من إصابتها بكيماوي الغوطة إلى التوثيق والعمل الحقوقي

زيتون- ياسمين جاني
بجسد نحيل، وبأزمة صحية متكررة، نالت من أعصاب يديها وقدميها، وبصبر كبير، قضت ولاء محمد الناشطة الحقوقية مواليد دمشق 1984، سنوات طويلة، بعد بدء الثورة، خلف شاشة حاسوبها، وفي أروقة المنظمات الحقوقية في المملكة الأردنية، لتحقق ما عاهدت نفسها على تحقيقه، إعادة حقوق السوريين المضاعة، ولئم جراحهم، ومساعدتهم على الوقوف من جديد، بعدما تعرضت له من محنة هي وأسرتها.


في بداية عام 2013 خرجت ولاء من دمشق إلى الغوطة الشرقية مصممة على العمل في المشافي الميدانية، ومساعدة الجرحى، لكنها لم تجد الوقت الكافي لهذا العمل، بسبب تمريضها لزوجها الذي تعرض لإصابات متكررة جراء عمله فيما يشبه الدفاع المدني حالياً، تقول ولاء عن تلك الفترة:
“خرجت إلى الغوطة وكلي قناعة ورغبة بمساعدة الجرحى، انضممت إلى إحدى دورات التمريض هناك، في مركز طبي متواضع، أنشأته إحدى الممرضات القديرات في الغوطة، لم أتخلى عن رغبتي بالعمل حتى بعد اصابات زوجي، لكن ما كان يراه من إصابات للأطفال والنساء كان يمنعه من السماح لي وللأطفال بالعمل في تلك المراكز، حرصاً منه على نفسية الأولاد”.
وتضيف ولاء: “كنت مؤمنة بأن سلامتنا ليست مضمونة في البيت، وأن قدرنا لا يغيره اختباؤنا من القصف، وأن الناس بحاجة لكل مساعدة ممكنة، وكنت أرى في زوجي مثلاً أعلى، وهو الذي ترك كل شيء في حياته خلفه، لمساعدة الناس، كما كنت أرى في مديرة المشفى -وهي امرأة أربعينية- مثالاً رائعاً لي، حيث أنها أشرفت عليه، وعلى دورات التمريض المقامة فيه، وكانت يداً بيضاء وأماً لكل المصابين والجرحى”.
تروي ولاء تفاصيل حياتها في تلك الفترة في الغوطة الشرقية، حيث لم يكن القصف ليتوقف على مدار اليوم، إذ كانت تتساقط القذائف حولهم بشكل دائم، ولم يكن هناك ملجأ في المبنى، جاهدة إبعاد الصغار عن رؤية الأشلاء التي كانت تجلب إلى المركز الصحي المجاور لهم، وتأمينهم قدر الإمكان عن خطر القذائف المنهمرة كالمطر.
وتتابع ولاء: “منذ الساعة السادسة صباحاً وحتى الثامنة صباحاً، كان هناك غارتين للطيران بشكل يومي، وهو ما تسبب للأطفال بأزمات نفسية حادة، وزاد من رفض زوجي بعملي في المركز، لا سيما مع عدم وجود أقارب لنا يمكن ترك الأطفال عندهم أثناء عملنا”.
ليلة الحشر
تصف ولاء محمد يوم مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية بليلة الحشر وتقول: “في الساعة الثانية إلا خمس دقائق تحديداً، يوم الأربعاء 21 آب من عام 2013، استيقظت على صوت انفجار صاروخ قوي وغريب، ورغم أني لم أكن أخاف من القذائف والصواريخ قبلها، لكن في تلك الليلة دفعتني غرابة صوت الانفجار وإحساسي إلى الخوف والفزع، لم أشعر بالخوف على الأطفال شعرت بالخوف فقط على زوجي”.
تتوقف لتعود بذاكرتها إلى منتصف رمضان من ذات العام، أي قبل مجزرة الكيماوي بعشرين يوماً، لتروي عن حادثة تركت فيها خوفاً على حياة زوجها، إذ بعد عودته في أحد الأيام إلى البيت بعد انتهاء عمله ونومه، تبادر إلى ذهنها أنه ميت بسبب لون وجهه الأزرق وبرودة جسده، كان يرتدي قميصاً أرزق وبنطال ذا لون بيج، بإحساسها أدركت أن حياة زوجها لن تطول”.
تستكمل ولاء قصتها في ليلة الحشر، حين بدأت الأصوات تتعالى في الشارع، ولخوفها على زوجها، سورته بالوسائد كي تجنبه شظايا النافذة في حال تكسر زجاجها كالعادة.
مرت ساعة ولم يصحو زوجها، ليقوم كالملسوع بعدها مسرعاً إلى الشارع، حيث كانت الجثث والمصابين تملؤه، فهناك من يشعل النار تخفيفاً لحدة الغازات، وهناك من يركض رغم إصابته من “حلاوة الروح”، وهناك من يصرخ لإخبار الأهالي وتوعيتهم وطلب المساعدة من القادرين، مشهد هو أقرب للجحيم، حيث الموت يتسلل بصمت إلى النائمين، يسلب الأطفال والنساء والرجال أرواحهم، بلا صوت وبلا دماء، لم يكن هناك سوى صوت الحشرجات، وصوت خروج الزبد من أفواه المصابين وتشنج عضلاتهم وارتعاشهم كورق يابس.
استشهد زوج ولاء وهو يحاول إنقاذ المصابين، بذات الثياب التي كان يرتديها في ذلك اليوم حين ظنت أنه ميت، وانتقلت ولاء مع الخارجين إلى مكان خارج الغوطة، دون أن تعلم مصير زوجها، لكنها كانت متيقنة من إصابته وإصابتها مع أطفالها. 

