبر استهدافنا المباشر من قبل الطيران كنقاط طبية، أو عند إصابتي بالكلور مرتين أثناء العمل، بالإضافة إلى التحديات التي واجهناها خلال تأسيس فريق الخنساء وحتى استطعنا الانطلاق بهذا الشكل الذي نحن عليه الآن، والذي وصلنا إليه بفضل صدق وإخلاص كادرنا».
وأضافت: أما الموقف الأبرز الذي ترك أثراً كبيراً في نفسي، فهو عندما كنا نعالج أحد الأطفال في مدينة إدلب، بعد تعرضه لإصابة في أطرافه السفلية جراء القصف، ووالدته تبكي أمامه وهو يحاول تهدئتها ويقول لها: «لا تخافي يا أمي، أنا رجل، لا يستطيع بشار ولا طائراته إخافتي»، حيث ذهلت من قوته وكلامه الأكبر من عمره، وأحسست بالعجز التام أمامه.

وحول موقف أهلها ودعمهم لها، أوضحت «رغداء» أن كل عملها كان بموافقةٍ ودعمٍ من عائلتها التي كان لها الدور الإيجابي الكبير في عملها، إيماناً منهم بالثورة وبمطلبها الحق بالحرية لشعبنا، ورد الظلم عنه.

ورأت «رغداء» أن مشاركة المرأة في الثورة كانت فعالة جداً، وأنها تميزت بثباتها على الصعاب، ومشاركتها الواسعة في كافة المجالات سياسياً وطبياً وتعليمياً وإغاثياً وغيرها، فضلاً عن أنها أصبحت تنوب عن الرجل في العائلات التي فقدت أزواجها، فتحملت عبء تربية أولادها ومتاعب الحياة الصعبة في ظل الحرب الدائرة، إلى جانب مشاركتها في بقية المجالات.
وأكدت «رغداء غنوم» على نيتها مواصلة مسيرتها في العمل الثوري، وشعورها بالفخر بعملها، وشعورها بالتقصير في الوقت ذاته أمام احتياجات المدنيين ومعاناتهم المتواصلة، يدفعها إلى ذلك إيمانها بأن الثورة ستنتصر وستحمل لسوريا وأهلها مستقبلاً مشرقاً، وذلك لأنها عبرت على أشلاء أبناء الوطن، وقادتها إرادة شعب لايعرف الهزيمة، فأثبتت بتضحيات شعبها أنها ثورة عزة وكرامة في وجه الظلم والإستبداد.

 
 
 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*