حين لجأت بعدها بشهرين إلى الأردن، لم يكن أمامها من هدف سوى نشر الحقيقة عما حدث في الغوطة، بناء على وصية زوجها في فضح النظام، في الأردن بحثت ولاء عن مسؤولة لجنة تقصي الحقائق، وزارت منظمة الصليب الأحمر الدولي، والتقت مع مدير مكتب الأمم المتحدة في الشرق الأوسط، ومدير مكتب الأمم المتحدة في مصر، تحدثت معهم عما جرى وحكت كيف قضى الناس بصمت في بيوتهم أثناء نومهم، قدمت عشرات المرات شهادتها للقنوات التلفزيونية ولكل وسائل الإعلام المتاحة، شاركت بشهادتها برسالة طلاب الماجستير في كلية الإعلام من خلال فيلم مصور لتعريف الشباب الأردني بوضع الثورة السورية بشكل عام، وبمجزرة الكيماوي بشكل خاص.
في شهر تشرين الثاني من عام 2013 خضعت ولاء لدورة لحقوق الإنسان وتوثيق الانتهاكات، برعاية من منظمة “هيومن رايتس ووتش” التابعة للأمم المتحدة، ثم لتشارك في تشكيل منظمة حقوقية مع عدة شبان سوريين، كانوا مشاركين معها في ذات الدورة، وثقوا خلال عملهم الأوضاع الإنسانية والصحية والاقتصادية والميدانية في سوريا، وتقدموا بتقاريرهم الدورية للأمم المتحدة، وللكثير من الجهات التي تناصر الشعب السوري، وما زالت المنظمة تقوم بعملها حتى هذا الوقت.
خضعت ولاء للكثير من الدورات التدريبية حول المرأة والطفل وحقوق الإنسان، بهدف صقل أدائها وجعله أكثر احترافاً ومهنية، منها دورة تدريبية في مجال تعزيز دور المرأة بالتعاون مع عدة منظمات دولية، أبرزها منظمة هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العمل الدولية.
كما شاركت ولاء المؤسسة السورية للتوثيق والنشر في توثيق بيانات المعتقلين والجرحى، وقامت بتوثيق الشهداء وعائلاتهم، وظروف استشهادهم، إضافة إلى ما كانت تقدمه من عمل بصفتها عضو بالمكتب الحقوقي بمجلس قيادة الثورة بدمشق وريفها، إذ قامت بتوثيق شهداء الغوطة الشرقية والمجازر والمقابر الجماعية.
وفي المركز العربي للسلام والأمن الدولي ساهمت بتوفير ملف الاختفاء القسري للمعتقلين المغيبين، والمفقودين المجهولي المصير. 
كما شاركت بشكل فاعل في توثيق وإجراء مقابلات مع المفرج عنهم، وخصوصاً النساء والأطفال، من خلال عملها الغير رسمي في الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وذلك بكتابة قصص انسانية ورصد الحالات الصحية والنفسية لهم، إضافة للقاء الجرحى والمصابين المتواجدين في المملكة الأردنية.
وأنجزت فيلماً وثائقياً عن حياة السوريين قبل الثورة وبعدها، وعن مجزرة الكيماوي، بالتعاون من شركة إنتاج غربية، فاز الفيلم بجوائز عدة في الدول الأوروبية.

اختزلت ولاء حياتها الشخصية ولمدة أكثر من أربعة أعوام في متابعة الأوضاع الميدانية وتوثيق المعتقلين والقتلى والجرحى، والبحث عن عائلات وضحايا مجزرة الكيماوي الذين أصيبوا في الغوطة، في محاولة منها لرفع دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية بمساعدة بعض المنظمات الحقوقية.

لكن العمل الطويل والمكثف ترك أثره على حياتها، وعلى اهتمامها بأطفالها، وتعرضت لحالات من الاكتئاب والانطواء النفسي أبعدها عن الواقع، لتعيش معزولة على حاسوبها، مكرسة حياتها للعمل.
وجدت خلاصها في مشاركة الناس لا سيما حين توجهت باهتمامها إلى الأطفال ذوي الإعاقة، وساهمت بحملات دعم نفسي ونشاطات توعوية وترفيهية لهم، ولاقت هذه الحملات إقبالًا لافتًاً وحقيقياً من قبل الأطفال ذوي الإعاقة، الذين خرجوا من عزلتهم ليشاركوا في النشاطات وبتفاعل رائع، كما لاقت صدىً واسعاً بين الأهالي، الذين لمسوا التغيير الطارئ على أطفالهم نتيجة لهذه المشاركة، لتستمر الحملات فيما بعد مع الأهالي في حوارات ونقاشات حول طرق التعامل مع الأطفال وأفضل الحلول لمشاكلهم وخاصة النفسية.
قاعدة من البيانات المتحركة كانت تجسدها ولاء لكل الجهات التي كانت تحتاجها، كانت على معرفة واسعة بمعظم ما كان يحدث في سوريا، كانت ترغب بمعرفة كل شيء، واطلاع العالم على كل شيء، لم تكن تعمل من أجل كسب شخصي، كان هدفها أن تنتصر هذه الثورة ويعود الحق لأصحابه.
حاولت بشكل فعلي أن تنشئ مع بعض الناشطات والمعتقلات السابقات في سجون النظام، رابطة للمعتقلات السوريات، بهدف توثيق المعتقلات في السجون، إضافة إلى إعادة تأهيل المفرج عنهن، لا سيما بعد أن شاهدت تجارب مؤلمة لنساء تعرضن لسوء المعاملة من عائلاتهن، وأزواجهن بعد خروجهن من المعتقل، وحول قصص إنسانية مؤثرة، أيقنت أنهن بحاجة إلى دعم صحي ونفسي بشكل ضروري.
ما تزال ولاء حتى اليوم تلاحقها كوابيس المجزرة، كما تلاحقها اسماء الشهداء والمعتقلين الذي لم توثقهم، رغم ما تملكه من ذاكرة استثنائية في تذكر أي اسم يمر عليها، ما زالت ترى اسماء البعض الذين لم تتمكن من معرفتهم، يبحثون عن اسمائهم وحقهم في القوائم والليالي الطويلة.
في بداية العام الحالي انتقلت ولاء إلى أوروبا، لتلتفت إلى حياة أطفالها ومستقبلهم، الذين طالتهما رضوض نفسية مما تعرضوا له وشاهدوه في سوريا من محنة ومن أثر الغازات عليهم، بانتقالها كانت تحاول إيجاد نفسها، وترميم ما تخرب من روحها، إذ اكتشفت أنها وقعت ضحية عملها، وصارت بحاجة لمن يساعدها، لكنها ما تزال تراقب من بعيد، شوارع مدينتها وحياة أهلها، وما يزال حلم عودتها وقضية بلدها يضغطا على كل ما عداهما.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*